مدونة المعارف

08‏/03‏/2014

لماذا الدعوة إلى توجيه العلوم والمعارف توجيهاً إسلامياً ؟


بسم الله الرحمن الرحيم  


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
فتأتي الدعوة إلى التوجيه الإسلامي للعلوم والمعارف استجابةً لحاجة البشرية المُلحة في وقتنا الحاضر إلى إعادة النظر في مختلف العلوم والمعارف المُعاصرة من الناحية المنهجية التي تفتقر إلى التوجه الإسلامي الصحيح الذي لا بد منه ، ولا غنى عنه لتصحيح مسار هذه العلوم ، وتحقيق أهدافها المنشودة لاسيما وأن معظم المناهج التعليمية في عالمنا الإسلامي تعتمد اعتماداً كلياً على معطيات ومسلمات الفكر الغربي المعاصر المستمد من الحضارة الغربية المعاصرة ؛ وهو فكرٌ حضاري تغلب عليه صفة " العَلْمَنة " التي نفذت إلى صميم نظامنا التعليمي ، وأحدثت الشرخ الكبير الذي عزل علوم الدنيا عن علوم الدين ، وأفسد الإطار القيمي ، والأخلاقي ، والروحي ، الذي كان يحكم ويُرشد نشاطنا التعليمي كله . وعلى الرغم من أن الحضارة الغربية المُعاصرة قد أحرزت تقدماً حضارياً لافتاً للنظر في بعض الجوانب العلمية المعاصرة ، الأمر الذي ترتب عليه أن تكون رائدةً في هذا الجانب وحده ؛ إلا أن هناك جوانب أُخرى على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية لم تتمكن حضارة الغرب من مجرد الاقتراب منها ؛ وعلى رأسها الجوانب العقدية التي تفتقر إليها تلك الحضارة بصورةٍ لافتةٍ للنظر . 

وهذا يعني أن الغاية المنشودة من عملية التوجيه الإسلامي للعلوم والمعارف العلمية والأدبية والتربوية تتمثل في العمل على تخليصها و تنقيتها من مختلف التصورات المادية والإلحادية المنتشرة في الغرب ، والمبنية على وجهات النظر الفلسفية البشرية القاصرة ، وإخضاعها بالكلية لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف ، وقيمه ، وضوابطه ، وتوجيهاته ، وآدابه النابعة من الأصول والمصادر الإسلامية الأصيلة المتمثلة في ( القرآن الكريم ، والسُّنة النبوية المطهرة ) ؛ بحيث تستمد منها مفاهيمها الأساسية ومنطلقاتها الرئيسة .مع مراعاة أن تكون عملية التوجيه مواكبةً لظروف العصر ومتغيراته ؛ وملائمةً لتحقيق مصالح البشرية المختلفة في كل زمانٍ ومكان . إلا أن هناك سؤالاً يفرض نفسه قائلاً : ما هي العلوم والمعارف التي تحتاج إلى توجيهٍ إسلامي ؟

وهنا تأتي الإجابة لتوضح أن هناك تصنيفاً مبدئياً معروفاً للعلوم والمعارف يُقسِّم موضوعات مباحث هذه المعارف والعلوم إلى : 
* العلوم الشرعية : مثل علوم العقيدة وأصولها ، والفقه وأصوله ، والقرآن وعلومه ، والحديث وعلومه ..إلخ .
* العلوم الإنسانية والاجتماعية : مثل الاجتماع ، والاقتصاد ، والسياسة ، والنفس ، والفلسفة ، والأدب ، والفنون ..إلخ .
* العلوم الطبيعية : مثل علوم الفيزياء ، والكيمياء ، والفلك ، وطبقات الأرض ، والهندسة ، والرياضيات ، .. إلخ .

