مدونة المعارف

08‏/12‏/2016

صياغة الخطبة


أمور يلزم مراعاتُها لحُسن صياغة وجودة مضمون الخطبة:
هناك أمور تجدر مراعاتها لتكون الخطبة ذاتَ مضمون جيد، وأسلوب بليغ، وصياغة راقية، ومنها ما يأتي:
1- وضوحُ الألفاظ، وخلوُّها من الغموض والتعقيد:
ومراعاة هذا الأمر في أسلوب الخطبة وصياغتها على جانب كبير من الأهمية، فينبغي أن لا يستخدم الخطيب ألفاظًا غير معروفة لجمهور المخاطبين، مثل استخدام " التبر " بدلًا من الذهب، وكمن يريد أن يقول: إن هذا الأمر جدير بالملاحظة، فيقول: إن هذا الأمر قمين بالملاحظة، وكمن يقرأ بيتًا من الشعر يحتوي على ألفاظ غير مفهومة، ولا يقوم بتوضيحها للمخاطبين.

ومما يتصل بهذا أيضاً: إصرار بعض ذوي التخصصات العلمية على استخدام تعبيرات في خطبهم ليست متداولة خارج إطار تلك التخصصات، أو أن يعمد الخطيب إلى نقل كلام لأحدهم يتضمن بعض العبارات التخصصية، وينطقها كما هي على الناس الذين لا يفهمون مدلولاتها، ولا معانيها، فتقطع متابعتهم له، وتفاعلهم معه.

هذا؛ ولأنّ خطيب المسجد يتحدث إلى جمهور متفاوت في ثقافته وتعليمه واستيعابه، فإن عليه مهمةً خطيرة وليست هينة، وهي أن يُفهِم الجميع، ويحاولَ التحدث بلغة واضحة للجميع، ولكي يصل إلى هذا الغرض يتحتم عليه أن يتجنب الألفاظ التي لا يعرفها إلا المثقفون، حتى لا يضيع مَن دونهم، كما يتحتم عليه أن يجتنب الألفاظ المبتذَلة، حتى لا ينفر منه المثقفون، ولكن يلتزم الوسطية، فيتخير ألفاظًا فصيحة، وهي في ذات الوقت سهلة الفهم على غير المتعلمين من العوام، وإذا شعر أن اللفظ به شيء من الغموض على بعض فئات الحاضرين، عمد إلى شرحه وتفسيره وبيانه.

والحمد لله فإن اللغة العربية غنية بكثرة مترادفاتها، وإكثارُ الخطيب من القراءة في كتب الأدب يُنشِئ لديه ثروة أدبية، ويثري حصيلته اللغوية، فيتمكن من البراعة والاقتدار على تخير ما يشاء، وما يناسب من العبارات والألفاظ.

ويشير بعض العلماء إلى ملاحظة في هذا الخصوص، وهي: " أن العامة وناشئة المتعلمين يفهمون المعاني الإجمالية رغم أن بعض الجمل والعبارات تخفَى عليهم، ومن هنا كان التكرار والإلحاح على المعنى الواحد بعبارات مختلفة له أهميته، فمن خفيت عليه جملة بينتْها الأخرى " 

وأود أن أؤكد للخطيب على أمر هام، وهو أن لا تحملَه الرغبة في وضوح الأسلوب وخلوِّ تعبيره من الغموض على أن تكون الألفاظ مبتذَلة، نازلة المستوى " فيذهب رواءُ الخطبة، ويضيع جلال معانيها، كاستعمال لفظ " أتعشم " في موضع أرجو وآمل وأطمع، وكاستعمال لفظ " أفْتكر " في موضع أتفكر، أو أفكر أو أتأمل، أو أذكر، ونحو ذلك من الألفاظ العامية أو المبتذلة القريبة منها، التي شاع استعمالها على ألسنة بعض خطبائنا خطأ " 
فعليه أن يختار ألفاظ خطبته بعناية كبيرة، فتكون ألفاظًا مهذبة فصيحة، يسمعها الجمهور فيزداد توقيرًا للخطب، وإكبارًا له.

2- مراعاة آداب الكلام :
وقد ذكر الإمام الماوردي بعض الآداب التي يجب توافرها في كلام المتكلم، حَريٌّ بالخطيب أن يضعها في الاعتبار، نوردها هنا لأهميتها، قال رحمه الله [3]:
واعلم أن للكلام آدابًا إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه، وطمس بهجة بيانه، ولها الناسَ عن محاسن فضله بمساوئ أدبه، فعدَلوا عن مناقبه بذكر مثالبه.
فمن آدابه: أن لا يتجاوز في مدح، ولا يسرف في ذم، وإن كانت النزاهة عن الذم كرمًا، والتجاوز في المدح مَلَقًا يصدر عن مهانة، والسرَفُ في الذم انتقاما يصدر عن شر، وكلاهما شَيْن وإن سلم من الكذب، على أن السلامة من الكذب في المدح والذم متعذّرة، ولاسيما إذا مدح تقرّبًا وذمّ تَحنُّقا.

