مدونة المعارف

23‏/06‏/2008

السودان وتشاد .. فصول من التوتر المستمر


المحاولة الانقلابية الفاشلة التي نفذها متمردو "حركة العدل والإحسان" في العاصمة السودانية الخرطوم، والتي على إثرها قرر السودان قطْعَ علاقاته الدبلوماسية مع تشاد، والتقدم بشكوى ضدها إلى الأمم المتحدة، كما قررت الحكومة اعتقال الدكتور حسن الترابي على خلفية الأحداث، ثم أطلقت سراحه بعد ساعات من اعتقاله، كل هذا حدث على خلفية اتهام الخرطوم لـ"إنجامينا" بالوقوف وراء الهجوم الفاشل، وهو مدعاة لمناقشة متعمقة لأسباب التوترات المستمرة والاتهامات المتبادلة بين الدولتين.
الجديد في الأمر هذه المرة، هو أنّ حركة العدل والمساواة المتمردة كانت تقوم في الماضي فقط بهجمات خاطفة على القوات الحكومية في ولاية " كردفان" القريبة من معاقلها، لكنها المرة الأولى التي تتجرأ وتهاجم "أم درمان"، وهي جزء أساسي من العاصمة الخرطوم.
كما تعد هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها القتال إلى مشارف العاصمة السودانية خلال عقود من الصراع بين الحكومة المركزية في الخرطوم والعناصر المناوئة لها.
الرواية الرسمية للحكومة السودانية عن الأحداث تقول: إن قوات المتمردين وقعت في كمين نصبته لها القوات المسلحة، عندما أتاحت لها فرصة التوغل إلى مشارف العاصمة، قبل أن تُطْبِقَ عليها من الخلف. وذكرت المصادر الرسمية أن القوة التي هاجمت أم درمان كان قوامها نحو 500 سيارة دفع رباعي، تسلَّلَتْ إلى داخل السودان من دولة تشاد، وتجمعت في منطقة شمال "وادي هور"، بولاية "كردفان" قبل أن تتوجه صوب العاصمة، وأنّ قوات التمرد جاءت إلى "أم درمان" في ثلاث مجموعات، كانت إحداها تستهدف الوصول إلى مبنى الإذاعة الحكومية، والثانية تقصد القصر الرئاسي، والثالثة هدفها الوصول إلى القيادة العامة للجيش.

اختراق أم درمان إلا أن هناك انتقادات من عدد كبير من السياسيين والمثقفين السودانيين للمعالجة الحكومية للأزمة، وتتلخص الانتقادات في أن مساحة السودان شاسعة جدا- نحو مليونين ونصف مليون كيلو متر مربع- تتمتع بتنوع جغرافي وديمغرافي يمكن أن تضيع فيه جيوش جرارة، لكن وصول متمردي دارفور إلى العاصمة الخرطوم كان مفاجأةً صادمةً، للرأي العام والنظام الحاكم على حَدٍّ سواء، فكان السؤال كبيرا بحجم الاختراق: كيف استطاع مئات المتمردين وهم يستقلون نحو مائة وخمسين سيارة ، مُزَوَّدِينَ بأسلحةٍ خفيفةٍ ومتوسطةٍ، أنْ يقطَعُوا مسافة آلاف الكيلومترات- وحسب رواية الحكومة السودانية فإنهم كانوا قادمين من تشاد- ثم يقتحموا "أم درمان"، ويخوضوا قتالًا عنيفا ضاريًا مع الجيش السوداني، ويسقط قتلى وجرحى، وتقع خسائر مادية، فضلا عما أحدثه هذا الاختراق من إرباك وتوتر للسكان والحكومة؟! سؤال عريض!
ويرى منتقدو الحكومة أن اللوم كُلَّ اللوم لا يقع علي تشاد، وإنما علي الحكومة السودانية وأجهزتها الأمنية، وقادة جيشها، فهؤلاء يتحَمَّلون المسئولية عن هذا الاختراق المخْجِل للسيادة السودانية، وفي هذا الظرف الحرج. فالسودان في حالة حرب منذ سنوات، ومن المفترض أن تكون قواته المسلحة في حالة طوارئ على مدار الساعة للتصدي لأي هجوم، ولكن الحال لم يكن كذلك!
كما أن اعتقال الدكتور حسن الترابي واحتجازه لست ساعات للتحقيق معه حول هذا الاختراق المؤسف، يُعْتَبَرُ محاولةً لتصدير الأزمة إلى طرف داخلي، وإبعاد اللوم عن الحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية، وهو أمر غير مقبول، فضلًا عن كونه غير مقنع.
ويضيف المنتقدون أيضًا : إن مَن يستحق المثول أمام التحقيق والقضاء العسكري هم القادة الأمنيون والعسكريون الذين ارتكبوا أسوأ أنواع التقصير والإهمال، عندما لم يسهروا بالشكل المطلوب على أمن الوطن والمواطن، ولم يحموا التراب الوطني من مثل هذه الاعتداءات.
وأيًّا كان الأمر، فمن الواضح أن المتمردين حقَّقُوا إنجازًا سياسيًّا وإعلاميًّا، وأحْرَجُوا الحكومة السودانية أمام شعبها والرأي العام الدولي، لكننا نعود للتذكير بعنصر جوهري في كل هذه الأزمات التي تعصف بعالمنا العربي، وهو التدخل الخارجي، وخاصةً من قِبَلِ واشنطن التي تضع أصابعها الشريرة، وتغذي الأزمات العربية؛ حيث تدعم طرفا ضد الآخر، فهي تناصر متمردي دارفور ضد الحكومة السودانية.
كما أن هذا الاعتداء انتهاكٌ صارخٌ لأمن السودان، وتصعيدٌ مُتَعَمّد للحرب ضد النظام السوداني وحكومة الإنقاذ، ومحاولةٌ لنقل الفتنة إلى داخل العاصمة السودانية؛ لإحراج الحكومة، ولا بد من وجودِ أيادٍ خفيةٍ تدعمه، فمن غير المنطقي أن يستطيع هؤلاء المتمردون الوصول إلى العاصمة دون مساعدة أطراف داخلية، وخارجية معًا.

