فضل يوم عرفة
|
د. راشد بن معيض العدواني
|
إن الليالي والأيام، والشهور والأعوام، تمضي سريعا، وتنقضي سريعا؛ هي محط الآجال؛ ومقادير الأعمال فاضل الله بينها فجعل منها: مواسم للخيرات، وأزمنة للطاعات، تزداد فيها الحسنات، وتكفر فيها السيئات، ومن تلك الأزمنة العظيمة القدر الكثيرة الأجر يوم عرفة تظافرت النصوص من الكتاب والسنة على فضله وسأوردها لك أخي القارئ حتى يسهل حفظها وتذكرها : 1- يوم عرفة أحد أيام الأشهر الحرم قال الله- عز وجل- : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) [سورة التوبة : 39]. والأشهر الحرم هي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب ويوم عرفه من أيام ذي الحجة. 2- يوم عرفة أحد أيام أشهر الحج قال الله - عز وجل- : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) [سورة البقرة : 197] وأشهر الحج هي : شوال ، ذو القعدة ، ذو الحجة. 3- يوم عرفة أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله عليها في كتابه قال الله - عز وجل- : (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [سورة الحج:28]. قال ابن عباس –رضي الله عنهما : الأيام المعلومات : عشر ذي الحجة. 4- يوم عرفة أحد الأيام العشر التي أقسم الله بها منبها على عظم فضلها وعلو قدرها قال الله - عز وجل- : (وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) [سورة الفجر:2]. قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : إنها عشر ذي الحجة قال ابن كثير: وهو الصحيح. 5- يوم عرفة أحد الأيام العشرة المفضلة في أعمالها على غيرها من أيام السنة: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما من عمل أزكى عند الله - عز وجل- ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى قيل: ولا الجهاد في سبيل الله - عز وجل- ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله - عز وجل- إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه الدارمي وحسن إسناده الشيخ محمد الألباني في كتابه إرواء الغليل. 6- يوم عرفة أكمل الله فيه الملة، وأتم به النعمة، قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- : إن رجلا من اليهود قال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال : أي آية؟ قال: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا) [ سورة المائدة:5]. قال عمر – رضي الله عنه- : قد عرفنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة. 7- صيام يوم عرفة : فقد جاء الفضل في صيام هذا اليوم على أنه أحد أيام تسع ذي الحجة التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها فعن هنيدة بن خالد-رضي الله عنه- عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر : أول اثنين من الشهر وخميسين) صححه الألباني في كتابه صحيح أبي داود. كما جاء فضل خاص لصيام يوم عرفة دون هذه التسع قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صيام يوم عرفة : يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) رواه مسلم في الصحيح وهذا لغير الحاج وأما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف. 8- أنه يوم العيد لأهل الموقف قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام ) رواه أبو داود وصححه الألباني . 9- عظم الدعاء يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة ) صححه الألباني في كتابه السلسة الصحيحة. قال ابن عبد البر – رحمه الله - : وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره. 10- كثرة العتق من النار في يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة) رواه مسلم في الصحيح. 11- مباهاة الله بأهل عرفة أهل السماء قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء) رواه أحمد وصحح إسناده الألباني . 12- التكبير : فقد ذكر العلماء أن التكبير ينقسم إلى قسمين : التكبير المقيد الذي يكون عقب الصلوات المفروضة ويبدأ من فجر يوم عرفة قال ابن حجر –رحمه الله- : ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث وأصح ما ورد عن الصحابة قول علي وابن مسعود _ رضي الله عنهم_ أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى) . وأما التكبير المطلق فهو الذي يكون في عموم الأوقات ويبدأ من أول ذي الحجة حيث كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم يخرجون إلى السوق يكبرون ويكبر الناس بتكبيرهما) والمقصود تذكير الناس ليكبروا فرادى لا جماعة . 13- فيه ركن الحج العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) متفق عليه. هذا ما تيسر جمعه سائلا الله أن يتقبل منا ومن المسلمين أعمالهم وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم. كتبه د. راشد بن معيض العدواني عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام كلية الدعوة بالمدينة. |
قال الذهبي : " العلم ليس هو بكثرة الرواية , ولكنّه نور يقذفه الله في القلب وشرطه الإتباع , والفرار من الهوى والإبتداع" السير ( 13/ 323)
مدونة المعارف
08/09/2016
فضل يوم عرفة مقال في غاية من الرعوة
22/07/2016
قصيدة في الحكم والأدب
| ||||
20/07/2016
25/06/2016
16/06/2016
13/06/2016
ذالك تأويل ما لم تستطيع عليه صبرا
{ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [سورة الكهف، الآية: 82]:
ثلاثة أمور لا يصبر عليها أكثر الناس ولا يتحملونها:
(1) الفشل في مشروع تحمّسوا له.
(2) فقد حبيب تعلقوا به.
(3) انتظار رزق خرق السفينة وقتل الغلام وحبس كنز اليتيميـن .. هي رحمـة من ربك وهي قصص تمثل ثلاثة أمور لابد أن تصادفنا في الحياة.
خرق السفينة:
يمثل فشل مشروعك؛ قد يكون العيب الذي يحصل في حياتك هو سر نجاحك، ونجاتك في أمر قد يدمر نجاحك {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [سورة الكهف، الآية: 79]!
قتل الغلام:
يمثل فقد ما نحب؛ قد يكون فقدك لما تحب هو رحمـة لك. قال تعالى: {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [سورة الكهف، الآية: 80] وبموته تحققت 3 رحمات:
(1) رحمة للغـلام - دخوله للجنة بلا ذنب.
(2) رحمة لوالديه - إبدالهما بخير في البر بهما.
(3) رحمة للمجتمع - من الطغيان والظلم.
حبس كنز اليتيمين:
يمثل تأخر رزقك؛ قد يكون تأخر الوظيفـة /الزواج / الأطفال في حياتك خير لك ورحمة {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا} [سورة الكهف، الآية: 82] فقد كان اليتيمان عرضـة للأطماع وكانا في ضَعف عن تـدبـر أموالهما.
هي قصص تمثل 3 محاور رئيسة مـن قصـص حياتنا اليومية أراد الله أن يبين لنا بها أن الأصل في أمورنا كلها هي الرحمـة فلا نحزن على الظاهر وننسى الرحمات المبطنـة فيها من الله تعالى كل ذلك تجده في سورة الكهف التي جاء الأثر بفضيلة قراءتها يوم الجمعة.
02/06/2016
رمضان أهلا يا شهر الخير والبركة
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ))
هذه الآية وهي قوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ )):
هي آية تفسيرية للأيام التي أمرنا في الصيام فيها في قوله تعالى :
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ))
والشهر بعمومه :
إنا سمي بهذا الاسم لاشتهاره بين الناس
ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :
((الصوم يوم يصوم الناس ، والفطر يوم يفطر الناس ))
ولذا يرى بعض العلماء: أن من رأى الهلال وحده يعني من رأى هلال رمضان لوحده فإنه لا يصوم مع أنه رآه فإذا رأى الهلال ثم ردت شهادته فإنه والحالة هذه عند بعض العلماء لا يصوم
لماذا ؟
لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((الصوم يوم يصوم الناس،والفطر يوم يفطر الناس ))
ولأن الشهر ما هلَّ واشتهر بين الناس ، وهذا الشهر لم يشتهر إلا عند هذا الشخص بمفرده
وسمي رمضان بهذا الاسم :
– وكان يسمى في الجاهلية ناتق يسمى بشهر ناتق لكنه في الإسلام سمي برمضان
لماذا سمي شهر رمضان بهذا الاسم ؟
قال بعض العلماء :
لأنه يرمض يعني يحرق الذنوب
فمن مزايا هذا الشهر:
أنه يحرق الذنوب مأخوذ من :
الرمضاء
وذلك أن الرمل إذا ضربته الشمس انبعثت منه حرارة وكذلك الأرض إذا ضربت بحرارة الشمس يقال : هذه أرض رمضاء
ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام – كما عند مسلم – قال : (( صلاة الأوابين ))
يعني :
صلاة الضحى وصلاة من هو أوَّاب رجَّاع تواب إلى الله :
(( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ))
يعني :
حين يشتد الحر
يعني : قبيل الظهر بما يقارب النصف الساعة أو أكثر بقليل
هذا هو وقت صلاة الأوابين يؤدون فيه صلاة الضحى
قال عليه الصلاة والسلام :
(( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ))
