مدونة المعارف

01‏/09‏/2014

التخطيط الدعوي أمر مهم :


فوجئ المسلمون والمهتمون بأمور الدعوة إلى الله وكذا الحال بالجهات العاملة في مجال الدعوة بالأحداث التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001م، وما تبع ذلك من تضييق للإجراءات الإدارية والمالية، بل ومطالبة من قبل البعض بالتوقف عن العمل الدعوي أوتقليله حسبما تقتضيه الظروف الدولية والمحلية فيما عرف فيما بعد بفقه ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر..
وهذه الأحداث- من وجهة نظري- بعيداً عن أسبابها وما أحدثته من نتائج على الإسلام والمسلمين والدعوة بشكل خاص إلا أنها بينت عدداً من الحقائق والدروس التي ينبغي الوقوف عندها ملياً من قبل الدعاة والقائمين على شؤون الدعوة في كل مكان.. ومن ذلك:
- أننا لانملك خاصية الإنذار المبكر لمثل تلك الأحداث والأزمات عند ظهور بعض التشنجات والانحرافات الفكرية التي تنذر بخطر جسيم على أمة الإسلام والبشرية قاطبة وبالتالي فإننا لانملك التوجيه المناسب والقرار الصائب تجاه ما قد يحدث.
- كما أننا لانملك القدرة على الفحص الدقيق والمستمر لخططنا الدعوية- إن وجدت- ولانملك القدرة علي التنبؤ بواقع البيئة الداخلية والخارجية من حولنا لنعمل على ضوء ذلك.. ولم نستفد من الآخرين الذين قطعوا شوطاً كبيراً في مجال التخطيط البعيد المدى أو الاستراتيجي لنشر أضاليلهم وأباطيلهم .
- عدم القدرة على المرونة والعمل في ضوء ما يتاح لنا من بدائل وإمكانات. بل تخبط البعض وظهرت الحيرة والارتباك على البعض الآخر. ولجأ البعض إلى المناداة فرحين بالوقوف التام عن نشر الدعوة ومساعدة المسلمين في مساجدهم ومدارسهم ومراكزهم الإسلامية. بل بات البعض يكيل التهم ويوجه اللوم إلى البعض الآخر. صحيح أن بعض الدعاة والجهات المحسوبة على الدعوة وقع في تجاوزات وأخطأ وأساء التصرف في المجتمع الذي يعيش فيه سواء في بلاده أو في بلاد أخرى استضافته وأحسنت إليه.. مما كان له أعظم الضرر على الدعوة والدعاة.
- إن وجد مخططون استراتيجيون للأعمال الدعوية في مؤسساتنا الدعوية المعنية وفق المنهج النبوي الكريم (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..) فإنهم لايملكون الرؤية الواضحة والقدرة على المبادرة الإيجابية. بل ربما اكتفوا بالقيام بأعمال في شكل ردود أفعال إزاء ما يفاجأون به من تغيرات.
والأسئلة التي تطرح نفسها اليوم على الساحة الدعوية:
- هل استنفذنا طاقاتنا وهل استخدمنا مواردنا وقدر اتنا البشرية والمادية؟
- هل انتهت الفرص الإيجابية المتاحة والتي يمكن العمل من خلالها في مجال الدعوة؟
- هل بدأنا بطرح بعض البدائل والخيارات المناسبة الأخرى والتي تضمن لنا الاستمرار بكفاءة وإنتاجية أكثر من دون أن تحدث أي إحراج للدعاة أو لأصحاب القرار؟
إننا وبكل صراحة لم نحدد أهدافنا الدعوية التي نريد الوصول إليها وفق جدول زمني محدد ولم نضع خططاِ نسير عليها وفق رؤية واضحة. وليس هناك متابعة حقيقية لواقعنا وأدواتنا ووسائلنا المشروعة حتى تحقق- بإذن الله- تلك الأهداف المشروعة المنشودة التي أكاد أجزم بأن معظم العاملين في مجال الدعوة إلى الله في الخارج بالذات تنقصهم الكفاءة والقدرة ووضوح الرؤية والرسالة والتقويم المستمر للعمل. بل إن الأمر يسير كيفما اتفق.
ولهذا تزيد الإخفاقات وتكثر الأخطاء والملحوظات وكأننا نعمل بدون هدف.. بل مجرد تسيير أعمال روتينية. بل إن البعض منهم لايرى لأحد الحق في المحاسبة والتقويم والتوجيه والتغيير وهذا ما أوصلنا إلى هذه الحال التي نحن فيها.
والنتيجة أننا لم نحسب للمخاطر يوماً أي حساب.. ولم تقم دراساتنا ولا قراراتنا ومناشطنا الدعوية على المعلومات الصحيحة والأرقام الدقيقة.. ولا نؤمن بمبدأ المشاركة في الرأي من قبل جميع الأعضاء المغيين ولم ننفتح على البيئة من حولنا يإيجابية وبشكل واقعي.. ولم نعتمد على الوسائل والتقنيات الحديثة في العمل الجاد والتخطيط السليم.
إن العمل في مجال الدعوة إلى الله تعالى- بلاشك- مهمة الأنبياء والمرسلين والمصلحين، ومن أشرف الأعمال وغاية في الأهمية والإجلال. ويتطلب في نفس الوقت التخطيط الدقيق وتحديد الأهداف، ومراعاة الظروف العامة والبيئة الداخلية والخارجية للمؤسسات الدعوية والمجتمعات الدعوية وما فيها من جوانب القوة والضعف والفرص والمخاطر. ثم يأتي بعد ذلك اتخاذ القرار الصائب من قبل القائمين على المؤسسات الدعوية بشكل فريق عمل من المخططين المخلصين المهرة- وليس لجان- ممن يملكون القدرة والخبرة والعلم والدراسة بعمليات التخطيط الدعوي.
هذا الفريق يتولى تحديد تلك الخطوات وتقدير الأولويات ومتابعة مراحل العمل الدعوي في ضوء الظروف المتاحة مع أهمية تحديد الإمكانات المادية والبشرية وتوزيع الأدوار وتحديد المسؤوليات وتحري التوقعات والفرص المناسبة لإنجاز الأعمال والمهمات.
وهذا الفريق ينتهج بطبعه الابتعاد عن اللجوء إلى الحلول الموقتة والجزئية أو الترقيع وإسقاط الماضي على الواقع الحاضر. بل يسعى إلى معرفة ماتحقق من أهداف ومالم يتحقق ولم لم تتحقق، وتحديد الجوانب الإيجابية والسلبية.. والبحث عن أساليب وفرص أخرى من شأنها إنجاح العمل وإخضاع تلك الأعمال للتقويم والدراسات والاستفادة من تجارب الآخرين وفتح مجال المناقشة والتعاون وتبادل الخبرات وتوسيع دائرة الاتصال مع الجهات المماثلة.