ظلال دارفور حاضرة الصراع الدائر بين الخرطوم والمسلحين في دارفور هو أحد مسببات التوتر بين الخرطوم و"إنجامينا"، والأزمة تتصاعد بوتيرة متسارعة بين تشاد والسودان، فتشاد تتهم السودان بالسعي لزعزعة الاستقرار بها، وتقديم مساعدات عسكرية ومالية للمتمردين التشاديين الذين يسعون للإطاحة بالرئيس التشادي "إدريس ديبي".
وهناك اتهامات سابقة متبادلة بين البلدين بانتهاك السيادة، وجرت مساعٍ للحوار والمصالحة بينهما، لكنَّ الطرفَيْن لا يثق كلاهما بالآخر؛ فتشاد تُئْوِي نحو 200 ألف لاجئ من دارفور فرُّوا منذ فبراير 2003م من الحرب الأهلية الدائرة في الإقليم، ومنذ ذلك الحين وعلاقات البلدين تشهد توترًا متزايدًا؛ حيث تتهم الحكومة السودانية الجيش التشادي بانتهاك حدودها البرية.

وقد سبق لتشاد تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي ضد السودان، تتهمه فيها بالتدخل في شئونها الداخلية، ومن جانبها اعتبرت السودان أن إقدام تشاد على هذه الخطوة سيؤدي إلى مزيد من التدخلات الدولية في شئون المنطقة المضطربة.
وتعتقد تشاد أن الهجوم الذي شنه المتمردون على "إنجامينا" في آخر كانون الثاني (يناير) الماضي هو ثمرة أزمتين متفجرتين:
- الأزمة الأولى: مأساة دارفور.
- والثانية: مساندة السودان للمتمردين الذين يحاولون خلع الرئيس التشادي، إدريس ديبي.
فديبي يميل إلى نشر قوة سلام أوربية في تشاد وجمهورية وسط أفريقيا، وحكومته لا تبخل بالمساعدة على بعض الجماعات المتمردة بدارفور، وفي المقابل يحاول نظام الخرطوم الحيلولة دون نشر القوة الأووبية، وقطع روابط متمردي دارفور بتشاد.

