مدونة المعارف

12‏/04‏/2017

خبطة الجمعة بعنوان (حفظ الأعراض )


الحمد لله... وبعد:
فلقد شاء الله تعالى بحكمته أن يظل وجود الإنسان في الأرض، زماناً بعد زمان، وجيلاً بعد جيل، يخلف بعضه بعضاً؛ ابتلاءً واختباراً في عبادة الله وطاعته، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ فخلق سبحانه الزوجين الذكر والأنثى، وجعل في كل منهما غريزة الميل إلى الآخر، ووضع لهذه الغريزة حدوداً تحدها، وضوابط تضبطها وتهذبها؛ تصرفها في السبيل الحلال، وتجنبها سبل الحرام. وإن العقول السليمة، والفطر السوية المستقيمة، بله الشرائع السماوية كلها: تقضي بأن حفظ العرض وصيانة الكرامة، ضرورة من ضرورات العمران البشري، وإلا أصابه الخراب والفساد. ففي الحديث (لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم)[1].
وهذه الدراسات الطبية، والمؤسسات الصحية العالمية؛ تخبر العالم من حين لآخر بما تحار فيه الألباب وتذهل له العقول.
وفي الناحية الاجتماعية: فما شاع الزنا في مجتمع إلا انهار فيه نظام الأسرة، وما يرتبط به من واجبات اجتماعية وتكافلية، ولا تسل حينها عن كثرة اللقطاء؛ الذين لا يعرف لهم آباء يسألون عنهم، وإذا كثر اللقطاء، كثر الجانحون والمتشردون؛ فأصبحوا مادة لإفساد المجتمع.
من أجل ذلك، حفظ الله المجتمع المسلم عن انتشار الزنا، بما شرعه من ضمانات وقائية، وأحكام شرعية، تجنب هذه الفاحشة، وتقاوم وقوعها في مجتمع الطهر والعفاف.
ففي فاتحة سورة "النور" - بعد أن ذكر الله سبحانه شناعة جريمة الزنا - ذكر سبحانه من فاتحتها إلى تمام ثلاث وثلاثين آية منها: أربع عشرة وسيلة وقائية.
منها: أنه - سبحانه - حرم على المؤمنين زواج الزانيات، وتزويج الزواني إلا بعد التوبة، ومعرفة الصدق فيها، فقال تعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾"[2].
طهر العين من النظر إلى المرأة الأجنبية، ومنها إلى الرجل الأجنبي، فقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ "[3].
حرم إبداء المرأة زينتها للأجانب عنها، فقال تعالى: "﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ [النور: 31]"[4].
منع ما يحرك الرجل ويثيره؛ كضرب المرأة برجليها، أو خضوعها بقولها، فقال تعالى: "﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ "[5].
وقال سبحانه "﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾"[6]. أدب المؤمنة وهي ترفع رجلا وتضع أخرى، أدبها حتى في نبرات صوتها.
أمر بالاستعفاف من لا يستطيع الزواج، وندب إلى فعل الأسباب لتحصيل القدرة عليه؛ فقال تعالى: "﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾  "[7].
وفي السنة النبوية الشريفة تدابير وقائية أخرى.
منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم الخلوة بالأجنبية، حيث قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما "[8].
عباد الله، وأعظم الضمانات وقاية للمجتمع من شيوع الفاحشة: فرض الحجاب على نساء المؤمنين، بنص قوله تعالى في سورة النور: "﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ "[9].
وقوله تعالى في سورة الأحزاب: "﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ... ﴾ "[10].
يقول العلماء: قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾ دليل على وجود الأذية إذا لم يحتجبن؛ لأنهن إذا لم يحتجبن، ظن أنهن غير عفيفات؛ فيتعرض لهن من في قلبه مرض.
عباد الله، لقد أجمل الله سبحانه ما سبق تفصيله من الضمانات وغيرها، وما يترتب على تعديها من مفاسد صحية واجتماعية في أبلغ عبارة وأوضح بيان، لو ما أنزل الله في كتابه غيره، لكفى تنبيها لأولي الألباب؛ حيث قال تعالى: "﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾"[11].
الخطبة الثانية
أما بعد: فإن آخر حصن ومعقل لحفظ العرض وصيانة الكرامة وحراسة الفضيلة، ما أودعه الله تعالى في نفس كل آدمي من غيرته على الأعراض؛ غيرة النساء على أعراضهن وشرفهن، وغيرة أوليائهن عليهن، وغيرة المؤمنين أن تنال الحرمات أو تخدش بما يجرح كرامتها وعفتها.
الغيرة في القلب مثل القوة في البدن، تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت، أصبح البدن قابلا للأمراض، فتتمكن منه فيكون الهلاك.
والعرب في جاهليتهم قبل الإسلام، لم يكونوا يعرفون في حفظ العرض هوادة، ولا في صيانة الكرامة مواربة، حتى تجاوزوا في الغيرة حدودها، إلى كراهة أن يلدوا البنات، إلى وأدهن وهن على قيد الحياة، إلى حروب تنشب بينهم، شرارتها: تعد على عرض أو إهانة لكرامة.
ويوم أن جاء الإسلام أقر هذه الغيرة وهذبها وطهرها ونقاها مما خرج بها عن حدها واعتدالها؛ فشجع على الرغبة في إنجاب البنات بدلا من كراهيتهن، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته كن له حجابا من النار يوم القيامة»[12].
وميز النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يحمد من الغيرة وما يذم؛ حيث قال: «إن من الغيرة ما يحب الله عز وجل، ومنها ما يبغض الله عز وجل، فأما الغيرة التي يحب الله عز وجل: فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله عز وجل: فالغيرة في غير ريبة»[13].
عباد الله، وإذا كان الإفراط في الغيرة مذموما، فإن التفريط فيها أشد ذما؛ لأن ضعف الغيرة في الإنسان أو انعدامها، يجعله أحط من العرب في جاهليتهم قبل الإسلام، بل وأحط من بهيمة الأنعام التي تغار بغريزتها؛ فذكور الماعز تغار، والديكة والإبل والقردة يغارون، وهذا أمر معلوم مشاهد لدى الناس.
وسبب ضعف الغيرة أو انعدامها: كثرة ملابسة الذنوب والمعاصي. يقول العلماء: وكلما اشتدت ملابسة المرء للذنوب، أخرجت من نفسه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك قبيحا، لا من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد، فقد دخل في باب الهلاك. ففي الحديث: «ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث»[14]. والديوث: هو من يقر الفحش في أهله، ولا غيرة له عليهم.
عباد الله، في ظلال الفضيلة منعة وأمان، وفي مهاوي الرذيلة ذل وهوان.
وإذا هدم للفضيلة حصنها، وإذا ضيع أمر الله، فكيف تستنكر الخيانات البيتية، والشذوذات الجنسية، وحالات الاغتصاب، وألوان الاعتداء.
يقول تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾[15].
حفظ الله لنا وللمسلمين العرض والكرامة، وثبت في قلوبنا الغيرة على الحرمات، ووقانا سبل الردى والهلكات.
[1] سنن ابن ماجه، الحديث رقم 4019 وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة الحديث رقم 106.
[2] النور 03.
[3] النور 30.
[4] النور 31.
[5] النور 31.
[6] النور 32.
[7] النور 33.
[8] سنن الترمذي رقم 1171 وصححه الألباني. انظر: الإرواء رقم 1813.
[9] النور 31.
[10] الأحزاب 59.
[11] الإسراء 32.
[12] سنن ابن ماجة رقم 3669 وصححه الألباني.
[13] سنن النسائي رقم 2558 وحسنه الألباني.
[14] سنن النسائي رقم 2562 وقال الألباني: حسن صحيح.
[15] النساء 26، 27.



