مدونة المعارف

31‏/03‏/2014

التفاؤل من أخلاق الإسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
ثم أما بعد
ففي هذه الأوقات التي تمر بها امتنا الإسلامية وأوطاننا الغالية في الداخل والخارج من فتن متعاقبة وتحديات عصيبة تهدف إلى إحباط نجاح المشروع الاسلامى ووقف تحقيق النهضة المنشودة في بلادنا حيث نرى فى داخل كل بلد مسلم من العقبات والمشكلات الكثيرة والكثيرة التي لا تنتهي والتي يقصد بها عرقلة مسيرة ركب الحرية والاستقرار, فها هي بلدنا مصر نرى ونلاحظ كثرة التحديات التي ورثها الشعب من النظام المستبد البائد سواء كانت تحديات أخلاقية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية وكذلك ما نراه من محاولات الاعتداءات المتكررة للعدو الصهيوني تجاه إخواننا المستضعفين في فلسطين المباركة مع صمت العالم وتخليه عن نصرة هذه القضية وأيضا ما نراه ويشاهده العالم من المجازر الوحشية التي يقوم بها سفاح سوريا ضد شعبه الأبيّ .كل هذه التحديات قد تدفع بشعور من اليأس والقنوط في نفوس أبناء هذه الأمة فيكون لسان حالهم لا أمل في التغيير ولن يجد الإصلاح له طريقا وسنظل على ما نحن عليه .هذا الشعور إن وجد فهو شعور غير مقبول لأن الأمة الإسلامية ما ينبغي أن يعرف اليأس لها طريقا وإن ديننا الحنيف دين يربى أتباعه على الأمل وعلى النهضة الشاملة قدوتنا في ذلك رسول الله صلى عليه وسلم .
تعالوا بنا لنتعلم ونتذاكر خلق التفاؤل.
ما هو التفاؤل:- تفاءل :تيمّن به ,والفأل قول أو فعل يستبشر به "المعجم الوجيز" أما عن معنى التفاؤل ببساطة فيعنى الأمل ,وهو نظرة مستبشرة نحو الغد وتوقع الأفضل دائما ,وضد التفاؤل :التشاؤم , والتشاؤم هو اليأس والفشل ,فالمتفائل قرينه النجاح أما المتشاءم فقرينه الفشل والعجز ,ورسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذ بالله من العجز.
الادلة من القران على التفاؤل
وردت آيات كثيرة تحث على التفاؤل وتدعو إليه قال تعالى"فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون"18 يوسف. قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار(فصبري صبر جميل لا يشوّه جماله جزع اليائسين من روح الله القانطين من رحمة الله ولا الشكوى إلى غير الله). "قال كلا إن معي ربى سيهدين "62الشعراء. يعلق الشهيد سيد قطب فيقول ( لكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه لا يشك لحظة وملء قلبه ثقة بربه واليقين بعونه والتأكد من النجاة وان كان لا يدرى كيف يكون فهي كائنة والله هو الذي يوجهه ويرعاه ,قال كلا فى شدة توكيد كلا لن نكون مدركين كلا لن نكون هالكين كلا لن نكون مفتونين كلا لن نكون ضائعين).

