مدونة المعارف

10‏/06‏/2008

السؤال:

سائل بعث يقول: حصل عندي إشكال في حديثين قرأهما علينا إمام مسجدنا، وطلبت منه أن يحل الإشكال؛ فلم يستطع ذلك.
- فأما الحديث الأول فيقول الله فيه: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضِّري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني".
- وأما الحديث الثاني فيقول الله تعالى فيه: "يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار".
فكيف نفى في الحديث الأول أن عباده يضرونه، وأثبت في الحديث الآخر أن ابن آدم يؤذيه تبارك وتعالى؟
فأستفسر من فضيلتكم عما إذا كان كل من الحديثين صحيحاً أم لا؟ وكيف الجمع بينهما؟


المفتي: عبدالله بن عبدالعزيز العقيل
الإجابة:
أما الحديث الأول الذي فيه نفي إلحاق الضرر به تعالى، فقد رواه مسلم في (صحيحه) وغيره (1) من حديث أبي ذر.
وأما الحديث الثاني الذي فيه إثبات الأذى، فرواه البخاري ومسلم وغيرهما (2) من حديث أبي هريرة. فكلا الحديثين صحيح.

وأما الجمع بين الحديثين، فليس بينهما تناقض، ولا اختلاف بحمد الله؛ لأن الأذى أخف من الضرر، ولا تلازم بينهما. وقد ورد إثبات الأذى في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} (3). وفي حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (رواه البخاري ومسلم) (4). فقد أثبت أن الملائكة تتأذى مما ذُكر مع أن ابن آدم لا يستطيع أن يلحق الضرر بالملائكة. فالله سبحانه وتعالى يتأذى مما ذُكر في الحديث، وإن كان لا يمكن أن يلحقه ضرر من عباده، كما قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا} الآية (5)، وقال تعالى: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا} الآية (6). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "ومن يعصهما -أي: الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم- فإنه لا يَضُرُّ إلا نفسَه، ولا يَضُرُّ الله شيئا" (7).

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الدهر"، هو ما فسره بعد ذلك بقوله: "يقلب الليل والنهار"، يعني إن ما يجري في الليل والنهار من الخير والشر فهو بإرادة الله سبحانه، وتدبيره، وحكمته، لا يشاركه في ذلك غيره، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

وفي الحديث التصريح بتحريم سب الدهر. ومنه ما اعتاده بعض الناس من كونه إذا أخذه الغضب سب وشتم الشخص، واليوم الذي شاهده فيه، أو يلعن الساعة التي رآه فيها، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير من الناس نظماً ونثراً وليس منه وصف السنين بالشدة، في مثل قوله تعالى في سورة يوسف: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} الآية (8).

▪ قال ابن القيم: وفي سب الدهر ثلاث مفاسد:
- إحداها: سب من ليس أهلا للسب، فإن الدهر خَلْق مسخر، فالذي يسبه أولى بالذم منه.
- الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه أي الدهر مع ذلك ظالم، قد ضَرَّ من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء.
- الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال حقيقة، فَسَابُّ الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما مَسَبَّةُ الله تعالى، أو الشرك به. فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل حقيقة مع الله، فهو مشرك. فإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل، وهو من فِعْله، فسبه للدهر سب للذي قَدَّرَ فيه هذه الأشياء، وهو الله سبحانه وتعالى. فالذي يسب الدهر واقع فيما ذُكر ولا محالة. نسأل الله السلامة، والمعافاة، في الدنيا والآخرة. انتهى.

___________________________________________

1 - مسلم (2577) عن أبي ذر في حديث طويل، وأحمد (5/ 154، 160، 177)، والترمذي (2495) وقال: حديث حسن، وابن ماجه (4257) وهذا لفظ عند مسلم فقط.
2 - البخاري (4826، 6181، 7491)، ومسلم (2246)، وأحمد (2/ 238، 272).
3 - سورة الأحزاب: الآية (57).
4 - البخاري (854، 855)، ومسلم (564) وهذا لفظ مسلم.
5 - سورة آل عمران: الآية (176).
6 - سورة آل عمران: الآية (144).
7 - أبو داود (1097).
8 - سورة يوسف: الآية (48).
نقلا من موقع طريق الاسلام
إرسال تعليق