ما هي الفصال ؟
الفصال : هي صغار الإبل فإنها تمشي في الرمضاء فإذا احترقت أخفافها من شدة الحرارة بركت
فهذا هو وقت صلاة الأوابين يصلون فيه صلاة الضحى
إذاً :
سمي هذا الشهر بهذا الاسم لأنه يرمض الذنوب ويحرقها
وهذا واضح من قوله عليه الصلاة والسلام :
(( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
(( من قام رمضان – يعني : صلاة التراويح – من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
(( من قام ليلة القدر – وليلة القدر أين ؟ في رمضان – من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
وقول النبي عليه الصلاة والسلام:
لما صعد المنبر وقال : آمين آمين آمين
فقال الصحابة : علام آمَّنتَ يا رسول الله ؟
فقال : آتاني جبريل وقال : يا محمد رغم انف امرئ أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأبعده الله فأدخله النار قلْ : آمين فقلتُ : آمين ))
إذاً :
هذا الشهر فرصة لنا أن نكفر فيه سيئاتنا وذلك بالإقبال على الله وبترك الذنوب
ولذا :
أتيحت لنا الأسباب هيئت لنا الفرص :
(( يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ))
وقال بعض العلماء :
سمي هذا الشهر بهذا الاسم لأن حرارة الموعظة تصل إلى القلوب
فالقلوب مقبلة :
فحينما يتحدث المتحدث وحينما يعظ الواعظ تجد أن القلوب المؤمنة التقية مقبلة على هذه الموعظة وتستقبل هذه الموعظة برحابة صدر بل إن هذه الموعظة يكون لها أثرها الإيجابي على سلوك المسلم في هذا الشهر مما لا يكون في غيره
وقال بعض العلماء :
لأن هذا الصوم يقع في شهر حار ،
وإن كنتم تذكرون :
فإن النصارى وقع أمر وجوب الصيام عليهم في شهر حار فلما امترض أحد زعمائهم أضافوا إليه عشرين يوما فأصبحت خمسين يوما
كما صح بذلك الخبر عن ابن حنظلة الصحابي رضي الله عنه
ثم لما شق عليهم هذا العدد في هذا الشهر الحار نقلوه إلى شهر ربيع
ولذا سيأتي معنا في قوله تعالى :
((وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ))
على أوجه بعض التفسير :
أن الله هدانا لهذا الشهر مما لم يهد إليه النصارى وهذا كيوم الجمعة :
فإن النبي عليه الصلاة والسلام :
قال عن يوم الجمعة :
(( أضل الله عنه اليهود والنصارى ، وهدانا الله له فالجمعة لنا والسبت لليهود والأحد للنصارى ))
فلوقوع الصيام في هذا الشهر الحار:
سمي برمضان
ولا مانع أن تصدق هذه الأوصاف كلها على هذا الشهر
فقوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ ))
ما مزاياه ؟
ما سماته ؟
((الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
فإذا كان هذا الشهر امتاز على غيره من بين سائر الشهور أن القرآن أنزل فيه
فما هو واجبنا تجاه هذا الكتاب العظيم في هذا الشهر العظيم ؟
ما واجبنا ؟
ما الذي يلزمنا ؟
ما الذي ينبغي لنا ؟
أن نحرص على تلاوة هذا الكتاب في هذا الشهر، وأن نتأمل أثناء قراءته وأن نتدبر
لماذا ؟
لأنه شهر القرآن
ولذا يذكر القرآن مع الصيام في أحاديث مما يدل على أن تلاوة كتاب الله جل وعلا مع الصوم له مزية لا تكون في وقت غير الصيام :
قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( الصيام والقرآن – انظروا كيف جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين هاتين العبادتين ))
ما هاتان العبادتان ؟
الصيام وتلاوة القرآن
قال :
(( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام : ربي منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن : ربي منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان ))
وهذا القرآن ينافح عنك
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:
في معجم الطبراني وحسنه الألباني رحمه الله قال :
(( إن القرآن ليلق صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول : أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرتُ ليلك فيعطى ويقال له : اقرأ وكلما قرأ آية ارتفع درجة في الجنة ))
سورة البقرة وآل عمران :
تأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان تحاجان عن صاحبهما
هذا القرآن كنز ودرة ثمينة بين أيدينا :
فواجب علينا :
أن نحرص عليه حتى نحوز الفضل والثواب العميم من الله جل وعلا ولاسيما في هذا الشهر
أيها الأحبة في الله :
نحن الآن في الليلة الثانية عشرة :
هل خُتمَ كتاب الله جل وعلا ؟
كلٌ يسأل نفسه
كان السلف- بل قبل ذلك في هذا الشهر- يجب أن تفرغ الأذهان من الأشغال ، ومن الصوارف ، وأن تقبل على الله جل وعلا
فهذا الشهر أيام
كان العلماء في السابق إذا دخل هذا الشهر رفعوا أيديهم عن الكتب لا يقرءون ولا يدرسون ولا يعلمون
وإنما قراءة لكتاب الله جل وعلا لأنه شهر القرآن بدليل قوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ))
كان البعض منهم يختم في اليوم مرة واحدة
بل ذُكر عن الشافعي رحمه الله:
أنه يختم في رمضان ستين ختمة :
ختمة بالليل ، وختمة بالنهار
النبي عليه الصلاة والسلام كان جبريل يدارسه القرآن
متى ؟
في رمضان وإذا دارسه :
ماذا قال ابن عباس ؟
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة
لماذا ؟
القرآن يؤثر في النفوس
نحن الآن نتلو كتاب الله جل وعلا ولكن التأثير قليل بل إن البعض إذا قرأ صفحة أو صفحتين ملت نفسه
وهذه مصيبة ومرض عضال ينبغي أن نتعافى منه ، وأن نبحث عن السبب
ولذا قال عثمان رضي الله عنه قال :
(( لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم ))
لو طهرت هذه القلوب من الذنوب ما شبعت من كلام ربكم
يقول شيخ الإسلام رحمة الله عليه عند قوله تعالى :
{لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }
الواقعة79
الذين هم الملائكة طهروا من الله جل وعلا
قال :
(( كلما كان المسلم طاهر القلب نظيف القلب من الذنوب كلما كان أفهم لكتاب الله جل وعلا ))
يقول بعض السلف :
كان يشق عليّ قيام الليل يقول :
(( كابدته عشرين سنة ثم تلذذت به عشرين سنة ))
إذاً :
هو لذة راحة
عثمان رضي الله عنه قائل هذه المقولة التي أسلفتها :
(( لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم )) مات والمصحف بين يديه
أعز بيت في الدنا بيت ربنا
وخير جليس في الزمان كتابه
ما لك أنيس إلا كتاب الله
لن تجد الراحة إلا معه :
((وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ))
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ ))
ولذا قال جل وعلا :
((الم{1} ذَلِكَ الْكِتَابُ )) :
أول سورة البقرة :
((ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2} ))
لن تجد الراحة إلا إذا تلوت كتاب الله جل وعلا بالتأمل بالتدبر
ولذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما :
يقول :
(( لأن أقرأ سورة أرتلها – يعني بتدبر – أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله ))
ابن مسعود يقول :
(( لا تهذوا هذا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ))
هكذا
ولذا فهم الصحابة رضي الله عنهم أن هذا القرآن منبع الخير وسعادة الإنسان
فيقول أبو عبد الرحمن السلمي :
(( حدثنا الذين كانوا يُقروءننا القرآن كابن مسعود وعثمان أنهم ما كانوا يتجاوزون عشر آيات حتى يحفظوها ويتعلموها ويعملوا بما فيها قال :
((فجمعوا بين العلم والعمل ))
إذا سدت عليك الأبواب إذا ضاقت عليك الحيل إذا نزلت بك الهموم إذا ادلهمت بك الكروب اقرأ كتاب الله جل وعلا تجد الراحة والسعادة والطمأنينة
شيخ الإسلام رحمة الله عليه:
لما سجن ظلما واعتداء وعدوانا لما سجن حبس في القلعة ثم منعت منه الكتب ومنعت منه الأقلام ومنعت منه الأوراق
كُفت يداه عن العلم فماذا صنع ؟
معه كنز في قلبه
ولذا ماذا كان يقول ؟
يقول :
(( أنا جنتي في قلبي ))
يقول :
(( مساكين هؤلاء حبسوني ولم يعرفوا الكنز والدرر التي أحملها ))
ولذا لما أودعوه في السجن وأغلقوا الباب قال : ((فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }الحديد13
يقول :
(( أنا جنتي في صدري ))
جنة ماذا ؟
التلذذ بكتاب الله
(( أينما رحلت فهي معي لا تفارقني ))
حافظ لكتاب الله جل وعلا :
(( إن حبسوني فخلوة ، وإن قتلوني فشهادة ، وإن أخرجوني من بلدي فسياحة ))
يقول :
(( والله لو نفوني )) ـــــــــ انظروا إلى حسن الظن بالله عز وجل
هذا رجل يتحدث ، وهو يثق بالله جل وعلا
يقول :
(( لو نفوني إلى قبرص )) ــــ وكانت في ذلك الوقت ليست بديار إسلام
قال :
(( لو نفوني إلى قبرص لدعوتهم ولأسلموا ))
ثقة بالله
ابن القيم يقول :
(( كنا نزوره في السجن ))
يقول :
(( نحن خارج السجن فإذا اشتدت بنا المخاوف وساءت منا الظنون آتيناه في السجن فما هو إلا ان يحدثنا ونحدثه حتى يذهب عنا ذلك كله ))
يفرج عنهم
هو في السجن يفترض أن يكون العكس :
حينما تأتي إلى سجين تنفس عنه ترفع عنه بعض همومه تسليه ببعض الكلمات
سبحان الله!
