مدونة المعارف

11‏/05‏/2009

على مائدة القرآن العظيم

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة غير صحيّة بين بعض معدّي ومقدّمي البرامج في القنوات المحلّية والفضائية، وهي الاستعانة بأفكار وألفاظ البرامج الأجنبية، واستخدام الألفاظ الأجنبية كعناوين لهذه البرامج. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعمد بعض مقدمي هذه البرامج أن يتفوهوا بتلك الألفاظ الغريبة عن لغة القرآن الكريم -التي تعدّ اللغة الأولى في مجتمعاتنا العربية والإسلامية- في أثناء إدارتهم للحديث أو قراءتهم لمفردات الموضوع، متجاهلين اللغة العربية التي يجب أن تكون أصل كل ما يقدم عبر هذه الفضائيات.وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها اللغة العربية حتى وصلت إلى العالمية واعترفت بها الأمم المتحدة كلغة دولية، إلا أن استخدام الألفاظ الغربية في الفضائيات العربية خطر يهددها، بل إنه يدخل عليها كلمات وألفاظاً ليست بالعربية، مما قد يتسبب في ضياع تلك الثروة الكبيرة في معانيها وبلاغتها ومضامينها.بدءاً يؤكد الدكتور علي صبح -عميد كلية اللغة العربية الأسبق- أن استخدام الألفاظ الغربية في الفضائيات العربية ظاهرة من أخطر ألوان الغزو الفكري المعاصر... ويقول: إنه غزو ثقافي أعدته جهات معروفة بعدائها الشديد للإسلام ولغته العربية؛ للقضاء على لغة القرآن الكريم؛ لأنها لغة التراث العربي والإسلامي، وتمثل أهم ملامح الحضارة الإسلامية.إن اللغة العربية ثرية وتحمل قِيَماً وأخلاقاً إسلامية تبني أعظم الحضارات؛ لذا فأعداء الإسلام يخشون منها على حضارتهم الزائفة، فأخذوا يحاربونها بهذا الشكل لغزوها، ولا سيما أن هناك بعض الفضائيات التي تم استغلالها عن سوء قصد أو بشكل متعمد لتنفيذ تلك المخططات التي تستهدف النيل من الإسلام عن طريق لغة القرآن الكريم وتدمير اللغة العربية؛ أصل الحضارة الإسلامية.مغريات تتفتح لها القلوبويحذر الدكتور علي صبح من أن بعض الفضائيات تأثرت بإعداد برامج غريبة المسميات والأضواء التي تستخدم في البرامج والرقصات وألوان المغريات التي يفتتن بها الشباب، ومن خلال ذلك يختارون عناوين لهذه البرامج بلغات أجنبية وإن كانت مكتوبة بالعربية، وهي كارثة كبيرة، إضافة إلى أنه أثناء إدارتهم للحوار يعرضون البرنامج بلغة عربية هزيلة مبتذلة ساقطة، دون اللغة العامية المعروفة بين بعض شعوب المجتمعات العربية وإن كان ينبغي علينا أن نحاربها.بل إنهم يستخدمون بين بعض الكلمات العربية أخرى أجنبية منطوقة بلغة الغرب، ومن هنا فواجب المسلمين أن يتصدوا لهذا الغزو المدمر؛ لأن الغرض منه تفريغ الحقل اللغوي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ووضع هذا الحقل المدمّر ليتفاعل مع الناس، فإذا ما رجعوا إلى لغتهم الصحيحة وجدوا أنفسهم لا يفهمون منها شيئاً، وبالتالي لا يفهمون كتاب الله ولغة التراث العربي والإسلامي، بل ويتأثرون بقيم الغرب، ومن ثم قد يصطف الكثير منهم إلى جانب أعداء الإسلام، وهذا هو مكمن الخطر.