ومن آدابه: أن لا تبعثه الرغبة والرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عنهما، ولا يقدر على الوفاء بهما، فإن من أطلق بهما لسانه، وأرسل فيهما عِنانه، ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل: صار وعْدُه نُكْثًا ووعيدُه عجْزًا.

ومن آدابه: أن يتجافى هُجْر القول ومستقبَح الكلام، ولْيعدل إلى الكناية عما يُستقبَح صريحُه، ويُستهجَن فصيحُه، ليبلُغ الغرض ولسانه نَزِهٌ، وأدبه مصون، وقد قال محمد بن عليّ في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]، قال: كانوا إذا ذكروا الفروج كَنُّوا عنها.

ومما يجري مجرى فحشِ القول وهُجْرِه في وجوب اجتنابه، ولزوم تنَكُّبه: ما كان شنيعَ البديهة مستنكَرَ الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليمًا، وبعد الكشف والرويّة مستقيمًا، كالذي رواه الأزدي عن الصوليّ لبعض المتكلفين من الشعراء:
إنني شيخ كبير  
كافرٌ بالله سيري  
أنت ربي وإلهي  
رازق الطفل الصغير  

يريد بقوله: كافر؛ أي لابس، لأن الكفر التغطية، ولذلك سُمِّي الكافر بالله كافرًا، لأنه غطى نعمة الله بمعصيته، وقوله: بالله سيري؛ يقسم عليها " أي على ناقته " أن تسير، وقوله: أنت ربيّ؛ يعني ربي ولدك، من التربية، وإلهي رازق الطفل الصغير، كما أنه رازق الولد الكبير، فانظر هذا التكلف، والتعمق البشيع، ما اعتاض من حيث البديهة إذا سلِم بعد الفكر والروية إلا لؤمًا، إن حسُنَ فيه الظن، أو ذمًّا إن كثُرَ فيه الارتياب.

ومن آدابه: أن يجتنب أمثال الغوغاء، ويتخصص بأمثال العلماء والأدباء، فإن لكل صنف من الناس أمثالًا تشاكلهم، فلا نجد لساقط إلا مثَلًا ساقطًا، وتشبيهًا مستقبحًا.
ولذلك علتان، إحداهما: أن الأمثال من هواجس الهمم وخطرات النفوس، ولم يكن لذي الهمة الساقطة إلا مَثَلٌ مرذول وتشبيهٌ معلول.
والثانية: أن الأمثال مستخرَجة من أحوال المتمثلين بها، فبحسب ما هم عليه تكون أمثالهم.
فلهاتين العلتين وقع الفرق بين أمثال الخاصة وأمثال العامة.
وربما أَلِف المتخصص مثلًا عامّيًا أو تشبيهًا ركيكًا، لكثرة ما يطرق سمعَه من مخالطة الأراذل، فيسترسل في ضربه مثلًا فيصير به مثلًا، كالذي حُكي عن الأصمعي أن الرشيد سأله يومًا عن أنساب بعض العرب، فقال: على الخبير سقطت يا أمير المؤمنين، فقال له الفضل بن الربيع: أسقط الله جنبيك، أتخاطب أمير المؤمنين بمثل هذا الخطاب؟ فكان الفضل بن الربيع - مع قلة علمه - أعلمَ بما يُستعمَل من الكلام في محاورة الخلفاء من الأصمعي الذي هو واحد عصره وقريع دهره. أ.هـ.

3- متانة الأسلوب :
" ومما ينبغي رعايته أن يعمد الخطيب بعد استحضار المعاني إلى الألفاظ التي يريد أداءها بها، فيفرغَ المعنى في قالب يناسبه، فالمعاني الجزلة لابد لها من جمل وتراكيب في غاية الضخامة والفخامة، والمعاني الرقيقة المستملَحة لابد لها من ألفاظ تناسبها رقة وسلاسة، ليحصل التشاكل بين النوعين، مع إعطاء كل موضوع حقه من شدة العبارة ولينها في النطق، ليكون ذلك أدلَّ على المعنى المقصود " 

وقد أشار الماوردي كذلك إلى هذا، فمعاني الترهيب والتخويف والإنذار والوعيد، تتطلب صياغتَها في ألفاظ جزلة قوية، ومعاني الترغيب والتبشير والوعد والرجاء تصاغ في ألفاظ لينة ولطيفة، فاختلافُ المعنى أوجبَ اختلافَ الأسلوب، وهذا النهج واضح في أساليب القرآن الكريم، لا يخفى على المتأمل.