حفل لتخرج طلاب وطالبات جمعية تحفيظ القرآن الكريم ببريدة

:: تقرير :: جمعية تحفيظ القرآن الكريم بتندحة ل 5 سنوات

جمعية تحفيظ القرآن بوادي لِيّه

حفل جمعية القرآن السنوي بالمسجد النبوي 1423هـ

جمعية تحفيظ القرآن الكريم ببني الحارث

19‏/03‏/2017

زيارة المرأة للأطباء الرجال

- الأصل أنه إذا وجدت امرأة طبيبة متقنة فلا يصح الإعراض عنها لطبيب إلا إذا خيف عدم قدرتها أو عدم اتقانها ، أما في شتى الأمراض العادية والبسيطة فالأصل عدم كشف العورات إلا عند الطبيبة المرأة ..
س- وماذا عن الأمراض الشديدة أو عند الضرورة ؟
- يجوز للمرأة أن تتداوى عند طبيب رجل في قول عامة أهل العلم، إذا دعت الضرورة إلى ذلك..
س- إذا لم تكن هناك ضرورة ؟ يعني في الأمراض العادية ؟
- أجاز أيضا جماعة من أهل العلم اطلاع الطبيب عليها أيضا بشروط:
الأول: ألا توجد امرأة طبيبة تصلح لذلك أو كانت توجد لكنها ضعيفة أو غير متقنة .
الثاني: أن يكون ذلك في حضور محرم لها.
الثالث: ألا تكشف إلا موضع المرض، وأن تستر ما عداه ستراً جيداً.
الرابع: أن يكون الطبيب أميناً.
قال العز بن عبد السلام :
" ستر العورات واجب، وهو من أفضل المروءات، وأجمل العادات، ولا سيما في النساء الأجنبيات، لكنه يجوز للضرورات والحاجات." قواعد الأحكام
قال الخطيب الشربيني : 
" فللرجل مداواة المرأة وعكسه، وليكن ذلك بحضرة محرم، أو زوج... ويشترط عدم امرأة يمكنها تعاطي ذلك من امرأة، وعكسه .." [مغني المحتاج]
وقال ابن مفلح :
" فإن مرضت امرأة، ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منها .." [الآداب الشرعية]
وقال أبو يعلى : 
" نص أحمد على أنه يجوز للطبيب أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة "

14‏/03‏/2017

برنامج آدم | الحلقة الثانية - كلمات ( اعتراف ) | سلمان العودة

برنامج آدم | الحلقة الأولى ( أبوة ) | سلمان العودة

برنامج آدم | الحلقة التاسعة عشرة - ذرية | سلمان العودة

الرضا بالله تعالى ربًّاعنوان خطبة الجمعة لعام 2017م شهر مارس17

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71].