ويعود الدكتور صبح ليؤكد على أهمية التصدي لهذا الغزو المدمر؛ لأنه ليس حرباً ضد اللغة العربية فقط، وإنما هو حرب ضد الإسلام وأمة المسلمين، فلا بد من توجيه حملة قوية لتوجيه القائمين على هذه البرامج، وحتى يعرف أعداء الإسلام أننا متيقظون لهم ولما يفكرون ويسعون لتحقيقه. كما يجب علينا إتقان اللغة العربية، عند ذلك لا يجدون من بيننا من ينبهر ببرامجهم وأضوائهم ولا بلغتهم الهزيلة.بحر ملوّثويقول الدكتور كمال بشر -الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة-: لقد جار علينا الزمان، وأصابنا برياحه الهوج، فتناثرت حبات العقد، وأصابنا الضعف حتى كدنا نذوب وسط أمواج ذلك البحر الملوث بشوائب ما سموه "العولمة"، وإنْ هو إلا "أمركة" في رأي الثقات العارفين، وذلك وضع يفرض علينا اليقظة والحذر والوقوف بحزم وقوة أمام رياح القوى الغاشمة التي تكاد تعصف ببناء العربية لغة وثقافة.وتساءل: ماذا عسانا أن نفعل حتى تنجلي الظلمة وتزول الغمة؟ لا بد لنا من صنع نسيج قومي متآلف الخيوط يرسمه ويحدد أبعاده فكر عربي موحد، فكر يجمع الأمة على كلمة سواء، ويصنع منهم جسداً واحداً تتجاوب أعضاؤه لما يصيبه من أفراح وأتراح.ولا يتحقق ذلك ولا يكون بحال ما لم تكن لنا بنية ثقافية متكاملة، عمادها وقوامها لغة موحَّدة موحِّدة، لغة مبرأة من ذلك التلوث اللغوي المسيطر على الشارع العربي: عربية كسيحة مخلوطة باللهجات والرطانات الناشزة ومحشوة بألفاظ وأساليب أجنبية تلوكها ألسنة النازعين إلى الاغتراب دون أداء صحيح لها مع عدم إدراك لمعانيها؛ إنها النظرة الفوقية إلى الآخر والدونية إلى الذات العربية. وهنا أنبه إلى مأزق خطير هرول ويهرول إليه القوم سراعاً ناسين أو متناسين عواقبه في الحال أو المآل، وهو مدارس غير عربية ملأت الشوارع والحارات، وجامعات خاصة وأخرى أجنبية احتلت مواقع غاليات في المدن والعواصم.نعم نحن في حاجة إلى فتح نوافذ المعرفة لهواء جديد منعش، علّه يحرّك ساكن الهواء العربي ويمده بزاد ينهضه ويقيله من سكونه؛ وفاءً بحاجة العصر وما يجري فيه من ألوان الثقافات الأخر. نعم هذا حتم ولا شك، ولكن ليس من اللائق ولا من الحصافة في شيء أن نزيح هواءنا كاملاً ونقذف به إلى البحر، مهرولين إلى هواء تحمله رياح هوج، تصدّع الرؤوس وتشتّت الفكر وتصيب الهويّة في مقتل. لنا أن نستنشق الهواء المنعش المجدد، ولكن استضافته ينبغي أن يكون بالنموذج العربي في التلاقي والترحيب، وإنما يكون ذلك باللغة القومية لغة القوم أجمعين.هوية ممزقة.. وفروق طبقيةويضيف الدكتور كمال بشر قائلاً: إن التعليم كاملاً بلغات أجنبية يمزّق الهويّة، ويهزّ البناء حتى لتذوب لبناته ويصبح أثراً بعد عين، يفرّق بين طبقات الشعب: الأغنياء إليه ينتسبون، والفقراء على أبوابه ينتحبون، وفي النهاية يقتنص الأغنياء واقع العمل، والفقراء يتخذون المقاهي مهرباً ونواصي الشوارع ملجأً، باكين مكتئبين حاقدين على المجتمع ومن فيه. وأوضح أنّ هناك فرقاً بين تعلّم اللغات الأجنبية والتعليم بها: الأول توسيع لدوائر المعرفة والثقافة، وهو أمر جدّ ضروري. والثاني تشتيت للفكر والاتجاه، ويقضي على خاصة الانتماء عماد القومية وبناء الشخصية. وأضاف: ينبغي أن نأخذ بالطريق الراشد الحصيف بنية ثقافية عربية خالصة بنّاءة.