"لا تحزن إن الله معنا"40التوبة .عن ثابت بن انس أن أبا بكر حدثهم قال: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار وأقدم المشركون فوق رؤوسنا فقلت يا رسول الله لو أن احدهم رفع قدمه أبصرنا فقال :" يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " وهكذا كان التفاؤل في حياة الصالحين ملازما لهم .
الأدلة من السنة على التفاؤل
عن انس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفال الصالح الكلمة الحسنة )متفق عليه .فالإسلام يرفض التشاؤم لأنه سمت المنهزمين ويدعو الى التفاؤل الحسن لأنه حال المنتصرين . وقال صلى الله عليه وسلم) التفاؤل من الرحمن والتشاؤم من الشيطان ) بل إن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن رسالتنا هي رسالة التفاؤل الحسن رسالة التبشير بالخير وليس التنفير رسالة اليسر لا رسالة العسر عن أبى هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (فإنما بعثتم مبشرين ولم تبعثوا معسرين )البخاري.بل إن الله عز وجل يتعامل مع خلقه على قدر تفاؤلهم وظنهم بالله فمن حسن ظنه بالله واستبشر بالخير وأيقن أن الله يقدّر له الخير كان له من الخير على قدر ظنه بالله ,ومن ظن بالله غير ذلك كان له أيضا على مثل ما ظن به في الله .قال تعالى :في الحديث القدسي "أنا عند ظن عبدي بى إن ظن بى خيرا فله وان ظن بى شرا فله "مسلم .وبهذه الأدلة يتبين لنا إن التفاؤل خلق وعبادة نتقرب بها إلى الله عز وجل بل هو سمت الأنباء والمرسلين والصالحين من أممهم وانه حال المؤمنين وعلى قدر الإيمان يكون التفاؤل فلنحرص على زيادة الإيمان بالله في كل وقت.
من صفات النبي صلى الله عليه وسلم التفاؤل
فمن الصفات النبيلة والأخلاق العظيمة التي تمثلت في سيد الخلق رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خلق التفاؤل فلقد كان صلى الله عليه وسلم متفائلا في كل أحواله. في وقت عسره ويسره وسلمه وحربه ولقد ضرب صلى الله عليه وسلم أروع المثل للأمة في حسن الظن بالله والثقة في موعوده ففي أشد الأزمات يبشر المؤمنين بالفتح .
- ففي غزوة الأحزاب حيث تحالف الأحزاب ونقض اليهود للعهود ومحاصرة المدينة من فوق ومن تحت كما ذكر القران"إذ حاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"ويحاول المنافقون دسّ روح الفتنة والشك وسوء الظن في الله وفى رسوله صلى الله عليه وسلم,وفي هذا الجو المخيف والمسلمون يحفرون الخندق إذا بصخرة تعترض المسلمين فيطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يتعامل معها فإذا برسول الله يضربها ثلاث ضربات قال إثر الضربة الأولى "الله اكبر أعطيت مفاتيح الشام والله انى لأبصر قصورها الحمراء الساعة "ثم ضربها الثانية فقال "الله اكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إنى لأبصر قصر المدائن ابيض "ثم ضربها الثالثة وقال "الله اكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة " فبرغم الأزمة التي تمر بالمسلمين إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطلع للفرج الذي يعقب كل ضيق واليسر الذي يعقب كل عسر .انه التفاؤل الذي ما فارق رسول الله في كل حياته وهذا ما ينبغي أن تتعلمه الأمة.
• وهذه هي أّمّنا عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم اشد من يوم احد ؟فقال صلى الله عليه وسلم:"لقد لقيت من قومك ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلام فلم يجبني إلى ما أردت فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد اظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علىّ ثم قال :يا محمد ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين .فقال صلى الله عليه وسلم:بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا" البخاري. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المتفائلين رغم كثرة العقبات والمحن .فالمؤمن لا يعرف طريق اليأس أو التشاؤم "انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون "
• وان المنافقين بكل عصر يسعون بكل ما أوتوا من قوة زائفة إلى أن يدبّوا في الأمة روح التشاؤم والفشل والتنازع حتى يسيطر على عقول الناس اللا أمل ولا تغيير وها نحن نرى هذه الحملات المسعورة من المنافقين وأذيالهم عبر القنوات الخاصة الفضائية التي لا تظهر إلا ما يحزن الناس ويدب فيهم اليأس فإذا ما عرضت موضوعا ركزت على الجوانب السلبية وتجاهلت كل الجوانب الايجابية فتعرض الفتن والشقاق والبغضاء والمكر والخداع لتقول للأمة هذه هي نتيجة الثورة هذه هي ثمرة الحرية لا امن لكم ولا استقرار ولا تقدم ما سلكتم طريق النهضة والاستقرار, ثم تزداد هذه الحملة بضراوة وبغباء غير متناهي لتشويه صورة الإسلاميين وصناع النهضة بل تجاهلهم وإبراز صورة العلمانيين والليبراليين على أنهم هم الوطنيون والمناضلون والخائفون على مصلحة الوطن وأنهم أكثر الناس خبرة بما ينفع الناس .ألا يكف هؤلاء عن هذا السفه الذي لا ينقطع منهم ألا يكف هؤلاء عن التقليل من فكر وذكاء المجتمع إن الشعب قال كلمته عندما ارتضى أن يقود سفينة النهضة للوطن هم أتباع الحركة الإسلامية فليترك هؤلاء المنافقون السفينة لتكمل المسير وليدخلوا جحورهم ولتنفثىء كل أراجيفهم ولتنكمش كل عصاباتهم كما تنكمش القنافذ فان الله أراد للأمة أن تنهض بالإسلام ولا شيء غير الإسلام قادر على نهضة هذه الأمة.