أمَّا بعدُ: فإنَّ أحسن الحديث كلام الله -تعالى- وخيرَ الهدْيِ هَدْيُ مُحمَّد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل مُحْدَثةٍ بِدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس: الإيمانُ بالله -تعالى- وسلوك صراطه المستقيم، والتزامُ شرعه الحنيف، واتباعُ سنة رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- نعمةٌ يمنّ الله -تعالى- بها على من أراد سعادته، ويحرم منها من كتبت عليه الشقاوة.

والرضا بالله -تعالى- ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا؛ هو جوهر السعادة، وعنوان الفلاح، وبه يجد العبد حلاوة الإيمان؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ذاق طعمَ الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً))؛ رواه مسلم، فهذا الحديث العظيم يُثبت أن للإيمان طعمًا حلوًا يجده من حقق هذا الرضا، وكلما امتلأ القلب بهذا الرضا عظمت الحلاوة، وازداد الإيمان.

إنها نعمة - وأيُّ نعمة - أنعم الله -تعالى- بها على المؤمنين، فهداهم للإيمان، ووفقهم للرضى به.

قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: "قوله: ((ذاق طعم الإيمان)) أي: وجد حلاوته، كما في حديث أنس: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)) وهي عبارة عمَّا يجده المؤمن المحقق في إيمانه، المطمئن قلبه به؛ منِ انشراح صدره، وتنويره بمعرفة الله -تعالى- ومعرفة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة مِنَّة الله -تعالى- عليه في أن أنعم عليه بالإسلام، وَنَظَمَهُ في سِلْكِ أُمَّةِ مُحَمَّد خير الأنام، وحبب إليه الإيمان والمؤمنين، وبغّض إليه الكفر والكافرين، وأنجاه من قبيح أفعالهم، وركاكة أحوالهم. وعند مطالعة هذه المنن، والوقوف على تفاصيل تلك النعم؛ تطير القلوب فرحًا وسرورًا، وتمتلئ إشراقًا ونورًا، فيا لها من حلاوة ما ألذَّها، وحالة ما أشرفها!! فنسأل الله -تعالى- أن يمنَّ بدوامها وكمالها، كما منَّ بابتدائها وحصولِها؛ فإنَّ المؤمن عند تذكر تلك النعم والمنن لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة، غير أن المؤمنين في تمكنها ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شرب معلوم، وذلك بحسب ما قُسم لهم من هذه المجاهدة الرياضية، والمنح الربانية".

إن الرضا بالشيء هو القناعة به، فمن رضي بالله -تعالى- ربًّا لم يطلب غيره، ومن رضي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- رسولاً لم يسلك إلا ما يُوافق شريعته، ومن كان كذلك خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه.

والرضا بذلك عام وخاص، فالرضا العام أن لا يتخذ غير الله -تعالى- ربًّا، ولا غير دين الإسلام دينًا، ولا غير محمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً، وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم؛ إذ لا يصح التدين بدين الإسلام إلا بذلك الرضا.

وأما الرضا الخاصّ فهو الذي تكلم فيه أرباب القلوب، وأصحاب السلوك، ويحققه العبد إذا لم يكن في قلبه غير الله -تعالى- ولم يكن له همٌّ إلا مرضاته، فيخالف هواه طاعةً لله -تعالى- وقد ذكر المحقّقون من العلماء أنَّ الرضا أعلى منازل التوكل، فمن رَسَخ قدمُه في التوكل والتسليم والتفويض لله -تعالى- حصل له الرضا ولابد، ولكن لعزته، وعدم إجابة أكثر النفوس له، وصعوبته عليها؛ لم يوجبه الله -تعالى- على خلقه؛ رحمة بهم، وتخفيفًا عنهم. لكنَّه -تعالى- ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه - تعالى – عنهم، الذي هو أعظم وأكبر وأجلّ من الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه، بل إن رضى العبد عن الله ما هو إلا من نتائج رضى الله -تعالى- عنه؛ ولذا كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وفيه جماع الخير كله؛ كما كتب عمر بن الخطاب لأبي موسى - رضي الله عنهما - يقول: "أمَّا بعد: فإن الخير كله في الرضا".

إن مَن رضي بالله -تعالى- ربًّا وجد حلاوةً في طاعته، ولذةً في البعد عن معصيته، ومن رضي بالإسلام دينًا وجد حلاوةً في اتباع الشريعة، والعمل بها، والتحاكم إليها، ومن رضي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- رسولاً وجد حلاوة في اتباع سنته، والتزام هديه.