ويرى الدكتور عبد الفتاح البركاوي -أستاذ أصول اللغة بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر- أن استخدام الألفاظ الأجنبية جريمة لا تغتفر في حق اللغة العربية وفي حق الدين الإسلامي، وتبرؤ لا مبرّر له من اللسان الذي نشأ عليه الإنسان العربي وتربّى عليه، وهي طريقة سيئة لم نعهدها من أبناء اللغات الأخرى الناطقة بغير العربية، ففي فرنسا علي سبيل المثال هناك قوانين تجرم النطق أو استخدام العناوين بغير الفرنسية، أما في بعض الدول العربية فيعتبرونها وسيلة من وسائل الفخر والتمدن. ومن هنا غدا من الضروري وضع قوانين تحفظ للسان العربي بهاءه ورونقه، وتضع العقوبات المناسبة للخارجين عليه.تهاون مرفوضويضيف الدكتور البركاوي أن اللغة العربية جزء من العقيدة الإسلامية، كما أن رقيّ عقيدة الفرد والمجتمع العربي الإسلامي مرهون برقي اللغة العربية وسموّ تعبيرها، بل إن اللغة جزء من شخصية الأمة وكيانها إذا ما تهاون الناس فيها ضعفت شخصيتهم وذابت في شخصيات الآخرين. ومن العجيب أنه لا توجد لغة على مستوى العالم فرّط فيها أصحابها مثلنا نحن العرب؛ فالدول الأوروبية تعتز بلغتها ولا يتحدثون بغيرها، ولعل من أهم أسباب إيثار بعض العرب لغة غير لغتهم يرجع إلى أن بعض اللغات قد صارت عالمية، ولا حجة لنا الآن وقد أصبحت لغتنا العربية لغة عالمية نتحدث بها في جميع المحافل الدولية وعبر الوسائل الإعلامية العالمية المختلفة، كما أن علماء اللغات يقولون إنه لا مانع من تعلم لغات أخرى بشرط أن تكون متعلماً ومتمكناً في لغتك الأصلية إلى درجة فقهها، ومن المؤسف أن كثيراً من المسلمين يستخدمون أسماء لأبنائهم ومحلاتهم جرياً وراء ما يسمى بالحضارة الغربية وتقليداً أعمى للآخرين، وهم بهذا يفقدون هويتهم ويتجاوزون ما أمرهم الله به والرسول صلى الله عليه وسلم.وحتى نقضي على هذه الظاهرة لا بد من وضع خطط للتعاون مع وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، وذلك لبثّ حملة إعلانية قوية تبصر الناس بخطورة ما يصنعون، وتؤكد لهم أن من الانتماء لدينهم ووطنهم أن يجعلوا الأسماء العربية هي الأصل في جميع تعاملاتهم.سمات وخصائصويقول الدكتور مبروك عطية -أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر-: إن الأمة العربية والإسلامية لها سماتها الخاصة بها، ولكل شعب من الشعوب سماته الخاصة به أيضاً. وقد تناقل الناس قولاً عزيزاً في مضمونه، حيث قيل: "إن العرب حضارتهم في لسانهم". والمراد باللسان هو اللغة العربية أنفس ما ورثناه عن أسلافنا، وقد بلغ اعتزاز العرب بها قديماً مبلغاً عظيماً، ونصبوا لها الأسواق، وقدّروا المجيدين الذين برعوا في نظم الشعر ومأثور الخطب والأمثال والحكم. وحين أشرق فجر الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور كان شرفاً للعربية وأهلها نزول الذكر الحكيم قرآناً عربيّاً غير ذي عوج. وقد حفظ القرآن الكريم اللغة العربية، فما أُلِّفَت الكتب والمقالات إلا خدمة لهذا الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولذا كان لزاماً على العرب أن يعتزّوا باللغة العربية، وأن يتمسكوا بأساليبها.