أما أن يكون العكس السجين هو الذي يخفف عن الزائر
هذا يدل على يدل ماذا ؟
يدل على عظم الإيمان الذي وصل إليه رحمة الله عليه
فمنعت منه الكتب ومنع أصحابه وطلابه أن يزوره وكان ممن سجن معه أخوه
يقول :
(( فجعل يتلو كتاب الله جل وعلا كلما ختمه عاد ))
وهذا دأبه
فصدرت منه كلمة
حبس من هؤلاء ظلما واعتداء وبغيا ولما منع أصبح هذا المنع الذي في ظاهره نقمة أصبح لديه نعمة لأنه تفرغ بقلبه وقالبه وكليته على هذا القرآن العظيم :
فيقول :
(( والله لو أعطيتُهم ملء هذه القلعة ذهبا على أن أوفي لهم هذه النعمة ما وفيت بحقهم ))
يقول :
هم أصبحوا سببا في حصول هذا النعيم القلبي لي
وليس هذا بعجب
ولذا يقول أخوه :
(( جعل يتلو كتاب الله جل وعلا فلفظ أنفاسه الأخيرة عند قوله تعالى :
((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ{54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ{55} ))
هذه إن شاء الله علامة ودلالة على حسن خاتمة هذا الرجل
إذاً هذه لذة
يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله يقول :
(( لو يعلم الملوك ))
الملوك ماذا لديهم من النعيم الحسي ؟
من نعيم الدنيا ؟
حدِّث ، وحدِّث ، وحدِّث
ربما لا تستطيع أن تصف النعيم الذي يتقلب فيه الملوك صباح مساء ولاسيما في هذا الزمن مع التقدم والرقي والتقنية والكماليات
يقول :
(( لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليها بالسيوف ))
لحاربونا عليها بالسيوف حتى يأخذوا منها ولو جزءا يسيرا من هذه النعمة
نعمة ماذا ؟
نعمة العبادة
نعمة تلاوة كتاب الله عز وجل
يقول بعض السلف :
" إنه ليمر بقلبي أحيانا ساعات أقول من اللذة والسعادة والأنس والطرب يقول :
(( يمر بقلبي ساعات أقول : إن كان أهل الجنة ماذا ترون وماذا تسمعون من كلام الله عز وجل عن نعيم أهل الجنة ؟
(( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ))
ويقول :
(( إنه ليمر بالقلب ساعات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم الآن إنهم لفي نعيم ))
يقول :
إن كان هذا النعيم الذي أشعر به هو في الجنة والله إنهم لفي نعيم
هل نشعر بهذا النعيم ؟
يقول بعض السلف :
(( مساكين أهل الغفلة ))
ربما توافرت له أسباب الراحة والسعادة والحياة من ملذاتها من مطالبها من شهواتها ومع ذلك –
سبحان الله ! – لا تزيده هذه الملذات والشهوات إذا كان منصرفا عن الله لا تزيده إلا ضيقا وحرجا :
((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ))
ما هو ذكره جل وعلا ؟
هذا القرآن
((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ))
((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ{13} وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ{14} ))
يقول ابن القيم :
(( لا تظن ان النعيم الذي هو للأبرار والجحيم الذي هو للفجار إنما هو محصور في الآخرة لا بل في الدور الثلاث ))
الأبرار في نعيم :
في دنياهم
وفي قبورهم
وفي أخراهم
الفجار في جحيم :
في دنياهم
وفي قبورهم
وفي أخراهم
فنحن بحاجة ماسة أكيدة إلى أن نرجع إلى كتاب الله
وخذ من الفوائد والثمرات إذا أقبلت على هذا الكتاب
والله ما سعدت الأجيال الماضية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا انتصرت ولا ارتفعت لها راية ولا علت لها كلمة إلا بهذا القرآن
والله لو عاد المسلمون إلى كتاب الله لصلحت أحوالهم في جميع الأشياء
والله لو كان هذا القرآن يتلى في بيوت المسلمين ويعمل به في بيوت المسلمين لما وجدت البيوت هما ولا حزنا ولا مرضا
نعم
نور
هدى
لكن من يقبل عليه ؟
بل كلما تلوته تؤيد :
(( ما اجتمع قوم – كما عند مسلم – ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ــ
هذا هو موضع الشاهد : يتلون ماذا ؟
- يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ))
أسيد بن حضير :
لما كان يقرأ سورة الكهف في الليل – لكن قراءة بتأمل بتدبر – وكان لديه فرس وعنده ابن صغير رضيع يدعى بيحيى ، فلما تلا سورة الكهف إذا به يسمع لهذا الفرس صهيلا فخشي أن تطأ هذا الطفل الرضيع ، فإذا سكت عن القراءة سكنت الفرس ، يعود إلى القراءة تعود الفرس إلى الصهيل ثلاث مرات
فقام خيفة على هذا الرضيع أن تطأه الفرس
فيقول :
قمت فلما قمت رأيت مثل الظلة في السماء
نور
فلما أصبحت غدوت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرته فقال :
اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير
يعني : لماذا لم تستمر في القراءة ؟
قال : يا رسول الله إني خفت على يحيى أن تطأه
قال عليه الصلاة والسلام : تلك الملائكة دنت لصوتك ولو ظللت تقرأ لانكشفت للناس لا تتوارى عنهم
إذاً الملائكة
ولذا :
جاء في حديث أن المسلم كلما قرأ كلما دنا منه الملك إلى فمه ، وكلما قرأ آية وقعت في فم الملك
(( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول : الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ))
الحمد :
أول كلمة في سورة الفاتحة
الحمد لك بها خمسون حسنة
فضل وكرم من الله
فلماذا تنصرف القلوب
ولماذا لا تلتهج الألسن بقراءة هذا الكتاب ؟
والله إنها لفرصة لنا في هذا الشهر لأن المسلم في هذا الشهر يعان فيه ما لا يعان في غيره
فعلى الاقل أن يختم كتاب الله لو مرة واحدة :
هذا أقل أقل أقل أقل القليل
وإلا يفترض فرضا ليس بملزم وإنما على سبيل الندب ان يختم في كل ثلاث ليال
كما كان العلماء والصحابة رضي الله عنهم يحرصون عليه
الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختمون القرآن في كل أسبوع مرة
فقوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
يدل على ماذا ؟
يدل على فضل تلاوة كتاب الله عز وجل في هذا الشهر
قوله :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
إعداد / فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري
هذه الآية وهي قوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ )):
هي آية تفسيرية للأيام التي أمرنا في الصيام فيها في قوله تعالى :
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ))
والشهر بعمومه :
إنا سمي بهذا الاسم لاشتهاره بين الناس
ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :
((الصوم يوم يصوم الناس ، والفطر يوم يفطر الناس ))
ولذا يرى بعض العلماء: أن من رأى الهلال وحده يعني من رأى هلال رمضان لوحده فإنه لا يصوم مع أنه رآه فإذا رأى الهلال ثم ردت شهادته فإنه والحالة هذه عند بعض العلماء لا يصوم
لماذا ؟
لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((الصوم يوم يصوم الناس،والفطر يوم يفطر الناس ))
ولأن الشهر ما هلَّ واشتهر بين الناس ، وهذا الشهر لم يشتهر إلا عند هذا الشخص بمفرده
وسمي رمضان بهذا الاسم :
– وكان يسمى في الجاهلية ناتق يسمى بشهر ناتق لكنه في الإسلام سمي برمضان
لماذا سمي شهر رمضان بهذا الاسم ؟
قال بعض العلماء :
لأنه يرمض يعني يحرق الذنوب
فمن مزايا هذا الشهر:
أنه يحرق الذنوب مأخوذ من :
الرمضاء
وذلك أن الرمل إذا ضربته الشمس انبعثت منه حرارة وكذلك الأرض إذا ضربت بحرارة الشمس يقال : هذه أرض رمضاء
ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام – كما عند مسلم – قال : (( صلاة الأوابين ))
يعني :
صلاة الضحى وصلاة من هو أوَّاب رجَّاع تواب إلى الله :
(( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ))
يعني :
حين يشتد الحر
يعني : قبيل الظهر بما يقارب النصف الساعة أو أكثر بقليل
هذا هو وقت صلاة الأوابين يؤدون فيه صلاة الضحى
قال عليه الصلاة والسلام :
(( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ))
ما هي الفصال ؟
الفصال : هي صغار الإبل فإنها تمشي في الرمضاء فإذا احترقت أخفافها من شدة الحرارة بركت
فهذا هو وقت صلاة الأوابين يصلون فيه صلاة الضحى
إذاً :
سمي هذا الشهر بهذا الاسم لأنه يرمض الذنوب ويحرقها
وهذا واضح من قوله عليه الصلاة والسلام :
(( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
(( من قام رمضان – يعني : صلاة التراويح – من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
(( من قام ليلة القدر – وليلة القدر أين ؟ في رمضان – من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
وقول النبي عليه الصلاة والسلام:
لما صعد المنبر وقال : آمين آمين آمين
فقال الصحابة : علام آمَّنتَ يا رسول الله ؟
فقال : آتاني جبريل وقال : يا محمد رغم انف امرئ أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأبعده الله فأدخله النار قلْ : آمين فقلتُ : آمين ))
إذاً :
هذا الشهر فرصة لنا أن نكفر فيه سيئاتنا وذلك بالإقبال على الله وبترك الذنوب
ولذا :
أتيحت لنا الأسباب هيئت لنا الفرص :
(( يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ))
وقال بعض العلماء :
سمي هذا الشهر بهذا الاسم لأن حرارة الموعظة تصل إلى القلوب
فالقلوب مقبلة :
فحينما يتحدث المتحدث وحينما يعظ الواعظ تجد أن القلوب المؤمنة التقية مقبلة على هذه الموعظة وتستقبل هذه الموعظة برحابة صدر بل إن هذه الموعظة يكون لها أثرها الإيجابي على سلوك المسلم في هذا الشهر مما لا يكون في غيره
وقال بعض العلماء :
لأن هذا الصوم يقع في شهر حار ،
وإن كنتم تذكرون :
فإن النصارى وقع أمر وجوب الصيام عليهم في شهر حار فلما امترض أحد زعمائهم أضافوا إليه عشرين يوما فأصبحت خمسين يوما
كما صح بذلك الخبر عن ابن حنظلة الصحابي رضي الله عنه
ثم لما شق عليهم هذا العدد في هذا الشهر الحار نقلوه إلى شهر ربيع
ولذا سيأتي معنا في قوله تعالى :
((وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ))
على أوجه بعض التفسير :
أن الله هدانا لهذا الشهر مما لم يهد إليه النصارى وهذا كيوم الجمعة :
فإن النبي عليه الصلاة والسلام :
قال عن يوم الجمعة :
(( أضل الله عنه اليهود والنصارى ، وهدانا الله له فالجمعة لنا والسبت لليهود والأحد للنصارى ))
فلوقوع الصيام في هذا الشهر الحار:
سمي برمضان
ولا مانع أن تصدق هذه الأوصاف كلها على هذا الشهر
فقوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ ))
ما مزاياه ؟
ما سماته ؟
((الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
فإذا كان هذا الشهر امتاز على غيره من بين سائر الشهور أن القرآن أنزل فيه
فما هو واجبنا تجاه هذا الكتاب العظيم في هذا الشهر العظيم ؟
ما واجبنا ؟
ما الذي يلزمنا ؟
ما الذي ينبغي لنا ؟
أن نحرص على تلاوة هذا الكتاب في هذا الشهر، وأن نتأمل أثناء قراءته وأن نتدبر
لماذا ؟
لأنه شهر القرآن
ولذا يذكر القرآن مع الصيام في أحاديث مما يدل على أن تلاوة كتاب الله جل وعلا مع الصوم له مزية لا تكون في وقت غير الصيام :
قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( الصيام والقرآن – انظروا كيف جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين هاتين العبادتين ))
ما هاتان العبادتان ؟
الصيام وتلاوة القرآن
قال :
(( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام : ربي منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن : ربي منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان ))
وهذا القرآن ينافح عنك
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:
في معجم الطبراني وحسنه الألباني رحمه الله قال :
(( إن القرآن ليلق صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول : أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرتُ ليلك فيعطى ويقال له : اقرأ وكلما قرأ آية ارتفع درجة في الجنة ))