ومن كان كذلك فلن يجد مشقة في أداء الفرائض، والمحافظة على النوافل، وكثرة التطوع والذكر؛ لأن لذته في ذلك، ولن يعسر عليه بغض المعاصي والمحرمات، والبعد عنها، وإنكار قلبه لها؛ لأنها تفسد طعم الإيمان الذي يجده، وسبب ذلك كله ما قام في قلبه من كمال الرضا بالله -تعالى- وبدينه وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)). وفي الحديث الآخر: ((أرحنا بالصلاة يا بلال))، فهو - عليه الصلاة والسلام - أكمل الناس رِضًى عن الله -تعالى- ولأجل ذلك كان يستروح بالصلاة، وجُعلت قرة عينه فيها، فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه من طول القيام، ولا يحس بذلك؛ لما يجد من لذة في مناجاة الرب جلَّ جلاله.

ولأهمية هذا الرضا، واحتياج المسلم إلى تأكيده وتذكره على الدوام؛ ربط بالنداء إلى الصلاة المفروضة خمس مرات في اليوم والليلة، فُشرع للمسلم عقب إعلان المؤذن دخول وقت الصلاة أن يقول من جملة ما يقول في الأذكار عقب الأذان: "رضيت بالله ربًّا وبمحمد رسولاً وبالإسلام دينًا" فمن قال ذلك غفر له ذنبه، كما جاء في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - عن النبي، صلى الله عليه وسلم.

وشُرع للمسلم أيضًا أن يفتتح صباحه ومساءه بهذا الذكر العظيم؛ فقد صحّ عن النبي أنه قال: ((ما من عبد يقول حين يمسي وحين يصبح: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة))؛ رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم.

الله أكبر ما قيمة هذا الإنسان، لولا الإيمان؟! حتى يجعل الخالق البارئ حقًّا عليه لهذا العبد المخلوق؛ لأنه رضي بالله -تعالى- ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً، وهذا الرضا في الدنيا جعل له حقًّا عند الله -تعالى- في الآخرة أن يرضيه، وما أعظمها من منزلة ينالها من حقق الرضا بذلك.

والجواد الكريم يُرضي من يرضي بالعطاء الجزيل، والخير العظيم، والله -تعالى- واسع العطاء، وهو أكرم الأكرمين. وما أجلَّه مِن ذكْرٍ يفتتح به العبد صباحه ومساءه؛ ليكون له هذا الوعد الكريم من رب العالمين ((إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه)).

فاللهم أرضنا، وارض عنا، وعن والدينا، وعن إخواننا المسلمين، إنك سميع مجيب.

أقولُ هذا القول، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده حمدًا يليق بجلاله وعظمته، وأشكره شكرًا يوازي فضله ونعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى - أيها الناس - وأطيعوه، واعلموا أن الرضا بالله -تعالى- ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا سببٌ يوجب الجنة للعبد؛ كما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((مَن قال: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا وجبت له الجنة))؛ رواه مسلم وأبو داود واللفظ له.

بل إن العبد يَجْنِي جزاءَ هذا الرضا في الدنيا قبل الآخرة، بحلاوة الإيمان التي يمتلئ بها قلبه، وبما يحصل له من تفريج الكروب، وزوال الهموم، والإمامة في الدين.

هذه أمكم هاجر - عليها السلام - الأَمَةُ المؤمنة، التي كانت خادمة في قصور الفراعنة، فأهداها ملكهم لسارة زوج الخليل إبراهيم - عليهما السلام - وأهدتها هي لزوجها، فوقع عليها، فحملت بأبيكم إسماعيل - عليه السلام - فلما وضعته رحل بها إبراهيم - عليه السلام - هي ورضيعها إلى مكة المقفرة من الماء والزرع، الخالية من الأحياء، فلما وضعها وولى يريد الشام تعلقت به، ونادته من ورائه: "يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله".

وفي رواية قالت: "آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا". فأكرمها الله -تعالى- على رضاها به أن جعل ابنها إسماعيل - عليه السلام - رسولاً نبيًّا، وأعظم كرامة نالتها في الدنيا أن جعل من نسلها إمام المرسلين، وخاتم النبيين، سيد ولد آدم محمدًا، صلى الله عليه وسلم.

ومن رضي بالله -تعالى- وخالف هواه ومشتهاه، وناله من جرائه عنت ومشقة؛ أرضاه الله تعالى.

إن كثيرًا من الناس يظن أنه نال كمال الرضا أو أكثره، ولكن عند الابتلاء يظهر له كم هو ضعيف في هذا الباب، تراه يُقدِّم رضى المخلوقين الضعفاء على رضى الخالق القاهر؛ رغبةً في جاه أو مال، أو دفعًا لأذًى متوهم، مع أنه يعلم أن النافع الضار هو الله سبحانه. وتلك هي طريقة المنافقين التي عابها الله -تعالى- فقال - سبحانه -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 62]، وما أكثر من يقع في ذلك، فيُقدم رضى المخلوقين على رضى الخالق؛ خوفًا من سطوتهم، أو رغبة في ثوابهم، نسأل الله العفو والعافية.