إذا ما سلمنا بصحة هذا التصنيف واعتمدناه فإن الحاجة إلى عملية توجيه العلوم والمعارف تختلف - ولا شك - باختلاف هذه الأقسام الثلاثة ؛ إذ أن العلوم الشرعية لا تحتاج إلى عملية التوجيه ؛ لأنها تشتمل في أصلها على المصدر والمقياس الذي سيتم من خلاله توجيه بقية العلوم والمعارف الأخرى . في حين تأتي العلوم الإنسانية والاجتماعية وما في حكمها في حاجةٍ ماسةٍ وضروريةٍ إلى عملية التوجيه الإسلامي ؛ لأن موضوعها الرئيس ومحور ارتكازها يتمثل في النفس الإنسانية على المستويين الفردي والاجتماعي . وهي شديدة التأثر بالظروف والعوامل الحياتية وما فيها من تجارب وخبراتٍ زمانيةٍ ومكانية ؛ إضافةً إلى تأثرها بمختلف الفلسفات البشرية ، وما تشتمل عليه من الآراء والأفكار ووجهات النظر المتباينة ؛ فكان من الضروري أن تخضع هذه العلوم وما في حكمها لعملية التوجيه الإسلامي للعلوم حتى تضبط اختلافها وتُصحح مسارها .

أما العلوم الطبيعية فتأتي في المرتبة التالية للعلوم الإنسانية والاجتماعية إن لم تتساو معها في الحاجة إلى عملية التوجيه الإسلامي ، فعلى الرغم من أنها تعتمد في الأساس على مجموعةٍ من الحقائق والقوانين العلمية التي لا نزاع فيها ، ولا خلاف حولها بين الناس ؛ إلا أنها في حاجةٍ ماسةٍ وضروريةٍ وهامةٍ لعملية التوجيه لتُركز على ضبط هذه الحقائق العلمية ، وحُسن توظيفها ، وتسخيرها علمياً وعملياً لما جاءت به تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وخدمة للمصالح الإنسانية سواءً على مستوى الفرد أو الجماعة ؛ حتى تكون – بإذن الله – نافعةً ومفيدةً لا ضارةً ومدمرة . 

كيفية تحقيق عملية التوجيه الإسلامي للعلوم والمعارف ؟
كثيرةٌ هي المقترحات والتوصيات التي يمكن أن تُسهم إسهاماً فاعلاً في تحقيق عملية التوجيه الإسلامي للعلوم ، وبخاصة متى تم تنفيذها والعمل بموجبها . وكثيرون هم القادرون على الإسهام المباشر في هذه العملية الحيوية في مختلف المجالات والميادين سواءً على مستوى الأفراد أو الجماعات في مختلف مرافق ومؤسسات المجتمع المسلم التي تتكامل أدوارها معاً لتحقيق عملية التوجيه المطلوبة ؛ إلا أن أبرز الجهات التي لا يُمكن إغفال دورها في هذا الشأن هي المؤسسات العلمية والتعليمية وبخاصةٍ الجامعات ، والمعاهد ، ومراكز البحث العلمي التي يقع عليها الجزء الأكبـر من هذه المهمة العظيمة ؛ لأنها تزخر بكثيـرٍ من الطاقات البشرية الفاعلة ؛ المتمثلة في العُلماء ، والمفكرين ، والأساتذة ، والباحثين ، وطلبة العلم ، والدعاة وغيرهم من الغيورين الذين عليهم أن يحتسبوا هذا العمل الجليل عند الله تعالى ، وأن يحرصوا على توظيف طاقاتهم ، وإمكاناتهم ، ومواهبهم بشكلٍ فاعلٍ ومنظمٍ لخدمة هذه العملية بصورةٍ يمكن من خلالها تحقيق الأهداف المقصودة ، والغايات المنشودة ؛ لإعادة بناء الأمة المسلمة وتصحيح مسارها . 
والخلاصة أننا بحاجةٍ ماسةٍ إلى عملية التوجيه الإسلامي للعلوم والمعارف حتى تتمكن الأمة بذلك من العودة إلى ذاتها ، وبناء هويتها المميزة التي تُمكنها من الانطلاق مرةً أخرى إلى بناء حضارة الأمة المسلمة التي وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها خير أُمةٍ أُخرجت للناس . والله نسأل أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والسداد ، والهداية والرشاد والحمد لله رب العباد .




المرجع : http://www.saaid.org/Doat/arrad/15.htm


إرسال تعليق