سورة البقرة وآل عمران :
تأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان تحاجان عن صاحبهما
هذا القرآن كنز ودرة ثمينة بين أيدينا :
فواجب علينا :
أن نحرص عليه حتى نحوز الفضل والثواب العميم من الله جل وعلا ولاسيما في هذا الشهر
أيها الأحبة في الله :
نحن الآن في الليلة الثانية عشرة :
هل خُتمَ كتاب الله جل وعلا ؟
كلٌ يسأل نفسه
كان السلف- بل قبل ذلك في هذا الشهر- يجب أن تفرغ الأذهان من الأشغال ، ومن الصوارف ، وأن تقبل على الله جل وعلا
فهذا الشهر أيام
كان العلماء في السابق إذا دخل هذا الشهر رفعوا أيديهم عن الكتب لا يقرءون ولا يدرسون ولا يعلمون
وإنما قراءة لكتاب الله جل وعلا لأنه شهر القرآن بدليل قوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ))
كان البعض منهم يختم في اليوم مرة واحدة
بل ذُكر عن الشافعي رحمه الله:
أنه يختم في رمضان ستين ختمة :
ختمة بالليل ، وختمة بالنهار
النبي عليه الصلاة والسلام كان جبريل يدارسه القرآن
متى ؟
في رمضان وإذا دارسه :
ماذا قال ابن عباس ؟
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة
لماذا ؟
القرآن يؤثر في النفوس
نحن الآن نتلو كتاب الله جل وعلا ولكن التأثير قليل بل إن البعض إذا قرأ صفحة أو صفحتين ملت نفسه
وهذه مصيبة ومرض عضال ينبغي أن نتعافى منه ، وأن نبحث عن السبب
ولذا قال عثمان رضي الله عنه قال :
(( لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم ))
لو طهرت هذه القلوب من الذنوب ما شبعت من كلام ربكم
يقول شيخ الإسلام رحمة الله عليه عند قوله تعالى :
{لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }
الواقعة79
الذين هم الملائكة طهروا من الله جل وعلا
قال :
(( كلما كان المسلم طاهر القلب نظيف القلب من الذنوب كلما كان أفهم لكتاب الله جل وعلا ))
يقول بعض السلف :
كان يشق عليّ قيام الليل يقول :
(( كابدته عشرين سنة ثم تلذذت به عشرين سنة ))
إذاً :
هو لذة راحة
عثمان رضي الله عنه قائل هذه المقولة التي أسلفتها :
(( لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم )) مات والمصحف بين يديه
أعز بيت في الدنا بيت ربنا
وخير جليس في الزمان كتابه
ما لك أنيس إلا كتاب الله
لن تجد الراحة إلا معه :
((وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ))
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ ))
ولذا قال جل وعلا :
((الم{1} ذَلِكَ الْكِتَابُ )) :
أول سورة البقرة :
((ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2} ))
لن تجد الراحة إلا إذا تلوت كتاب الله جل وعلا بالتأمل بالتدبر
ولذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما :
يقول :
(( لأن أقرأ سورة أرتلها – يعني بتدبر – أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله ))
ابن مسعود يقول :
(( لا تهذوا هذا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ))
هكذا
ولذا فهم الصحابة رضي الله عنهم أن هذا القرآن منبع الخير وسعادة الإنسان
فيقول أبو عبد الرحمن السلمي :
(( حدثنا الذين كانوا يُقروءننا القرآن كابن مسعود وعثمان أنهم ما كانوا يتجاوزون عشر آيات حتى يحفظوها ويتعلموها ويعملوا بما فيها قال :
((فجمعوا بين العلم والعمل ))
إذا سدت عليك الأبواب إذا ضاقت عليك الحيل إذا نزلت بك الهموم إذا ادلهمت بك الكروب اقرأ كتاب الله جل وعلا تجد الراحة والسعادة والطمأنينة
شيخ الإسلام رحمة الله عليه:
لما سجن ظلما واعتداء وعدوانا لما سجن حبس في القلعة ثم منعت منه الكتب ومنعت منه الأقلام ومنعت منه الأوراق
كُفت يداه عن العلم فماذا صنع ؟
معه كنز في قلبه
ولذا ماذا كان يقول ؟
يقول :
(( أنا جنتي في قلبي ))
يقول :
(( مساكين هؤلاء حبسوني ولم يعرفوا الكنز والدرر التي أحملها ))
ولذا لما أودعوه في السجن وأغلقوا الباب قال : ((فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }الحديد13
يقول :
(( أنا جنتي في صدري ))
جنة ماذا ؟
التلذذ بكتاب الله
(( أينما رحلت فهي معي لا تفارقني ))
حافظ لكتاب الله جل وعلا :
(( إن حبسوني فخلوة ، وإن قتلوني فشهادة ، وإن أخرجوني من بلدي فسياحة ))
يقول :
(( والله لو نفوني )) ـــــــــ انظروا إلى حسن الظن بالله عز وجل
هذا رجل يتحدث ، وهو يثق بالله جل وعلا
يقول :
(( لو نفوني إلى قبرص )) ــــ وكانت في ذلك الوقت ليست بديار إسلام
قال :
(( لو نفوني إلى قبرص لدعوتهم ولأسلموا ))
ثقة بالله
ابن القيم يقول :
(( كنا نزوره في السجن ))
يقول :
(( نحن خارج السجن فإذا اشتدت بنا المخاوف وساءت منا الظنون آتيناه في السجن فما هو إلا ان يحدثنا ونحدثه حتى يذهب عنا ذلك كله ))
يفرج عنهم
هو في السجن يفترض أن يكون العكس :
حينما تأتي إلى سجين تنفس عنه ترفع عنه بعض همومه تسليه ببعض الكلمات
سبحان الله!
أما أن يكون العكس السجين هو الذي يخفف عن الزائر
هذا يدل على يدل ماذا ؟
يدل على عظم الإيمان الذي وصل إليه رحمة الله عليه
فمنعت منه الكتب ومنع أصحابه وطلابه أن يزوره وكان ممن سجن معه أخوه
يقول :
(( فجعل يتلو كتاب الله جل وعلا كلما ختمه عاد ))
وهذا دأبه
فصدرت منه كلمة
حبس من هؤلاء ظلما واعتداء وبغيا ولما منع أصبح هذا المنع الذي في ظاهره نقمة أصبح لديه نعمة لأنه تفرغ بقلبه وقالبه وكليته على هذا القرآن العظيم :
فيقول :
(( والله لو أعطيتُهم ملء هذه القلعة ذهبا على أن أوفي لهم هذه النعمة ما وفيت بحقهم ))
يقول :
هم أصبحوا سببا في حصول هذا النعيم القلبي لي
وليس هذا بعجب
ولذا يقول أخوه :
(( جعل يتلو كتاب الله جل وعلا فلفظ أنفاسه الأخيرة عند قوله تعالى :
((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ{54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ{55} ))
هذه إن شاء الله علامة ودلالة على حسن خاتمة هذا الرجل
إذاً هذه لذة
يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله يقول :
(( لو يعلم الملوك ))
الملوك ماذا لديهم من النعيم الحسي ؟
من نعيم الدنيا ؟
حدِّث ، وحدِّث ، وحدِّث
ربما لا تستطيع أن تصف النعيم الذي يتقلب فيه الملوك صباح مساء ولاسيما في هذا الزمن مع التقدم والرقي والتقنية والكماليات
يقول :
(( لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليها بالسيوف ))
لحاربونا عليها بالسيوف حتى يأخذوا منها ولو جزءا يسيرا من هذه النعمة
نعمة ماذا ؟
نعمة العبادة
نعمة تلاوة كتاب الله عز وجل
يقول بعض السلف :
" إنه ليمر بقلبي أحيانا ساعات أقول من اللذة والسعادة والأنس والطرب يقول :
(( يمر بقلبي ساعات أقول : إن كان أهل الجنة ماذا ترون وماذا تسمعون من كلام الله عز وجل عن نعيم أهل الجنة ؟
(( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ))
ويقول :
(( إنه ليمر بالقلب ساعات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم الآن إنهم لفي نعيم ))
يقول :
إن كان هذا النعيم الذي أشعر به هو في الجنة والله إنهم لفي نعيم
هل نشعر بهذا النعيم ؟
يقول بعض السلف :
(( مساكين أهل الغفلة ))
ربما توافرت له أسباب الراحة والسعادة والحياة من ملذاتها من مطالبها من شهواتها ومع ذلك –
سبحان الله ! – لا تزيده هذه الملذات والشهوات إذا كان منصرفا عن الله لا تزيده إلا ضيقا وحرجا :
((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ))
ما هو ذكره جل وعلا ؟
هذا القرآن
((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ))
((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ{13} وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ{14} ))
يقول ابن القيم :
(( لا تظن ان النعيم الذي هو للأبرار والجحيم الذي هو للفجار إنما هو محصور في الآخرة لا بل في الدور الثلاث ))
الأبرار في نعيم :
في دنياهم
وفي قبورهم
وفي أخراهم
الفجار في جحيم :
في دنياهم
وفي قبورهم
وفي أخراهم
فنحن بحاجة ماسة أكيدة إلى أن نرجع إلى كتاب الله
وخذ من الفوائد والثمرات إذا أقبلت على هذا الكتاب
والله ما سعدت الأجيال الماضية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا انتصرت ولا ارتفعت لها راية ولا علت لها كلمة إلا بهذا القرآن
والله لو عاد المسلمون إلى كتاب الله لصلحت أحوالهم في جميع الأشياء
والله لو كان هذا القرآن يتلى في بيوت المسلمين ويعمل به في بيوت المسلمين لما وجدت البيوت هما ولا حزنا ولا مرضا
نعم
نور
هدى
لكن من يقبل عليه ؟
بل كلما تلوته تؤيد :
(( ما اجتمع قوم – كما عند مسلم – ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ــ
هذا هو موضع الشاهد : يتلون ماذا ؟
- يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ))
أسيد بن حضير :
لما كان يقرأ سورة الكهف في الليل – لكن قراءة بتأمل بتدبر – وكان لديه فرس وعنده ابن صغير رضيع يدعى بيحيى ، فلما تلا سورة الكهف إذا به يسمع لهذا الفرس صهيلا فخشي أن تطأ هذا الطفل الرضيع ، فإذا سكت عن القراءة سكنت الفرس ، يعود إلى القراءة تعود الفرس إلى الصهيل ثلاث مرات
فقام خيفة على هذا الرضيع أن تطأه الفرس
فيقول :
قمت فلما قمت رأيت مثل الظلة في السماء
نور
فلما أصبحت غدوت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرته فقال :
اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير
يعني : لماذا لم تستمر في القراءة ؟
قال : يا رسول الله إني خفت على يحيى أن تطأه
قال عليه الصلاة والسلام : تلك الملائكة دنت لصوتك ولو ظللت تقرأ لانكشفت للناس لا تتوارى عنهم
إذاً الملائكة
ولذا :
جاء في حديث أن المسلم كلما قرأ كلما دنا منه الملك إلى فمه ، وكلما قرأ آية وقعت في فم الملك
(( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول : الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ))
الحمد :
أول كلمة في سورة الفاتحة
الحمد لك بها خمسون حسنة
فضل وكرم من الله
فلماذا تنصرف القلوب
ولماذا لا تلتهج الألسن بقراءة هذا الكتاب ؟
والله إنها لفرصة لنا في هذا الشهر لأن المسلم في هذا الشهر يعان فيه ما لا يعان في غيره
فعلى الاقل أن يختم كتاب الله لو مرة واحدة :
هذا أقل أقل أقل أقل القليل
وإلا يفترض فرضا ليس بملزم وإنما على سبيل الندب ان يختم في كل ثلاث ليال
كما كان العلماء والصحابة رضي الله عنهم يحرصون عليه
الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختمون القرآن في كل أسبوع مرة
فقوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
يدل على ماذا ؟
يدل على فضل تلاوة كتاب الله عز وجل في هذا الشهر
قوله :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
إعداد / فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري
25/04/2016
إرجع فصل فإنك لم تصل :
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن الصلاة هي عماد الدين، وهي صلة بين العبد وربه الكريم، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وفيها من الفضائل والأجور العظيمة التي تحفز المسلم على إدراك أهميتها، وللتحصل على هذه الخيرات فلابد للمسلم من الوفاء بكيفية أداء الصلاة كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، والإخلال بهذه الكيفية أمر يتغافل البعض عن إدراك عواقبه؛ فيهدر أجر الصلاة ولا يحقق شروط صحتها؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ، وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (البخاري ومسلم واللفظ للبخاري) .