وضعف أهل الإسلام في هذا الزمان، وتسلُّط أهل الكفر والنفاق عليهم، وغربة الدين بين الناس، لا توجب الضعف والوهن، بل يجب على المسلم الثبات واليقين، والرضا بالله -تعالى- إلى أن يلقاه وهو على الحق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "وكما أن الله -تعالى- نهى نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يُصيبَهُ حُزن أو ضيق ممَّن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره، فالمؤمن منهي أن يحزن عليهم، أو يكون في ضيق من مكرهم، وكثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغير كثير من أحوال الإسلام؛ جزع وكَلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا؛ بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر، وإن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار"اهـ.

ألا فاتقوا الله ربكم، وارضوا به ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً، واثبتوا على ذلك إلى الممات، جعلني الله وإياكم من أهل الثبات.

اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وجميع خلقك بأننا قد رضينا بك ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً، اللهم فثبتنا على ذلك إلى أن نلقاك، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل، أو نفتن أو نُفتن، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، فاتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56] اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن البررت الأتقياء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وأَعِنه على البِّر والتقوى، وسدِّده في أقواله وأعماله، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة، اللهم وفق جميع ولاة أُمور المسلمين للعمل بكتابك، واِتباع سنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-. اللهم إنا نسألك ألسنة ذاكرة صادقة، وقلوباً سليمة، وأخلاقاً مستقيمة برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.

اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة، واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، يا كريم يا رحيم.

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينها عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلكم تذكرون، فذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
المكان / مسجد المركز العام  بالأندلس

08‏/12‏/2016

صياغة الخطبة


أمور يلزم مراعاتُها لحُسن صياغة وجودة مضمون الخطبة:
هناك أمور تجدر مراعاتها لتكون الخطبة ذاتَ مضمون جيد، وأسلوب بليغ، وصياغة راقية، ومنها ما يأتي:
1- وضوحُ الألفاظ، وخلوُّها من الغموض والتعقيد:
ومراعاة هذا الأمر في أسلوب الخطبة وصياغتها على جانب كبير من الأهمية، فينبغي أن لا يستخدم الخطيب ألفاظًا غير معروفة لجمهور المخاطبين، مثل استخدام " التبر " بدلًا من الذهب، وكمن يريد أن يقول: إن هذا الأمر جدير بالملاحظة، فيقول: إن هذا الأمر قمين بالملاحظة، وكمن يقرأ بيتًا من الشعر يحتوي على ألفاظ غير مفهومة، ولا يقوم بتوضيحها للمخاطبين.

ومما يتصل بهذا أيضاً: إصرار بعض ذوي التخصصات العلمية على استخدام تعبيرات في خطبهم ليست متداولة خارج إطار تلك التخصصات، أو أن يعمد الخطيب إلى نقل كلام لأحدهم يتضمن بعض العبارات التخصصية، وينطقها كما هي على الناس الذين لا يفهمون مدلولاتها، ولا معانيها، فتقطع متابعتهم له، وتفاعلهم معه.

هذا؛ ولأنّ خطيب المسجد يتحدث إلى جمهور متفاوت في ثقافته وتعليمه واستيعابه، فإن عليه مهمةً خطيرة وليست هينة، وهي أن يُفهِم الجميع، ويحاولَ التحدث بلغة واضحة للجميع، ولكي يصل إلى هذا الغرض يتحتم عليه أن يتجنب الألفاظ التي لا يعرفها إلا المثقفون، حتى لا يضيع مَن دونهم، كما يتحتم عليه أن يجتنب الألفاظ المبتذَلة، حتى لا ينفر منه المثقفون، ولكن يلتزم الوسطية، فيتخير ألفاظًا فصيحة، وهي في ذات الوقت سهلة الفهم على غير المتعلمين من العوام، وإذا شعر أن اللفظ به شيء من الغموض على بعض فئات الحاضرين، عمد إلى شرحه وتفسيره وبيانه.

والحمد لله فإن اللغة العربية غنية بكثرة مترادفاتها، وإكثارُ الخطيب من القراءة في كتب الأدب يُنشِئ لديه ثروة أدبية، ويثري حصيلته اللغوية، فيتمكن من البراعة والاقتدار على تخير ما يشاء، وما يناسب من العبارات والألفاظ.

ويشير بعض العلماء إلى ملاحظة في هذا الخصوص، وهي: " أن العامة وناشئة المتعلمين يفهمون المعاني الإجمالية رغم أن بعض الجمل والعبارات تخفَى عليهم، ومن هنا كان التكرار والإلحاح على المعنى الواحد بعبارات مختلفة له أهميته، فمن خفيت عليه جملة بينتْها الأخرى " 

وأود أن أؤكد للخطيب على أمر هام، وهو أن لا تحملَه الرغبة في وضوح الأسلوب وخلوِّ تعبيره من الغموض على أن تكون الألفاظ مبتذَلة، نازلة المستوى " فيذهب رواءُ الخطبة، ويضيع جلال معانيها، كاستعمال لفظ " أتعشم " في موضع أرجو وآمل وأطمع، وكاستعمال لفظ " أفْتكر " في موضع أتفكر، أو أفكر أو أتأمل، أو أذكر، ونحو ذلك من الألفاظ العامية أو المبتذلة القريبة منها، التي شاع استعمالها على ألسنة بعض خطبائنا خطأ " 
فعليه أن يختار ألفاظ خطبته بعناية كبيرة، فتكون ألفاظًا مهذبة فصيحة، يسمعها الجمهور فيزداد توقيرًا للخطب، وإكبارًا له.