ولكن لظروف مختلفة تغيّرت الأحوال، وساد الغرب من بعد رقّ، وعلا من بعد حضيض، وضعف العرب من بعد قوة، فانتشرت بينهم لغات الغرب، وازداد ضعفهم بأن رضوا بالتبعية، وأصبح من يجيد اللغات الأجنبية مرفوع الرأس والقيمة، وانزلق الناس -خصوصا الشباب- في براثن التقليد الأعمى لكل غربي. ومما عمّت به البلوى تأثر بعض البرامج العربية بالإعلام الغربي من حيث الشكل والمضمون، ونحن نعرف أن هذه البرامج تقتحم معظم البيوت، وأثرها خطير على أفراد الأمة العربية الإسلامية. ويبدو هذا الأثر الوخيم في اضطراب الألسنة، واضطراب الفكر؛ فإن المزج بين الأجنبية والعربية الممسوخة مرّ يضاف إلى المرار، فلقد غابت مخارج الحروف العربية في أفواه المتحدثين، فأصبحنا لا نسمع إلا أصواتاً تنطق بغير اللغة العربية، حتى صار أمراً واقعاً لا مفرّ منه، وقد بات عندهم أنّ التمسك بالهوية، والمحافظة على أساليب العربية ضرب من الرجعية والتخلف، فما يسمونه تطوراً هو عند المنصفين تدهوراً، وهذا التردي من أهم أسباب الانصراف عن الأصل، فإن أعداء اللغة العربية لا يوجهون قذائفهم لها في ذاتها، وإنما يوجهونها للكتاب الذي حملت، والمعاني الشريفة التي تضمنت، والفكر العربي الأصيل الذي نقلت.حضارة مشرقةوتوقف الدكتور عطية أمام تساؤل مهم بقوله: ماذا على الإعلام العربي لو أدار وجهه وتردد في الحفاظ على الذات، ولم يصبح ممثلاً لطبيعة أمته، وتاريخ حضارة تفجر نورها في مشارق الأرض ومغاربها؟!أما الدكتور عبد الغفار هلال -عميد كلية اللغة العربية الأسبق بجامعة الأزهر- فيؤكد أن واجب كل عربي ومسلم أن يلتزم باللغة العربية في كلامه في مختلف تعاملاته اليومية؛ لأن اللغة العربية هي أساس الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية، ومن يلتزم بها فإنما يعبر عن انتمائه، فكل شعوب العالم تعتز بلغتها وتتمسك بها وتتعصب لها، فهناك في (فرنسا) الجمعية الوطنية الفرنسية التي تمنع أن يتكلم أحد أو يكتب بغير الفرنسية، أو أن يضيف ما هو ليس من اللغة الفرنسية عليها، ويعاقب القانون الذي وضعته الجمعية الوطنية الفرنسية كل من يزيد شيئاً ليس من اللغة الفرنسية. كذلك (تركيا) تدّعي أن اللغة التركية هي أصل لغات العالم، واشتق منها جميع اللغات، ورغم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وإنما هو نتيجة لشدة تعصبها للغتها واعتزازها بها.إساءة وتشويه وإفسادويطالب الدكتور هلال الأمة العربية والإسلامية بالمحافظة على اللغة العربية من أي ألفاظ أجنبية دخيلة أو أي تغيير غير عربي؛ لئلا يتسبب ذلك في تشويهها وإفسادها. فإذا جاءت مفردة مستحدثة من بلاد الغرب، فعلينا أن نبحث لها عن اسم في قواميس اللغة العربية، وفي المصطلحات التي وضعها علماء المجامع اللغوية في الوطن العربي، وإن عجزنا عجزاً تامّاً عن ذلك، فلنا في الضرورة استخدام المصطلح الأجنبي، أما إذا كان له نظير في اللغة العربية فيحرم علينا أن نستخدم الكلمات الأجنبية مع وجود نظير لها
إرسال تعليق