ومعرفة كيفية الوضوء شرط من شروط الصلاة؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]، وعن أبي هُرَيرَةَ رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لا تُقبَلُ صلاةُ مَن أَحدَثَ حتَّى يَتوضَّأَ» (مسلم)
وفي صحة الوضوء أجر لا ينبغي فواته؛ فعن عثمانَ بن عفَّان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «مَن توضَّأ فأحسن الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جسده، حتَّى تخرُجَ من تحت أظفاره» (مسلم)، وبعض المسلمين يجهل أركان الوضوء فلا يوفيها حقها ويكون ذلك سببا في بطلان صلاته وضياع الثواب.
معرفة كيفية الصلاة والوضوء كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أمور في غاية الأهمية، ويجب على كل مسلم أن يساهم بدور فعال في تعليم المسلمين هذه الأمور، والبدء بالأهل والمعارف ونشر المواد الشرعية التي تبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء والصلاة، وذلك حتى تستقيم الحياة، وحتى يحافظ المسلم على زاده من الأجر يوم القيامة.
إن الصلاة هي عماد الدين، وهي صلة بين العبد وربه الكريم، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وفيها من الفضائل والأجور العظيمة التي تحفز المسلم على إدراك أهميتها، وللتحصل على هذه الخيرات فلابد للمسلم من الوفاء بكيفية أداء الصلاة كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، والإخلال بهذه الكيفية أمر يتغافل البعض عن إدراك عواقبه؛ فيهدر أجر الصلاة ولا يحقق شروط صحتها؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ، وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (البخاري ومسلم واللفظ للبخاري) .
ومعرفة كيفية الوضوء شرط من شروط الصلاة؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]، وعن أبي هُرَيرَةَ رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لا تُقبَلُ صلاةُ مَن أَحدَثَ حتَّى يَتوضَّأَ» (مسلم)
وفي صحة الوضوء أجر لا ينبغي فواته؛ فعن عثمانَ بن عفَّان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «مَن توضَّأ فأحسن الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جسده، حتَّى تخرُجَ من تحت أظفاره» (مسلم)، وبعض المسلمين يجهل أركان الوضوء فلا يوفيها حقها ويكون ذلك سببا في بطلان صلاته وضياع الثواب.
معرفة كيفية الصلاة والوضوء كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أمور في غاية الأهمية، ويجب على كل مسلم أن يساهم بدور فعال في تعليم المسلمين هذه الأمور، والبدء بالأهل والمعارف ونشر المواد الشرعية التي تبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء والصلاة، وذلك حتى تستقيم الحياة، وحتى يحافظ المسلم على زاده من الأجر يوم القيامة.
18/04/2016
06/10/2015
01/09/2015
سؤال وجواب مهم
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكرمني الله بعائلةٍ مُحِبَّة للخير، تنسى الإساءة، وتُكرم الضيف، وتُحسن إلى اليتيم وتَصِل الرَّحِم، لكن للأسف كلُّ هذا يقابَل بالإساءة من الآخرين، ولا نجد مَن، يعترف بالجميل، بل قد يصل الأمر إلى الظلم والعنف والإساءة للسمعة والتجريح!
هذه المشكلةُ تُعاني منها عائلتي كلها - بكل أسف - وهنا السؤال:
هل نحن مخطئون بكثرة الإحسان لغيرنا؟ أو أن ما يحدث لنا قد يكون بسبب ذنوبنا؟ وماذا عسانا أن نفعلَ؟
أكرمني الله بعائلةٍ مُحِبَّة للخير، تنسى الإساءة، وتُكرم الضيف، وتُحسن إلى اليتيم وتَصِل الرَّحِم، لكن للأسف كلُّ هذا يقابَل بالإساءة من الآخرين، ولا نجد مَن، يعترف بالجميل، بل قد يصل الأمر إلى الظلم والعنف والإساءة للسمعة والتجريح!
هذه المشكلةُ تُعاني منها عائلتي كلها - بكل أسف - وهنا السؤال:
هل نحن مخطئون بكثرة الإحسان لغيرنا؟ أو أن ما يحدث لنا قد يكون بسبب ذنوبنا؟ وماذا عسانا أن نفعلَ؟
الإجابة:الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ، وعَلَى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:
عظيمٌ أن يُرْجِعَ المسلم ما يَمُرُّ به من ابتلاءاتٍ إلى ذنوبه؛ فيدفعه هذا إلى التوبة العامة والخاصة؛ أعني: التوبة منالذنوب عامة، ومما اقترف مِن سيئة معينةٍ.
أما شكْواك مِن نكران الناس للمعروف، وجميل الصفات؛ فهذا كثيرٌ في الخلْق، إلا ما ندر، وهو اختبارٌ وامتحان للعبد فيما أنعم الله عليه مِن نِعَمٍ، وهذه حكمةُ الله في خلْقِه؛ خَلَقَ ليبتلِيَ ويمتحنَ ويختبرَ، فيظهر في العيان وواقع الناس ما كان مكنونًا داخل النفس، ومِن ثَم يترتب عليه آثارُه المقَدَّرة في كيان الوجود، وفق ما يظهر مِن نتائج ابتلائه.
فالحياةُ كلها - أيتها الفاضلة - ابتلاءٌ وامتحانٌ؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فالاختبارُ محكُّ الإيمانِ، ويتبين به الصادقُ مِن الكاذب، والمؤمنُ مِن المنافق، والطيبُ مِن الخبيث، فمَن صبر نجا مِن فتنة أعظم منها، ومَن لم يَصْبِرْ عليها وقَع في فتنة أشد منها.
فالفتنةُ في كل شيءٍ لا بد منها في الدنيا؛ ليعلمَ الصادق مِن الكاذب، لا سيما إن كان في الأعمال المتعدِّية للغير؛ كالصدقة، ليظهر هل يفعله لله فيصبر ويحتسب ويستمر؟ أو فعَلَهُ لغير الله؛ كحبّ الصيت، فيتحسر ويترك العمل.
فالعلاجُ الناجعُ لشكواكِ - أيتها الابنة الكريمة - هو إخلاص العمل لله، ومراقبته، واحتساب الأجر عنده سبحانه، وتحمُّل الأذى فيه، وهذا يتطلَّب استعانةً عظيمةً بالله.
واعلمي - أيتها الفاضلة - أنَّ الله تعالى امتحن عبادَهُ بعضهم ببعض؛ كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20].
وهذا عامٌّ في جميع الخلْقِ، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسلَ بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم، وتحمُّل المشاقّ في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم؟ أو يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم؟
وامتحن العلماء بالجهال؛ هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة.
وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجلَ بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين، وامتحن الآمرين بالمعروف بمَن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم؛ ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم مِن أتباع الرسل فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: {لَوْ كانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ} [الأحقاف: 11] وقالوا لنوح - عليه السلام -: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53].
فإذا رأى الشريفُ الرئيسَ المسكينَ الذليلَ قد سبَقه إلى الإيمان ومُتابَعة الرسول، حمي وأنف أن يُسلمَ، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حدٍّ سواء؟
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20]: قال الزجاج: "أي أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون".