2- مراعاة آداب الكلام :
وقد ذكر الإمام الماوردي بعض الآداب التي يجب توافرها في كلام المتكلم، حَريٌّ بالخطيب أن يضعها في الاعتبار، نوردها هنا لأهميتها، قال رحمه الله [3]:
واعلم أن للكلام آدابًا إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه، وطمس بهجة بيانه، ولها الناسَ عن محاسن فضله بمساوئ أدبه، فعدَلوا عن مناقبه بذكر مثالبه.
فمن آدابه: أن لا يتجاوز في مدح، ولا يسرف في ذم، وإن كانت النزاهة عن الذم كرمًا، والتجاوز في المدح مَلَقًا يصدر عن مهانة، والسرَفُ في الذم انتقاما يصدر عن شر، وكلاهما شَيْن وإن سلم من الكذب، على أن السلامة من الكذب في المدح والذم متعذّرة، ولاسيما إذا مدح تقرّبًا وذمّ تَحنُّقا.

ومن آدابه: أن لا تبعثه الرغبة والرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عنهما، ولا يقدر على الوفاء بهما، فإن من أطلق بهما لسانه، وأرسل فيهما عِنانه، ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل: صار وعْدُه نُكْثًا ووعيدُه عجْزًا.

ومن آدابه: أن يتجافى هُجْر القول ومستقبَح الكلام، ولْيعدل إلى الكناية عما يُستقبَح صريحُه، ويُستهجَن فصيحُه، ليبلُغ الغرض ولسانه نَزِهٌ، وأدبه مصون، وقد قال محمد بن عليّ في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]، قال: كانوا إذا ذكروا الفروج كَنُّوا عنها.

ومما يجري مجرى فحشِ القول وهُجْرِه في وجوب اجتنابه، ولزوم تنَكُّبه: ما كان شنيعَ البديهة مستنكَرَ الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليمًا، وبعد الكشف والرويّة مستقيمًا، كالذي رواه الأزدي عن الصوليّ لبعض المتكلفين من الشعراء:
إنني شيخ كبير  
كافرٌ بالله سيري  
أنت ربي وإلهي  
رازق الطفل الصغير  

يريد بقوله: كافر؛ أي لابس، لأن الكفر التغطية، ولذلك سُمِّي الكافر بالله كافرًا، لأنه غطى نعمة الله بمعصيته، وقوله: بالله سيري؛ يقسم عليها " أي على ناقته " أن تسير، وقوله: أنت ربيّ؛ يعني ربي ولدك، من التربية، وإلهي رازق الطفل الصغير، كما أنه رازق الولد الكبير، فانظر هذا التكلف، والتعمق البشيع، ما اعتاض من حيث البديهة إذا سلِم بعد الفكر والروية إلا لؤمًا، إن حسُنَ فيه الظن، أو ذمًّا إن كثُرَ فيه الارتياب.

ومن آدابه: أن يجتنب أمثال الغوغاء، ويتخصص بأمثال العلماء والأدباء، فإن لكل صنف من الناس أمثالًا تشاكلهم، فلا نجد لساقط إلا مثَلًا ساقطًا، وتشبيهًا مستقبحًا.
ولذلك علتان، إحداهما: أن الأمثال من هواجس الهمم وخطرات النفوس، ولم يكن لذي الهمة الساقطة إلا مَثَلٌ مرذول وتشبيهٌ معلول.
والثانية: أن الأمثال مستخرَجة من أحوال المتمثلين بها، فبحسب ما هم عليه تكون أمثالهم.
فلهاتين العلتين وقع الفرق بين أمثال الخاصة وأمثال العامة.
وربما أَلِف المتخصص مثلًا عامّيًا أو تشبيهًا ركيكًا، لكثرة ما يطرق سمعَه من مخالطة الأراذل، فيسترسل في ضربه مثلًا فيصير به مثلًا، كالذي حُكي عن الأصمعي أن الرشيد سأله يومًا عن أنساب بعض العرب، فقال: على الخبير سقطت يا أمير المؤمنين، فقال له الفضل بن الربيع: أسقط الله جنبيك، أتخاطب أمير المؤمنين بمثل هذا الخطاب؟ فكان الفضل بن الربيع - مع قلة علمه - أعلمَ بما يُستعمَل من الكلام في محاورة الخلفاء من الأصمعي الذي هو واحد عصره وقريع دهره. أ.هـ.

