مدونة المعارف

24‏/10‏/2008

مسرح الأزمة

الأخلاق من أهم المعايير التي تزن مدى تطور وتقدم الأمم، بل تعتبر مؤشراً لمستقبل الأمة وبرهاناً غالباً، ما يدفع لتعضيد نبوءة الاستقرار والاستمرارية في الدولة والنظام.

فالأخلاق تدفع المعتقد في أهمية لتحقيق العدالة، وليس القيام بالعدالة فحسب، بل اتخاذها منهجاً ومسلكاً يُتنادى إليه. فالمجتمع الأخلاقي تتبدى فيه ملامح العدالة الاجتماعية، التي بدورها تدمغ الحقد والحسد والغل بين أفراد ذلك المجتمع، فتعلو قيم التكافل والتعاون والتراحم، ويصبح المجتمع أكثر تماسكاً وقوة في مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية التي تعتري مسار التطور، وأكثر مرونة لإحداث التوازن الذي ربما اختل يوماً ما بسبب الأحداث المتعابة، التي دائماً تبرق في سجل التاريخ، وقد تخطف الأبصار وتصيب الألباب بالخبل.

ولكن أوسط الناس أخلاقاً عادة مايعيد الأذهان إلى صوابها فيذكرها بالتسبيح أن رأى قصوراً في تقنين الأسباب وفروضها، ويأمرهم بالاستغفار إن ظلموا أنفسهم، واتباع الحق إن أحس حياداً، عن سواء الصراط.فيستجيب الناس للرشاد، وتظمئن قلوبهم به وتنجلي غشاوة الأبصار، وينغسل الران من القلوب، وتصبح الأمة كلها وسطاً، تسعى لنسج فراش التوازن في الأرض، وقد يحدث نقيض ذلك تماماً، فيتقاعس الأخيار عن النصح، فتكتم الشهادة ويعز فهم الحق ويصعب، ويلتبس الحق بالباطل ويتأرجح الناس بين الشك واليقين. فالحق يحتمل من الباطل معنىً!!..والباطل أحق حقيقة وأثقل وزناً، الأمانة والخيانة في قلب واحد اجتمعا..فيختلط الأمر في الأذهان، ويؤيده السلوك بالفوضى، ويحرك مترفوا الأمة ففسقوا وعاثوا في الأرض فساداً، فوجب تدمير ذلك المجتمع المترف الخاضع لحكم الفساق و المتحكم للهوى، فهذه سنن كونية وحقائق راسخة ذكرت في القرآن الكريم، وبرهنتها صفحات التاريخ واستنطقتها كثير من الرؤى الفلسفية والنظريات. فإذا تفكّر العقل قليلاً في قضية "بيع الذمم" لاستنتج أنها تجافي سبيل الأخلاق وتنفلت في بيداء شاسعة من الظلم واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان..فليس من الحكمة أن تكون ثقة الناس في أحدهم مصدر رزق يقتات منه في حياته آلية لزيادة ثروته!!.. لأن الثقة والقبول لم يكن يناله إلا بثروته ومركزه المالي الذي يتيح له الحصول على أي قدر من القروض، لقدرته على الدفع، وبالتالي فإن مقرضه يتوقع احتمال السداد، أكبر منه في حالة إقراض آخر لا يملك مثل ثروته.

فإذا تم تجريد الواقع الاقتصادي في مسرح يضم مثل ذلك الثري صاحب الأصول المنتجة لسلع مادية ملموسة، ويكسب من فيض نشاطه أرباحاً معقولة..

وفي نفس المسرح يوجد ثري آخر ولكن ثروته تتكون من أصول نقدية لا يستطيع استثمارها بنفسه، إضافة إلى وجود آخر يستطيع بما وهبه الله من تدبير استثمار الموارد النقدية، إلا أنه لا يملك منها شيئاً..كما يضم المسرح في جوانبه العمال وأصحاب المهارات الفنية..وفي مثل هذا المسرح تتسلل الأحداث، فيلتجئ ذلك القادر على الاستثمار إلى صاحب الأصول النقدية ليموِّله لإنشاء مشروع جديد مقابل وعد بزيادة، أو أي مقابل يحفِّز صاحب النقود على قبول الاتفاق..وهكذا قد تتم الصفقة إذا كان هناك قدر من الثقة بين الطرفين يطمئن به الممول على تأدية ما وعده به المستثمر!..والوعد بالزيادة فقط كان لعدم الثقة في المستقبل، وهي ما تعرف بحالة "عدم التيقن" (Incertainaty).