قرن الله سبحانه الفتنةَ بالصبر ها هنا، وفي قوله: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} [النحل: 110]، فليس لمن قد فُتِنَ بفتنة دواءٌ مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة مُمَحِّصة له، ومخلِّصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة؛ قاله ابن القيِّم في إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 160-162)
فالنفسُ الإنسانيةُ مليئةٌ بالانحرافات والالتواءات، والرغائبِ وأهواءِ القلوبِ، مِن الحرص والشُّحّ وحبِّ الخير للذات، وألوان غيرها كثير مِن ذوات الصدور، والدينُ الإسلامي عالَج هذا كله لتحقيق منهج الله في الأرض في صورة عمليةٍ واقعةٍ.
والشعراءُ والأدباءُ والمصلحون أشاروا لشيءٍ مِن تلك الالتواءات النفسية، ومِن أروع ما قيل قولُ أبي الطيب المتنبِّي:
فاثْبُتي على فِعْلِ الخير أنت وأسرتك، وأدِّي الذي عليك في مُواجهة التواءات النفس البشرية وجهْلِها، واعتزازها بما ألِفَتْ واستكبارها، واصبروا على التكاليف الإسلامية وعلى أذى الناس؛ حتى يحكمَ الله في الوقت المقدَّر كما يريد، واجعلي دائمًا نصب عينك هذه الآية الفاذة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
وفقنا الله وجميع المسلمين للعمل بالكتاب والسنة.
عظيمٌ أن يُرْجِعَ المسلم ما يَمُرُّ به من ابتلاءاتٍ إلى ذنوبه؛ فيدفعه هذا إلى التوبة العامة والخاصة؛ أعني: التوبة منالذنوب عامة، ومما اقترف مِن سيئة معينةٍ.
أما شكْواك مِن نكران الناس للمعروف، وجميل الصفات؛ فهذا كثيرٌ في الخلْق، إلا ما ندر، وهو اختبارٌ وامتحان للعبد فيما أنعم الله عليه مِن نِعَمٍ، وهذه حكمةُ الله في خلْقِه؛ خَلَقَ ليبتلِيَ ويمتحنَ ويختبرَ، فيظهر في العيان وواقع الناس ما كان مكنونًا داخل النفس، ومِن ثَم يترتب عليه آثارُه المقَدَّرة في كيان الوجود، وفق ما يظهر مِن نتائج ابتلائه.
فالحياةُ كلها - أيتها الفاضلة - ابتلاءٌ وامتحانٌ؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فالاختبارُ محكُّ الإيمانِ، ويتبين به الصادقُ مِن الكاذب، والمؤمنُ مِن المنافق، والطيبُ مِن الخبيث، فمَن صبر نجا مِن فتنة أعظم منها، ومَن لم يَصْبِرْ عليها وقَع في فتنة أشد منها.
فالفتنةُ في كل شيءٍ لا بد منها في الدنيا؛ ليعلمَ الصادق مِن الكاذب، لا سيما إن كان في الأعمال المتعدِّية للغير؛ كالصدقة، ليظهر هل يفعله لله فيصبر ويحتسب ويستمر؟ أو فعَلَهُ لغير الله؛ كحبّ الصيت، فيتحسر ويترك العمل.
فالعلاجُ الناجعُ لشكواكِ - أيتها الابنة الكريمة - هو إخلاص العمل لله، ومراقبته، واحتساب الأجر عنده سبحانه، وتحمُّل الأذى فيه، وهذا يتطلَّب استعانةً عظيمةً بالله.
واعلمي - أيتها الفاضلة - أنَّ الله تعالى امتحن عبادَهُ بعضهم ببعض؛ كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20].
وهذا عامٌّ في جميع الخلْقِ، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسلَ بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم، وتحمُّل المشاقّ في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم؟ أو يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم؟
وامتحن العلماء بالجهال؛ هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة.
وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجلَ بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين، وامتحن الآمرين بالمعروف بمَن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم؛ ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم مِن أتباع الرسل فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: {لَوْ كانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ} [الأحقاف: 11] وقالوا لنوح - عليه السلام -: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53].
فإذا رأى الشريفُ الرئيسَ المسكينَ الذليلَ قد سبَقه إلى الإيمان ومُتابَعة الرسول، حمي وأنف أن يُسلمَ، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حدٍّ سواء؟
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20]: قال الزجاج: "أي أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون".
قرن الله سبحانه الفتنةَ بالصبر ها هنا، وفي قوله: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} [النحل: 110]، فليس لمن قد فُتِنَ بفتنة دواءٌ مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة مُمَحِّصة له، ومخلِّصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة؛ قاله ابن القيِّم في إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 160-162)
فالنفسُ الإنسانيةُ مليئةٌ بالانحرافات والالتواءات، والرغائبِ وأهواءِ القلوبِ، مِن الحرص والشُّحّ وحبِّ الخير للذات، وألوان غيرها كثير مِن ذوات الصدور، والدينُ الإسلامي عالَج هذا كله لتحقيق منهج الله في الأرض في صورة عمليةٍ واقعةٍ.
والشعراءُ والأدباءُ والمصلحون أشاروا لشيءٍ مِن تلك الالتواءات النفسية، ومِن أروع ما قيل قولُ أبي الطيب المتنبِّي:
وَمَا قَتَلَ الأَحْرَارَ كَالعَفْوِ عَنْهُمُ ومَنْ لَكَ بِالحُرِّ الَّذِي يَحْفَظُ اليَدَا
إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا
إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا
فاثْبُتي على فِعْلِ الخير أنت وأسرتك، وأدِّي الذي عليك في مُواجهة التواءات النفس البشرية وجهْلِها، واعتزازها بما ألِفَتْ واستكبارها، واصبروا على التكاليف الإسلامية وعلى أذى الناس؛ حتى يحكمَ الله في الوقت المقدَّر كما يريد، واجعلي دائمًا نصب عينك هذه الآية الفاذة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
وفقنا الله وجميع المسلمين للعمل بالكتاب والسنة.
28/05/2015
مرويات آل البيت في مصادر أهل السنة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله سلم وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يشكل على البعض القول بأن كتب أهل السنة مليئة بالأحاديث التي يرويها الصحابة، بينما لا نجدها تحوي من الأحاديث التي يرويها علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم) الذين تربوا في أحضان النبي (صلى الله عليه وسلم) ورأوه أكثر مما رآه غيرهم إلا القليل؟ فهل السبب هو عدم وجود طريق صحيح إليهم؟ أم ماذا؟... إلى آخر هذه الشبهات.
والردّ على هذه الشبهة أن مقياس كثرة الروايات لا علاقة لها بالقُرب من النبي (صلى الله عليه وآله سلم) أو البُعد عنه، ولا تقدّم الإسلام أو تأخّره؛ وإنما المقياس التفرّغ لهذا الشأن، والتحديث بما سُمِع. فأحاديث أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) مثلاً قليلة، وذلك لاشتغاله بأعباء الخلافة، وبحروب الردّة. وكذلك الفاروق عمر (رضي الله عنه). وهذا خالد بن الوليد قليل الحديث جداً، وذلك لاشتغاله بالجهاد والمرابَطة. وكذا الكثير من الصحابة (رضي الله عنهم).
ومن جانب آخر، فالحسن (رضي الله عنه) وُلِد في السنة الثالثة للهجرة، والحسين (رضي الله عنه) ولد بعده بسنة؛ فعلى هذا تكون أعمارهم قُرابة السبع والست سنوات عند موت النبي (صلى الله عليه وآله سلم)؛ وهما يُعدّان من صغار الصحابة. وأما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) فإن مروياته عند أهل السنة أكثر من مروياته عند غيرهم، وهو أكثر الخلفاء الراشدين رواية، وذلك لتأخّر وفاته وكثرة الرواة عنه.
أما المكثرين من الصحابة كعائشة، وأبي هريرة، والعبادلة، وغيرهم: فقد جاء عن أبي هريرة (رضي الله عنه) ذكر بعض أسباب ذلك بقوله: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة! ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً، ثم يَتلو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} إلى قوله {وَأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ}. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بِشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. متفق عليه.
إلى غير ذلك من الأسباب التي تجعل الراوي أكثر أو أقل من غيره في الرواية.
ثم أعلم أن آل البيت ليسوا محصورين بأصحاب الكساء وذريتهم (رضي الله عنهم) فحسب، بل هم أعم من هذا الحصر، كما هو مبين في مظانه. فهذا ابن عباس حبر الأمة وتُرجمان القرآن (رضي الله عنهما) مثلاً، وهو من سادات أهل البيت، مروياته في كتب أهل السنة تبلغ الآلاف.
وهناك بحث جميل يبين كثرة روايات آل البيت (رحمهم الله) في كتب أهل السنة يحمل عنوان "الرد الجلي على شبهة عدم رواية أهل السنة عن آل علي" جمع فيه مصنفه عشرات الآلاف من الروايات عن آل علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) من مصادر أهل السنة، فليراجعه من أراد.
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
للمرزيد للرد على شبهات الشيعة : http://alburhan.com/main/articles.aspx?article_no=5884#.VWbQY3Iaa_c
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله سلم وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يشكل على البعض القول بأن كتب أهل السنة مليئة بالأحاديث التي يرويها الصحابة، بينما لا نجدها تحوي من الأحاديث التي يرويها علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم) الذين تربوا في أحضان النبي (صلى الله عليه وسلم) ورأوه أكثر مما رآه غيرهم إلا القليل؟ فهل السبب هو عدم وجود طريق صحيح إليهم؟ أم ماذا؟... إلى آخر هذه الشبهات.
والردّ على هذه الشبهة أن مقياس كثرة الروايات لا علاقة لها بالقُرب من النبي (صلى الله عليه وآله سلم) أو البُعد عنه، ولا تقدّم الإسلام أو تأخّره؛ وإنما المقياس التفرّغ لهذا الشأن، والتحديث بما سُمِع. فأحاديث أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) مثلاً قليلة، وذلك لاشتغاله بأعباء الخلافة، وبحروب الردّة. وكذلك الفاروق عمر (رضي الله عنه). وهذا خالد بن الوليد قليل الحديث جداً، وذلك لاشتغاله بالجهاد والمرابَطة. وكذا الكثير من الصحابة (رضي الله عنهم).