ومن أمثلة ذلك أسلوب القرآن الكريم في حديثه عن فِرية نسبة الولدَ لله -تعالى-، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ [مريم: 88 - 92].
" والمعنى إن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها بحيث لو تَصوَّر بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفرقت أجزاؤها من شدتها، أو أن حق تلك الكلمة لو فهمَتْها تلك الجماداتُ العظام أن تتفطر وتنشق وتخِرّ من فظاعتها، وقيل: المعنى كادتِ القيامةُ أن تقوم، فإن هذه الأشياء تكون حقيقة يوم القيامة، وقيل: الكلام كناية عن غضب الله تعالى على قائل تلك الكلمة وأنه لولا حلمه سبحانه وتعالى لوقع ذلك وهلك القائل وغيره، أي كدت أفعل ذلك غضباً لولا حلمي " 

" إن جَرْس الألفاظ وإيقاع العبارات ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو: جو الغضب والغيرة والانتفاض! وإن ضمير الكون وجوارحه لتنتفض، وترتعش وترجف من سماع تلك القَوْلة النابية، والمساس بقداسة الذات العلية، كما ينتفض كل عضو وكل جارحة عندما يغضب الإنسان للمساس بكرامته أو كرامة من يحبه ويوقره.
هذه الانتفاضة الكونية للكلمة النابية تشترك فيها السماوات والأرض والجبال، والألفاظ بإيقاعها ترسم حركة الزلزلة والارتجاف.
وما تكاد الكلمة النابية تنطلق: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴾ حتى تنطلق كلمة التفظيع والتبشيع: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴾ ثم يهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر، ويغضب الكون كله لبارئه. وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته، وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه، وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها: ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً" ﴾

4- خلوّ الكلام من العيوب اللغوية التي تهبط بمستواه :
فينبغي على الخطيب أن تكون تعبيراته مجافية لتلك العيوب، سواء ما كان يتصل منها بعلم النحو، أو علوم البلاغة والصرف، فيتجنب اللحن، والوقوع في الأخطاء الإعرابية، أو الخطأ في بنية الكلمة، وأن تكون تعبيراته فصيحة، خالية من التعقيد اللفظي، أو التنافر في الكلمات والحروف.

يقول الأبشيهي: " ومن المستحسن في الألفاظ تباعدُ مخارج الحروف، فإذا كانت بعيدة المخارج جاءت الحروف متمكنة في مواضعها غير قلقة ولا مكدودة، والمعيب من ذلك كقول القائل:
لو كنتَ كنتَ كتمْتَ الحُبَّ كنتَ كما ♦♦♦ كنا وكنتَ ولكن ذاك لم يكنِ!

وكقول بعضهم أيضا:
ولا الضِّعفُ حتى يبلغَ الضِّعفُ ضِعْفَه ♦♦♦ ولا ضِعْفُ ضِعْفِ الضِّعفِ بل مِثْلُه ألْفُ

وكقول الآخر:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكانٍ قَفْرٍ ♦♦♦ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ

قيل إن هذا البيت لا يمكن إنشاده في الغالب عشر مرات متوالية إلا ويغلط المنشد فيه لأن القرب في المخارج يحدث ثقلاً في النطق به "
" ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده: جَنَى جنَّاتِ وجْنَاتِ الحبيبِ. فصاح رجلٌ من الحاضرين في المجلس وماد وتغاشى. فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعْتَ حتى حدث بك هذا؟ فقال: سمعت جيما في جيم في جيم فصِحْت. وهذا من أقبح عيوب الألفاظ " 
فحريٌّ بالخطيب أن يبتعد عن مثل هذا التنافر اللفظيّ الذي يجعل وقع الكلام على الأذن ثقيلًا، بل ونطقه على اللسان عسيرًا.

5- حسن اختيار المقاطع والجمل :
" ويجب أن يختار الخطيب المقاطع التي يقف عليها بحيث يكون وقوفه عند نهاية جزء تام من المعنى الذي يريده، وبأن يكون المقطع ذا رنين قوي، يملأ النفس، ويوجهها نحو الغرض الذي يريده الخطيب " 
وليجتهد الخطيب في أن تكون الجمل قصيرة بقدر الإمكان، وأن لا يوجد ما يطيل الفاصل بين أجزاء الجملة ويباعد بين طرفيها، كفعل الشرط وجوابه، والمبتدأ والخبر، ونحو ذلك، كي لا يشتت الأذهان، فتقلَّ الفائدة أو تضيع.

6- التنويع في الأسلوب :
وينبغي أن لا يثبت الخطيب على وتيرة في الأسلوب، بل ينتقل من فن إلى فن، ويتصرف في الأسلوب، فتارة يأتي بأسلوب الاستفهام، وأخرى بأسلوب التعجب، وثالثة بأسلوب خبريّ، وهو في كل هذا يتفنن في سوْق معانيه وتخير التعابير والأساليب الحاملة لها، فيدفع عن السامعين الملل والرتابة التي تصاحب الثبات على أسلوب واحد، والسير على وتيرة محددة في الخطبة.

7- وأخيرًا: مراعاة حسن الإلقاء :
وفي مرحلة التعبير في الخطبة ينبغي مراعاة كل ما ذكرناه في موضوع الإلقاء وعناصر إجادته، مثل حسن توظيف الصوت والإشارة، وغيرهما، حتى يتهيأ للخطبة جودةُ الأداء، كما تهيأ لها جودةُ المضمون.

إرسال تعليق