أما إذا كان عدم التيقن هذا حاضراً لحظة إبرام العقد فإن الصفقة لن تتم إلا بتدخل ضامن لهذا المستثمر، ويمثله في هذا المسرح الثري الأول صاحب الأصول المادية. ويجذب للتدخل مقابل مبلغ يدفعه المستثمر، ويدرجه في سعر المنتج الجديد، وهذا يعني تحول جزء من دخول المستهلكين لثروة هذا الغني!!.. وأي محاولة لتقليل التكلفة من قبل المستثمر تزيد الأمر حرجاً. لأنها تكون غالباً على حساب العمال "مثل إدخال تقنية حديثة في الإنتاج، أو زيادة ساعات العمل، أو تخفيض الأجور" (1)

فيقل الطلب، وبدأ الكساد، ويثور نقع الأزمة، فتقل القيمة السوقية للمؤسسات التي تنتج السلع قليلة الطلب، فتضطر الحكومة لولوج المسرح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

هذه الصورة ظلت وستظل تسجل أكثر من لقطة في تذكار النظام الرأسمالي، لأن التدخل في السوق بالسياسة التقليدية لن يصل بالإنسانية إلى حلول، فلا بد أن تؤدي أزمة الثقة بين الأفراد، وعدم الاطمئنان لمكر الأشياء والأسباب، إلى الشك في أهلية النظام الرأسمالي، والبحث عن بديل أكثر إقناعاً!.. فالنظام الرأسمالي بأشكاله المختلفة تبنَّى مبدأ حرية الفرد وحقه في التملك والعمل، ولعدم وجود تكافؤ بين أفراد المجتمع ظل هذا المبدأ نظرياً إلى حد كبير، تضمنته متون الكتب، وتفوّهت به السنة الفلاسفة والمفكرين. والصورة العامة لطبيعة المجتمع تجلت في بعض أفراده، وهي المجموعة التي لها القدرة على العمل والانتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار، وبقية المجتمع تكبلها قيود عديدة لذا نلتزم بالخيارات المتاحة والممنوحة لها من قبل الفئة القوية المسيطرة على الحياة الاقتصادية، ومن ثم يتخذ القرار الاقتصادي بناءاً على مصالح الطبقة القوية واتجاهاتها.

وبسبب هذه "التراتبية" لحزم القرارات، وعلاقاتها؛ ظهرت جماعات ضعط في المجتمع في محاولة لإبراز قدر من الاتزان في تحقيق مصالح الطبقة الفقيرة، واصطلح على تسمية تلك الجماعات بمنظمات لا تمثل الأفراد بدرجة كبيرة، وإلا كان ينبغي أن تكون الحكومة هي أهم منظمات المجتمع المدني (الإنساني).

وفي النظام الرأسمالي فإن حزم السياسة الاقتصادية المتبعة لا تكون فعّالة إلّا إذا أسهمت في تحريك دوافع الأفراد نحو التسابق والتنافس لزيادة ثرواتهم، الأمر الذي يؤدي توجيه الاقتصاد إلى منحى معين في النمو والزيادة، وهو ذلك الاتجاه الذي قصدته السياسة الاقتصادية. ومحاولة بعض الباحثين استنباط قاعدة نظرية مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوة تبرر استخدام توليفات السياسة النقدية والمالية بنفس السيناريو المستخدم في الدول الرأسمالية دون اعتبار لطبيعة الأهداف المراد تحقيقها في النظام الاقتصادي الإسلامي واختلافها عن الأهداف في النظام الرأسمالي، الأمر الذي يخرج نظرية الاقتصاد الإسلامي عن المسار الصحيح للتطور.

فالنظام الاقتصادي الإسلامي يرمى لأهداف جوهرها بثَّ الثقة والترابط بين أفراد المجتمع، ونبذ التسابق المحموم لتجميع الأموال وتكديس الكنوز، وفي مقام آخر نتعرض لهذه الفروقات الأهداف لدى كلٍ من النظام الرأسمالي والنظام الإسلامي.

________________________________

إرسال تعليق