ومن جانب آخر، فالحسن (رضي الله عنه) وُلِد في السنة الثالثة للهجرة، والحسين (رضي الله عنه) ولد بعده بسنة؛ فعلى هذا تكون أعمارهم قُرابة السبع والست سنوات عند موت النبي (صلى الله عليه وآله سلم)؛ وهما يُعدّان من صغار الصحابة. وأما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) فإن مروياته عند أهل السنة أكثر من مروياته عند غيرهم، وهو أكثر الخلفاء الراشدين رواية، وذلك لتأخّر وفاته وكثرة الرواة عنه.
أما المكثرين من الصحابة كعائشة، وأبي هريرة، والعبادلة، وغيرهم: فقد جاء عن أبي هريرة (رضي الله عنه) ذكر بعض أسباب ذلك بقوله: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة! ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً، ثم يَتلو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} إلى قوله {وَأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ}. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بِشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. متفق عليه.
إلى غير ذلك من الأسباب التي تجعل الراوي أكثر أو أقل من غيره في الرواية.
ثم أعلم أن آل البيت ليسوا محصورين بأصحاب الكساء وذريتهم (رضي الله عنهم) فحسب، بل هم أعم من هذا الحصر، كما هو مبين في مظانه. فهذا ابن عباس حبر الأمة وتُرجمان القرآن (رضي الله عنهما) مثلاً، وهو من سادات أهل البيت، مروياته في كتب أهل السنة تبلغ الآلاف.
وهناك بحث جميل يبين كثرة روايات آل البيت (رحمهم الله) في كتب أهل السنة يحمل عنوان "الرد الجلي على شبهة عدم رواية أهل السنة عن آل علي" جمع فيه مصنفه عشرات الآلاف من الروايات عن آل علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) من مصادر أهل السنة، فليراجعه من أراد.
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
للمرزيد للرد على شبهات الشيعة : http://alburhan.com/main/articles.aspx?article_no=5884#.VWbQY3Iaa_c
16/04/2015
29/01/2015
هداية إلهام لأمة خير الانام
الخطبة الأولى:
أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابتَغُوا إِلَيهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ} [المائدة:35].
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: رَوَى مُسلِمٌ وَغَيرُهُ عَن عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قُلِ اللَّهُمَّ اهدِني وَسَدِّدْني، وَاذكُرْ بَالهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَبِالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهمِ».
الهِدَايَةُ وَالسَّدَادُ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ضَرُورَةٌ يَحتَاجُ إِلَيهَا كُلُّ مَن في الأَرضِ، الرَّجُلُ وَالمَرأَةُ، وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ، وَالطَّائِعُ وَالعَاصِي، وَالمُؤمِنُ وَالكَافِرُ، جَمِيعُهُم يَحتَاجُونَ إِلى الهِدَايَةِ وَالسَّدَادِ، وَكُلُّهُم في ضَرُورَةٍ إِلى أَن يَستَهدُوا رَبَّهُم وَيَطلُبُوا مِنهُ التَّوفِيقَ وَالرَّشَادَ. وَحِينَ يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَد بَلَغَ الغَايَةَ في الهِدَايَةِ، أَو لَبِسَ ثَوبَ الكَمَالِ في السَّدَادِ، فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَن يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ قَد أُوجِبَ عَلَيهِ أَن يَقرَأَ في كُلِّ يَومٍ أَكثَرَ مِن سَبعَ عَشرَةَ مَرَّةً قَولَ اللهِ جل وعلا: {اِهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة:5]، وَلْيَتَذَكَّرْ قَولَ المَولى تعالى في الحَدِيثِ القُدسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُم ضَالٌّ إِلاَّ مَن هَدَيتُهُ، فَاستَهدُوني أَهدِكُم».
وَلْيَتَذَكَّرِ المُسلِمُ أَيضًا أَنَّ أَهدَى النَّاسِ عليه الصلاة والسلام كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ افتَتَحَ صَلاتَهُ بِقَولِهِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهدِنِي لما اختُلِفَ فِيهِ مِن الحَقِّ بِإِذنِكَ إِنَّكَ تَهدِي مَن تَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ» (رَوَاهُ مُسلِمٌ). وَعِندَ النَّسَائيِّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ عن جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا استَفتَحَ الصَّلاةَ كبَّرَ ثمَّ قالَ: «إنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيَايَ وَمَمَاتي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا مِنَ المُسلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهدِني لأَحسَنِ الأَعمَالِ وَأَحسَنِ الأَخلاقِ لا يَهدِي لأَحسَنِهَا إِلاَّ أَنتَ، وَقِني سَيِّئَ الأَعمَالِ وَسَيِّئَ الأَخلاقِ لا يَقِي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنتَ»، وَعَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما قَالَ: "عَلَّمَني رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الوِترِ: «اللَّهُمَّ اهدِني فِيمَن هَدَيتَ، وَعَافِني فِيمَن عَافَيتَ...»" (الحَدِيثَ رَوَاهُ أَهلُ السُّنَنِ وَغَيرُهُم وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).
نَعَم أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ العِبَادَ بِحَاجَةٍ إِلى رَبِّهِم في كُلِّ لَحظَةٍ مِن لَحَظَاتِ حَيَاتِهِم، وَلا غِنى لهم عَنهُ طَرفَةَ عَينٍ أَو لَمحَ بَصَرٍ، وَتَزدَادُ هَذِهِ الحَاجَةُ وَتَتَأَكَّدُ، وَنَحنُ اليَومَ في عَالمٍ اضطَرَبَت فِيهِ الأَفكَارُ وَتَاهَتِ العُقُولُ، وَحَارَتِ الأَفهَامُ وَزَلَّتِ الأَقدَامُ، وَتَكَلَّمُ الرُّوَيبِضَةُ وَنَطَقَ السُّفَهَاءُ، وَتَولىَّ الأَصَاغِرُ وَتَعَالَمَ الجُهَلاءُ، وَاجتَرَأَ فِيهِ كُلُّ مَن هَبَّ وَدَبَّ عَلَى شَرعِ اللهِ، وَتُكُلِّمَ فِيهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَلا حُجَّةٍ، وَشُرِّقَ وَغُرِّبَ بِلا دَلِيلٍ وَلا بُرهَانٍ، حَتى تَزَعزَعَت بَعضُ الثَّوَابِتِ في قُلُوبِ أُنَاسٍ وَكَادُوا يَضِلُّونَ، بَل ضَلَّ مَن ضَلَّ وَانتَكَسَ مَنِ انتَكَسَ، وَهَذَا هُوَ عَينُ مَا ذَكَرَهُ الحَبِيبُ عليه الصلاة والسلام وَخَافَهُ عَلَى أُمَّتِهِ حَيثُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تعالى لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَمَاءِ، حَتى إِذَا لم يُبقِ عَالمًا اتَّخذَّ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتي الأَئِمَّةُ المُضِلُّونَ» (رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ). وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الهِدَايَةَ الَّتِي نَحتَاجُ إِلَيهَا، وَحَرِيٌّ بِنَا أَن نُلِحَّ عَلَى اللهِ في سُؤَالِهَا وَطَلَبِهَا، لَيسَت هِدَايَةَ العِلمِ فَحَسبُ، فَهَذِهِ لم تَزَلْ وَللهِ الحَمدُ مَوجُودَةً وَإِن عَلاها مَا عَلاهَا مِن غَبَشٍ بِسَبَبِ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ وَالمُتَعَالِمِينَ المُتَفَاصِحِينَ، وَلَكِنَّ الهِدَايَةَ الأَهَمَّ وَالأَجَلَّ وَالأَعظَمَ، وَالَّتي هِيَ مَحضُ عَطَاءٍ مِنَ اللهِ لِمَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ، حَيثُ لا يَملِكُهَا إِلاَّ هُو عز وجل، هِيَ هِدَايَةُ التَّوفِيقِ وَالإِلهَامِ، وَالإِيصَالِ إِلى الخَيرِ وَالتَّثبِيتِ عَلَيهِ، قَالَ سبحانه: {لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ} [البقرة:272]، وَقَالَ تعالى: {إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ} [القصص:56]، وَقَالَ جل وعلا: {مَن يَهدِ اللهُ فَهُوَ المُهتَدِ وَمَن يُضلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا} [الكهف:17]، وَقَالَ سبحانه: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَحْ صَدرَهُ لِلإِسلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجعَلْ صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام:125].
فَالقُلُوبُ بِيَدِ اللهِ سبحانه يُدخِلُ الإِيمَانَ بِرَحمَتِهِ في أَيٍّ مِنهَا شَاءَ، وَيَمنَعُهُ بِعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ مَن شَاءَ، وَيُيَسِّرُ الهِدَايَةَ لِمَن شَاءَ، وَيَخذُلُ مَن شَاءَ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم ٍلِلعَبِيدِ، وَمَن أَرَادَ أَن يَعرِفَ قَدرَ هَذِهِ الهِدَايَةِ وَعَظِيمِ امتِنَانِ اللهِ بها عَلَى مَن يَشَاءُ، فَلْيَنظُرْ إِلى أُولَئِكَ الَّذِينَ وَصَلَت بهم عُقُولُهُم إِلى غَزوِ الفَضَاءِ، وَصَنَعُوا مَا يُمَكِّنُهُم مِنَ العَيشِ تَحتَ المَاءَ، وَاهتَدُوا بِتَفكِيرِهِم إِلى صِنَاعَةِ أَعتَى القَنَابِلِ وَأَدَقِّ الأَجهِزَةِ، ثم هُم مَعَ هَذا لم يُهدَوا لِيَحنُوا ظُهُورَهُم لِرَبِّهِم رُكَّعًا، وَلم يُوَفَّقُوا لِتَعفِيرِ جِبَاهِهِم بَينَ يَدَي مَولاهُم سُجَّدًّا، وَبَقُوا مُنغَمِسِينَ في أَوحَالِ الضَّلالِ، مُظلِمَةً بِهِ أَروَاحُهُم وَقَلُوبُهُم، طَويلاً مِنهُ شَقَاؤُهُم وَعَنَاؤُهُم، قَد رَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنيَا وَاطمَأَنُّوا بها، وَغَفَلُوا عَن آيَاتِ اللهِ الشَّرعِيَّةِ وَالكَونِيَّةِ، لا يَرجُونَ في الآخِرَةِ فَوزًا وَلا فَلاحًا، وَلا يَنتَظِرُونَ نَجَاةً وَلا سَعَادَةً.