ويُحسب للحكومة السودانية ممارستها قدرًا كبيرًا من ضبط النفس، والدعوة إلى حل الأزمة بالحوار في أوقات سابقة، لكن استمرار التصعيد من جانب تشاد قد يدفع السودان إلى التعامل معها بالمثل، وهو ما سوف يجر المنطقة إلى صراع مسلح طويل الأمد، ويكفي أن نشير إلى أن الهجمات غير المنظمة لميليشيا "الجنجويد" ضد حركات التمرد في دارفور يمكن أن تتحول إلى عمليات منظمة ومُقَنَّنةٍ تطال أرض تشاد، وهو أمر لن تستطيع تشاد مجاراته.

تآمر وأزمة ثقةالرئيس التشادي إدريس ديبي، المتزوج من أربع نساء، والذي أنجب أكثر من عشرين من البنين والبنات، سمى أحد أبنائه بعمر البشير، تيَمُّنًا باسم غريمه الحالي الرئيس السوداني عمر البشير!
كما أن أغلب أبناء الرئيس التشادي وُلِدُوا في مستشفيات السودان، إما في دارفور أو الخرطوم، ومع ذلك، فإن أزمة الثقة بين الرئيسين متفاقمة ومتصاعدة في السنوات الماضية، ولم تفلح في تصفيتها علاقات الود القديمة.
فديبي متمسكٌ باعتقاده بأن المشاكل لا تأتيه من داخل بلاده بقدر ما باتت تهب عليه من السودان، كما لا يرى أنه يواجه معارضين تشاديين بقدر ما يواجه مرتزقةً قادمين بِعُدَّتِهم وعَتَادِهم من السودان، منذ أن أخذت العلاقات بين الخرطوم و"إنجامينا" مسارَ التوتر المستمر، على خلفية اندلاع الحرب في إقليم دارفور عام 2003.
وظل ديبي يرسل الاتهامات تلو الأخرى بأن الخرطوم تخطط وتدبر للإطاحة بنظام حكمه، عبر إدارتها حربًا بالوكالة ضده، وتوفيرها الإسناد لمعارضيه في هجماتهم المتكررة على مواقع الجيش التشادي، وأكبرها الهجوم الذي شنته المعارضة العام الماضي على العاصمة "إنجامينا" نفسها.
ويرد السودان الاتهام باتهام لتشاد بتقديم الدعم اللوجستي للحركات المسلحة في دارفور، وتوفير الملاذ الآمن لقياداتها.

محاولات صلح فاشلةفشلت كل المحاولات الثنائية وعبر الوسطاء في إنهاء القطيعة بين البلدين، وأهمها ما قام به الرئيس الليبي معمر القذافي في مطلع العام 2006 ، عندما طرح مبادرة لحل الأزمة ، وقدمها في قمة الخرطوم، ووجدت القبول من السودان، وجرى على إثرها اجتماع قمة بين ديبي والبشير انتهى بإعلان طرابلس في فبراير من نفس العام.
غير أنه قبل أن يجف مِداد الإعلان اتهم السودان تشاد بمساندة الحركات المسلحة في تنفيذ هجوم على غرب دارفور من داخل أراضيها، وفي أبريل من العام نفسه اتهم ديبي السودانَ بالعمل على زعزعة الاستقرار في بلاده، لكن القذافي حرص على التهدئة.
وتكررت المحاولات لتبلغ خمسا، تعانَقَ خلالها البشير وديبي، في عدة عواصم، لتعود الاتهامات بعدها. ومن تلك المحاولات استنجاد السودان بالرئيس الفرنسي جاك شيراك، طالبًا منه التدخل في الأمر لحسمه نهائيا، وعبر تحرك (فرنسي – ليبي) تعانق البشير وديبي في قمة "بانجول" الإفريقية بناميبيا مرة أخرى، وعادت العلاقات إلى الهدوء المشوب بالحذر، لتتوتر من جديد بعد اتهام السودان لتشاد بدعم جبهة "الخلاص" المسلحة في دارفور بالتورط في عدة معارك بالإقليم المضطرب.
ثم جاء اتفاق الرياض بين البشير وديبي، على هامش القمة العربية التاسعة عشرة، الذي لم يدم طويلا حتى تبادل الطرفان الاتهامات!
وقُبَيْلَ إتمام المحاولة الخامسة في دكار بالسنغال، قال البشير للصحافيين عند زيارته للإمارات: إنه لا جدوى من الاتفاق مع ديبي؛ لأنه اعتمر معه في مكة وتصافحا أمام الكعبة، لكنه لم يفِ بوعده
إرسال تعليق