3- متانة الأسلوب :
" ومما ينبغي رعايته أن يعمد الخطيب بعد استحضار المعاني إلى الألفاظ التي يريد أداءها بها، فيفرغَ المعنى في قالب يناسبه، فالمعاني الجزلة لابد لها من جمل وتراكيب في غاية الضخامة والفخامة، والمعاني الرقيقة المستملَحة لابد لها من ألفاظ تناسبها رقة وسلاسة، ليحصل التشاكل بين النوعين، مع إعطاء كل موضوع حقه من شدة العبارة ولينها في النطق، ليكون ذلك أدلَّ على المعنى المقصود " 

وقد أشار الماوردي كذلك إلى هذا، فمعاني الترهيب والتخويف والإنذار والوعيد، تتطلب صياغتَها في ألفاظ جزلة قوية، ومعاني الترغيب والتبشير والوعد والرجاء تصاغ في ألفاظ لينة ولطيفة، فاختلافُ المعنى أوجبَ اختلافَ الأسلوب، وهذا النهج واضح في أساليب القرآن الكريم، لا يخفى على المتأمل.

ومن أمثلة ذلك أسلوب القرآن الكريم في حديثه عن فِرية نسبة الولدَ لله -تعالى-، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ [مريم: 88 - 92].
" والمعنى إن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها بحيث لو تَصوَّر بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفرقت أجزاؤها من شدتها، أو أن حق تلك الكلمة لو فهمَتْها تلك الجماداتُ العظام أن تتفطر وتنشق وتخِرّ من فظاعتها، وقيل: المعنى كادتِ القيامةُ أن تقوم، فإن هذه الأشياء تكون حقيقة يوم القيامة، وقيل: الكلام كناية عن غضب الله تعالى على قائل تلك الكلمة وأنه لولا حلمه سبحانه وتعالى لوقع ذلك وهلك القائل وغيره، أي كدت أفعل ذلك غضباً لولا حلمي " 

" إن جَرْس الألفاظ وإيقاع العبارات ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو: جو الغضب والغيرة والانتفاض! وإن ضمير الكون وجوارحه لتنتفض، وترتعش وترجف من سماع تلك القَوْلة النابية، والمساس بقداسة الذات العلية، كما ينتفض كل عضو وكل جارحة عندما يغضب الإنسان للمساس بكرامته أو كرامة من يحبه ويوقره.
هذه الانتفاضة الكونية للكلمة النابية تشترك فيها السماوات والأرض والجبال، والألفاظ بإيقاعها ترسم حركة الزلزلة والارتجاف.
وما تكاد الكلمة النابية تنطلق: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴾ حتى تنطلق كلمة التفظيع والتبشيع: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴾ ثم يهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر، ويغضب الكون كله لبارئه. وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته، وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه، وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها: ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً" ﴾

4- خلوّ الكلام من العيوب اللغوية التي تهبط بمستواه :
فينبغي على الخطيب أن تكون تعبيراته مجافية لتلك العيوب، سواء ما كان يتصل منها بعلم النحو، أو علوم البلاغة والصرف، فيتجنب اللحن، والوقوع في الأخطاء الإعرابية، أو الخطأ في بنية الكلمة، وأن تكون تعبيراته فصيحة، خالية من التعقيد اللفظي، أو التنافر في الكلمات والحروف.

يقول الأبشيهي: " ومن المستحسن في الألفاظ تباعدُ مخارج الحروف، فإذا كانت بعيدة المخارج جاءت الحروف متمكنة في مواضعها غير قلقة ولا مكدودة، والمعيب من ذلك كقول القائل:
لو كنتَ كنتَ كتمْتَ الحُبَّ كنتَ كما ♦♦♦ كنا وكنتَ ولكن ذاك لم يكنِ!

وكقول بعضهم أيضا:
ولا الضِّعفُ حتى يبلغَ الضِّعفُ ضِعْفَه ♦♦♦ ولا ضِعْفُ ضِعْفِ الضِّعفِ بل مِثْلُه ألْفُ

وكقول الآخر:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكانٍ قَفْرٍ ♦♦♦ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ

قيل إن هذا البيت لا يمكن إنشاده في الغالب عشر مرات متوالية إلا ويغلط المنشد فيه لأن القرب في المخارج يحدث ثقلاً في النطق به "
" ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده: جَنَى جنَّاتِ وجْنَاتِ الحبيبِ. فصاح رجلٌ من الحاضرين في المجلس وماد وتغاشى. فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعْتَ حتى حدث بك هذا؟ فقال: سمعت جيما في جيم في جيم فصِحْت. وهذا من أقبح عيوب الألفاظ " 
فحريٌّ بالخطيب أن يبتعد عن مثل هذا التنافر اللفظيّ الذي يجعل وقع الكلام على الأذن ثقيلًا، بل ونطقه على اللسان عسيرًا.

5- حسن اختيار المقاطع والجمل :
" ويجب أن يختار الخطيب المقاطع التي يقف عليها بحيث يكون وقوفه عند نهاية جزء تام من المعنى الذي يريده، وبأن يكون المقطع ذا رنين قوي، يملأ النفس، ويوجهها نحو الغرض الذي يريده الخطيب " 
وليجتهد الخطيب في أن تكون الجمل قصيرة بقدر الإمكان، وأن لا يوجد ما يطيل الفاصل بين أجزاء الجملة ويباعد بين طرفيها، كفعل الشرط وجوابه، والمبتدأ والخبر، ونحو ذلك، كي لا يشتت الأذهان، فتقلَّ الفائدة أو تضيع.