إن العمل الدعوي لازم لاخيار عنه ولامحيد، وأن الاستمرار فيه واجب على كل مسلم بحسب حاله وقدرته وبحسب ماتقتضيه المصلحة العامة.. وإذا ضاق مجال أو أغلق باب فتح الله مجالات وأبواباً أخرى (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)، (وإن مع العسر يسرا) ولن يغلب عسر يسرين كما ورد ذلك عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية.. ومن ذلك أن يصار إلى بعض التكتيكات الممكنة تقديراً للظروف المحيطة لا اللجوء للاستسلام والرهبة من الشيطان وأعوانه الذين فرحوا ويفرحون بمثل تلك الأحداث لاستغلالها في ضرب الحق وأهله (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياء ه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين).
ومن ذلك أن نقر بأخطائنا وتجاوزاتنا، وأن نراجع أنفسنا ونعلم أن ما أصابنا هو من عند أنفسنا وبما كسبت أيدينا ويعفو عن كثير.. وأن نري الله من أنفسنا خيراً ونلجأ إلى الله تعالى في كشف ماحل بالمسلمين وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.. وأن تكون أعمالنا غاية في الوضوح والبصيرة متسلحين بسلاح العلم والتقوى والصبر والمجاهدة.. مركزين على الاهتمام بتقوية الجانب البشري في المجال الدعوي تدريباً وتعليماً وكفاءة حتى يكونوا خيرة دعاة لخير دين.
كما أنه لايمكن إغفال الجانب المادي أو تهميشه فالدعوة بحاجة ماسة إليه وعليه فيمكن اللجوء إلى إيجاد مصادر متنوعة لدعم الأعمال الدعوية وتوسيع دائرة الإحسان وتفعيل دور الوقف وغيره من أبواب الخير والإحسان في مجال الدعوة إلى الله. فقد رأيت في بعض الدول تركيزاً شديداً على الأوقاف وصرف ريعها في الدعوة إلى الله بسخاء حتى إنك ترى معظم القرى وماتبعها من مزارع وعقار ومستشفيات وغيرها موقوفة على أعمال الدعوة ووجوه البر.
المرجع  لهذه المقاله : http://www.alriyadh.com/44486
إرسال تعليق