• تفاؤل رغم كثرة العقبات


• نتفاءل رغم ما تمر به مصرنا من أزمات عقبات ونوقن أن الإصلاح والتغيير المنشود هو قدر الله لهذا الوطن وانه سيتحقق لا محالة.


• نتفاءل رغم ما يحاك لأقصانا ومقدساتنا من محاولات للهدم وحملات الاعتقال وسفك لدماء إخواننا في فلسطين وحصار الشعب الفلسطيني في غزة ومحاولة إذلال الأمة في شخص فلسطين فنوقن أنّ نصر الله قريب لأن هذا وعد الله والله لا يخلف الميعاد.


• نتفاءل رغم المجازر البشعة التي يراها العالم ليل نهار على يد السفاح المارق المدعو بشار فلو كان له قلب حي وعقل واعي لأخذ العبرة ممن سبقوه ممن ظنوا أن ملك البلاد والعباد سيدوم لهم فإذا بالشعوب تنتفض عليهم لتجعلهم صرعى ومسجونين ومطرودين. إن كل نقطة تسفك من دماء إخوتنا في سوريا ستكون لعنة تطارد بشار وأذنابه ستاتى اللحظة التي يتمنى فيها بشار الموت فلا يجده "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى لهم إن كيدي متين"44,45القلم


• نتفاءل لان الأمة المتفائلة هي الأمة الناهضة وبمقدار ما يزداد فيها عدد المتفائلين فإنها تسلم من شرور ومهالك كثيرة .
إن امتنا إذا أرادت حقا أن تنهض فما ينبغي أن تفارقها روح التفاؤل والثقة في نصر الله ووعده , أما إذا استسلمت لليأس والقنوط فلن يكون لها في عالم الغد مكانا ولن تستطيع أبدا إن تحقق شيئا من مشروع نهضتها وصدق الله إذ يقول "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" واختم بكلام عظيم من الإمام الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله
"أحب أن تعلم يا أخي أننا لسنا يائسين من أنفسنا و أننا نأمل خيرا كثيرا و نعتقد أنه لا يحول بيننا و بين النجاح إلا هذا اليأس ، فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله تعالى، لهذا نحن لسنا يائسين ولا يتطرق إلى قلوبنا و الحمد لله.
و كل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين، إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت ومن حركة إلى سكون شعرت بقرب نهايته و عسر شفائه و استفحال دائه ، فإذا انعكس الأمر وأخذ يتدرج من صمت إلى كلام و من همود إلى حركة شعرت بقرب شفائه و تقدمه في طريق الصحة والعافية. و لقد أتى على هذه الأمم الشرقية حين من الدهر جمدت فيه حتى ملها الجمود وسكنت حتى أعياها السكون و لكنها الآن تغلي غليانا بيقظة شاملة في كل مناحي الحياة، وتضطرم اضطراما بالمشاعر الحية القوية و الأحاسيس العنيفة. و لولا ثقل القيود من جهة والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة أروع الآثار، و لن تظل هذه القيود قيودا أبد الدهر فإنما الدهر قلب، و ما بين طرفة عين و انتباهتها يغير الله من حال إلى حال، و لن يظل الحائر حائرا فإنما بعد الحيرة هدى و بعد الفوضى استقرار ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ".
اللهم انصرنا إسلامنا واهلك أعدائنا وحرر أقصانا ومقدساتنا واحقن دماء المسلمين في كل مكان وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

للكاتب :
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية .
إرسال تعليق