6- التنويع في الأسلوب :
وينبغي أن لا يثبت الخطيب على وتيرة في الأسلوب، بل ينتقل من فن إلى فن، ويتصرف في الأسلوب، فتارة يأتي بأسلوب الاستفهام، وأخرى بأسلوب التعجب، وثالثة بأسلوب خبريّ، وهو في كل هذا يتفنن في سوْق معانيه وتخير التعابير والأساليب الحاملة لها، فيدفع عن السامعين الملل والرتابة التي تصاحب الثبات على أسلوب واحد، والسير على وتيرة محددة في الخطبة.

7- وأخيرًا: مراعاة حسن الإلقاء :
وفي مرحلة التعبير في الخطبة ينبغي مراعاة كل ما ذكرناه في موضوع الإلقاء وعناصر إجادته، مثل حسن توظيف الصوت والإشارة، وغيرهما، حتى يتهيأ للخطبة جودةُ الأداء، كما تهيأ لها جودةُ المضمون.

06‏/12‏/2016

الارتقاء بالهمة

أسبــاب الارتقـــاء بالهمـــــــة :

* العلم والبصيرة .. العلم يصعد بالهمة، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد، ويُصفِّي النية.
* إرادة الآخرة، وجعل الهموم همَّا واحداً.. قال تعالى: ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا )
وقال صلى الله عليه وسلم: ( من كانت همّه الآخرة، جمع الله له شملَه، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همّه الدنيا، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له)
* كثرة ذكر الموت .. عن عطاء قال: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون .
* الدعاء.. لأنه سنة الأنبياء، وجالب كل خير، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( أعجز الناس من عجز عن الدعاء )
* الاجتهاد في حصر الذهن، وتركيز الفكر في معالي الأمور.. قال الحسن: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
* التحول عن البيئة المثبطة.. إذا سقطت الجوهرة في مكان نجس فيحتاج ذلك إلى كثير من الماء حتى تُنَظَّف إذا صببناه عليها وهي في مكانها، ولكن إذا أخرجناها من مكانها سهل تنظيفها بالقليل من الماء .
* صحبة أولي الهمم العالية، ومطالعة أخبارهم..قال صلى الله عليه وسلم: ( إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر)
* نصيحة المخلصين .. قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) 
* المبادرة والمداومة والمثابرة في كل الظروف..قال تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )

أطفالنـــــــــا وعــــلو الهمــــــــة
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة، وإن عُوِّد الشر، وأُهْمِل إهمالَ البهائم شقي وهلك.. وصيانته بأن يؤدِّبَه، ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق ..
وقال ابن خلدون: التعليم في الصغر أشد رسوخاً، وهو أصل لما بعده.
كِبَارُ الهمَّةِ النَّابغُون .. مُخْتَصَرُ الطريق إلى المَجْد..
إن المرء لا يولد عالماً، وإنما تربيه جماعة، وتصنعه بيئة، و تتعهده بالرعاية والتعليم،  حتى يمتلك ناصية العلم الذي يطلبه . 
.........
إن الأمة التي تهتم بالنابغين، تصنع بهم مستقبلها المشرق، لأنهم يُصْلِحون أمرها، ويسهمون في ازدهارها، والأمة التي تهمل رعاية نابغيها سوف تشقى حين يتولى أمورها جهلة قاصرون يوردونها المهالك،أو مرضى نفسيون معقدون يسومونها سوء العذاب، أو سفلة أصحاب نفوس دنيئة وهِممٍ خسيسة يبيعونها لأعدائها بثمن بخس .
أثر عُلُـــــــــوّ الهمَّة في إصلاح الفــرد والأمَّـــــة
أصحاب الهمة العالية هم الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، و يبدلون أفكار العالم، ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم، ومن ثَمَّ فهم القلة التي تنقذ الموقف، وهم الصفوة التي تباشر مهمة " الانتشال السريع " من وحل الوهن، و وهدة الإحباط.
...............
زاحم بكتفيك وساعديك قوافل العظماء المجددين من السلف والخلف، ولا تؤجل فإن مرور الزمن ليس من صالحك، وإن الطغيان كلما طال أمده، كلما تأصَّلت في نفوس المتميعين معاني الاستخذاء، ولابد من مبادرة تنتشل،  ما دام في الذين جرفهم التيار بقية عرق ينبض، وبذرة فطرة كامنة .
..........
هذا زمان لا توسُّط عنده ***  يبغي المغامر عالياً وجليلا
كن سابقاً فيه أو ابق بمعزلٍ *** ليس التوسط للنبوغ سبيلا 
..........
إن أمتك المسلمة تترقب منك جذبة " عُمَرِيَّة " توقد في قلبها مصباح الهمة في ديجور هذه الغفلة المدلهمة، وتنتظر منك صيحة " أيوبية " تغرس بذرة الأمل، في بيداء اليأس، وعلى قدر المئونة؛ تأتي من الله المعونة، فاستعن بالله ولا تعجز .

محاضرة (رحلة الطموح) كاملة - للشيخ الدكتور علي الشبيلي

محاضرة ● ادارة الذات سر النجاح ● الشيخ علي محمد الشبيلي

علو الهمة - الشيخ علي الشبيلي