مدونة المعارف

24‏/05‏/2008

مسائل علمية او عادات اجتماعية


ظهرت في الآونة الأخير قضايا الأسهم المالية، واختلف العلماء فيها؛ بين مبيح ومحرم، وآخر يرى أنها محاربة لله ورسوله، وغيره يرى أنها ابتغاء من فضل الله، والعلماء بينهم يقدِّرون هذا الاختلاف، ويرونه من باب الاجتهاد في الرأي، ولا إنكار في مسائل الخلاف، وكل واحد يدلي بدلوه، بنَفَس علمي هادئ، وعامة الناس تلقَّوْا هذا الخلاف بالقبول، وتربَّوْا عليه، ولم يرَوْا فيه ما يهدد كيان التوحيد، أو فساد المجتمع!
وربما جلستَ في مجلس فيتحدث أحدهم بأنه سمع الشيخ فلاناً يقول بجواز أسهم كذا، وآخر يعترضه بأن غيره فلاناً أفتى بتحريمها، فيأخذ بعضهم بهذا وبعضهم بذاك، بما يرون أنه أوفق لدينهم ودنياهم.
وكم أنا سعيد بهذه التربية العلمية لدى العامة، وقبل هذا لدى العلماء، ولئن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على بيئة صحية علمية يسودها غير قليل من التفهّم والوعي المعرفي لقضايا الاجتهاد.
وبالمقابل فهناك الكثير من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها السلف الصالح، ولا تزال مسائل اجتهادية تقبل الرأي وغيره، ومع ذلك فالمجتمعات الإسلامية بمختلف طوائفها وأرجائها تتشنج ضدّ مخالفيها، وهذا من التفرّق المذموم الذي نهانا الله عنه، والذي هو مقدمة بين يدي البغي والظلم والعدوان.
والأمثلة كثيرة، وكم سمعنا بمضايقات علمية وتعصّبات حزبية -عبر التاريخ الإسلامي- سببها مسألة اجتهادية يقر الجميع بأن السلف الصالح قد اختلفوا فيها.
وأدهى وأمرّ حينما تحدث شخصاً بأن الشيخ فلاناً يقول بكذا، فيرد عليك قائلاً: (وماذا بقي من الدين؟!)
وهل الدين برسالته الخالدة انتهى على هذه المسألة؟!
أم يريد هذا القائل أن نكون كالذين طبع الله على قلوبهم، واتبعوا أهواءهم، فجعلوا الدين بمقاصده العليا ورسالته العظمى وقفاً على قضية الحسين -رضي الله عنه وأرضاه- وكأن الدين كله جاء ليعلمنا بأن آل البيت هم أولى بالخلافة من غيرهم؟!
وعوداً على بدْء -وعلى سبيل المثال- فهل مسألة الغناء أو الإسبال أو الأخذ من اللحية أشد وأعظم من مسألة الربا؟!
وكل هذه مسائل اجتهادية!
أم أنها عادة اعتدناها فلا ينبغي أن نحيد عنها، إما من باب الإنكار على من لم يتبع الدليل -حسب فهمنا!!- لمن لم يعلم الخلاف، أو من باب المصلحة وحفاظاً على الناس من أن يفلتوا أو يضلّوا لمن يعلم الخلاف؟!
وبالله لو أن الناس -عامتهم وعلماءهم- عندنا اعتادوا في مسائل الأسهم على قول معين، وهو تحريمها؛ لأنها من ربا الجاهلية، ثم جاءنا من يفتي بجوازها لأدلته الخاصة، بالله ماذا نقول عنه؟! وكيف يبسط الناس عليه ألسنتهم وأيديهم بالسوء؟! وودّوا لو كفر بما يدين الله تعالى به في هذه المسألة واتبع أهواءهم، ولسان حالهم:
كيف تفتي بجواز ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟!
كيف تسمح لك نفسك بمحاربة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟!
كيف والأدلة والنصوص صحيحة صريحة بتحريم الربا؟!
كيف.. وكيف؟!
ولكن.. الحمد لله الذي وهب لنا علماء أفذاذاً أعطوا المسائل الاجتهادية قدرها من الاختلاف، وربّوْا الناس على تقبل هذا الخلاف، ونشروا بيننا وعياً معرفياً وعلمياً لتقبل المخالفين في المسائل الاجتهادية، وإننا لمدينون لهم بكثير من التقدير والاحترام، وهذا حقهم علينا

إرسال تعليق