وَهَكَذَا إِخوَةَ الإِيمَانِ فَإِنَّ مَن لم يَهدِهِ اللهُ لِطَرِيقِ الحَقِّ وَيُوَفِّقْهُ لِسُلُوكِهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ نَادَاهُ صَوتُ الفِطرَةِ مِن دَاخِلِهِ، أَو بَدَت أَمَامَهُ الحِجَجُ الدَّامِغَاتُ وَالآيَاتُ البَيِّنَاتُ، إِلاَّ أَنَّهُ لا يُؤمِنُ وَلا يَعرِفُ طَرِيقَ الحَقِّ، وَمِن أَكبَرِ أَسبَابِ ذَلِكَ وَالعِلمُ عِندَ اللهِ الكِبرُ وَالطُّغيَانُ وَالاعتِدَادُ بِالنَّفسِ وَالعِنَادُ، وَشِدَّةُ الغَفلَةِ وَعَدَمُ الخُضُوعِ لِلحَقِّ وَإِن ظَهَرَ، قَالَ سبحانه: {سَأَصرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤمِنُوا بها وَإِن يَرَوا سَبِيلَ الرُّشدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُم كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146]، وَقَالَ سبحانه: {وَنُقَلِّبُ أَفئِدَتَهُم وَأَبصَارَهُم كَمَا لم يُؤمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُم في طُغيَانِهِم يَعمَهُونَ} [الأنعام:110]، وَقَالَ جل وعلا: {وَإِذَا مَا أُنزِلَت سُورَةٌ فَمِنهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُم زَادَتهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتهُم إِيمَانًا وَهُم يَستَبشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتهُم رِجسًا إِلى رِجسِهِم وَمَاتُوا وَهُم كَافِرُونَ} [التوبة:124-125]، وَقَالَ عز وجل: {نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم} [الحشر:19]، وَقَالَ تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُم وَاللهُ لَا يَهدِي القَومَ الفَاسِقِينَ} [الصف:5].
أَلا فَمَا أَحرَى المُسلِمَ أَن يَنطَرِحَ بَينَ يَدَي رَبِّهِ وَيُقبِلَ عَلَيهِ مُخلِصًا مِن قَلبِهِ، وَيَسأَلَهُ سُؤَالَ الخَائِفِ الذَّلِيلِ الخَاضِعِ المُستَكِينِ، أَن يَهدِيَهُ وَيُعِينَهُ وَيُرشِدَهُ وَيُسَدِّدَهُ، وَيُثَبِّتَهُ عَلَى الهُدَى حَتى يَلقَاهُ، وَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَرِيٌّ بِأَن يَزِيدَهُ اللهُ مِن فَضلِهِ، كَمَا قَالَ سبحانه: {وَالَّذِينَ اهتَدَوا زَادَهُم هُدًى وَآتَاهُم تَقوَاهُم} [محمد:17]، وَقَد وَجَّهَ بِذَلِكَ نَبِيُّنَا عليه الصلاة والسلام مَن يُحِبُّهُ وَأَمَرَهُ بِهِ، فَعَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ يَومًا ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِني لأُحِبُّكَ»، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: "بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا وَاللهِ أُحِبُّكَ"، قَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ أَن تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَغَيرُهُمَا وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).
قَالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيِّمِيَّةَ رحمه الله: "إِذَا أُلهِمَ العَبدُ أَن يَسأَلَ اللهَ الهِدَايَةَ وَيَستَعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ أَعَانَهُ وَهَدَاهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ سَعَادَتِهِ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَإِذَا خُذِلَ العَبدُ فَلَم يَعبُدِ اللهَ وَلم يَستَعِنْ بِهِ وَلم يَتَوَكَّلْ عَلَيهِ، وُكِلَ إِلى حَولِهِ وَقُوَّتِهِ، فَيُوَلِّيهِ الشَّيطَانَ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَشَقِيَ في الدُّنيَا وَالآخِرَة". وَقَالَ رحمه الله: "وَلِهَذَا كَانَ أَنفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعظَمُهُ وَأَحكَمُهُ دُعَاءَ الفَاتِحَةِ {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:5-7]، فَإِنَّهُ إِذَا هَدَاهُ هَذَا الصِّرَاطَ أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَركِ مَعصِيَتِهِ، فَلَم يُصِبْهُ شَرٌّ لا في الدُّنيا وَلا في الآخِرَةِ... اللَّهُمَّ اهدِنَا وَيَسِّرِ الهُدَى لَنَا، وَأَلهِمْنَا رُشدَنَا وَقِنَا شَرَّ أَنفُسِنَا.
الخطبة الثانية:
أَمَّا بَعدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَاحمَدُوهُ عَلَى مَا هَدَاكُم، وَإِيَّاكُم وَالنُّكُوصَ عَلَى الأَعقَابِ إِيَّاكُم ثُمَّ إِيَّاكُم، فَإِنَّ مِنَ الظُّلمِ البَيِّنِ وَالخُسرَانِ الفَادِحِ، أَن يَهدِيَ اللهُ عَبدًا لِلإِيمَانِ وَيُذِيقَهُ حَلاوَتَهُ، ثم يَكفُرَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِ، وَيَغتَرَّ بِكَثرَةِ المُتَسَاقِطِينَ مِن حَولِهِ، فَيَختَارَ لِنَفسِهِ طَرِيقَ الشَّقَاءِ بَعدَ السَّعَادَةِ، وَيُفَرِّطَ فِيمَا حَصَّلَ وَيَخسَرَ ما اكتَسَبَ، قَالَ سبحانه: {كَيفَ يَهدِي اللهُ قَومًا كَفَرُوا بَعدَ إِيمَانِهِم وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهدِي القَومَ الظَّالمِينَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم أَنَّ عَلَيهِم لَعنَةَ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ . خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ وَلا هُم يُنظَرُونَ . إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعدِ ذَلِكَ وَأَصلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:86-89]، وَقَالَ تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَومًا بَعدَ إِذْ هَدَاهُم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} [التوبة:115].
وَإِنَّ المُؤمِنَ لَيَعجَبُ مِن قَومٍ اصطَفَاهُم اللهُ وَاختَارَهُم، وَجَعَلَهُم حَمَلَةً لِلعِلمِ وَقَادَةً لِلعَمَلِ، وَمَحَطًّا لأَنظَارِ المُسلِمِينَ وَقُدُوَاتٍ لِلسَّالِكِينَ، ثم هُم يَتَقَهقَرُونَ وَيَتَرَاجَعُونَ، وَيَنقَادُونَ لِهَوى أَنفُسِهِم وَشَهَوَاتِهِم، فَيُوَجِّهُونَ قُلُوبَهُم وَيَرمُونُ بِأَبصَارِهِم لِقَومٍ مِنَ المَغضُوبِ عَلَيهِم أَوِ الضَّالِّينَ، وَيُقَلِّدُوهُم في أَخلاقِهِم وَعَادَاتِهِم، أَو يَسعَوا في فَرضِ شَيءٍ مِن أَنظِمَتِهِم الضَّالَّةِ عَلَى مُجتَمَعَاتِ المُسلِمِينَ، غَافِلِينَ أَو مُتَغَافِلِينَ، عَن أَنَّ ذَلِكَ خُذلانٌ وَخَسَارَةٌ وَظُلمٌ، وَاستِبدَالٌ لِلأَدنى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ، قَالَ سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاءَ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظَّالمِينَ} [المائدة:51] إِنَّهُ إِتْبَاعُ النُّفُوسِ أَهوَاءَهَا، هُوَ شَرُّ أَمرَاضِهَا وَأَدوَائِهَا، وَأَشَدُّ مَا يَصرِفُهَا عَنِ الهُدَى وَيَصُدُّهَا عَنِ الحَقِّ، قال سبحانه: {قُلْ فَأتُوا بِكِتَابٍ مِن عِندِ اللهِ هُوَ أَهدَى مِنهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُم صَادِقِينَ . فَإِن لم يَستَجِيبُوا لَكَ فَاعلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهوَاءَهُم وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظَّالمِينَ} [القصص:49-50].
.
أَلا فَلْنَحذَرْ الضَّلالَ وَالمُضِلِّينَ، فَقَد قَالَ رَبُّنَا سبحانه: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم وَيَهدِيَكُم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيكُم وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيكُم وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيلاً عَظِيمًا} [النساء:26-27].
الكاتب / عبد الله بن محمد البصري
أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابتَغُوا إِلَيهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ} [المائدة:35].
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: رَوَى مُسلِمٌ وَغَيرُهُ عَن عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قُلِ اللَّهُمَّ اهدِني وَسَدِّدْني، وَاذكُرْ بَالهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَبِالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهمِ».
الهِدَايَةُ وَالسَّدَادُ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ضَرُورَةٌ يَحتَاجُ إِلَيهَا كُلُّ مَن في الأَرضِ، الرَّجُلُ وَالمَرأَةُ، وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ، وَالطَّائِعُ وَالعَاصِي، وَالمُؤمِنُ وَالكَافِرُ، جَمِيعُهُم يَحتَاجُونَ إِلى الهِدَايَةِ وَالسَّدَادِ، وَكُلُّهُم في ضَرُورَةٍ إِلى أَن يَستَهدُوا رَبَّهُم وَيَطلُبُوا مِنهُ التَّوفِيقَ وَالرَّشَادَ. وَحِينَ يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَد بَلَغَ الغَايَةَ في الهِدَايَةِ، أَو لَبِسَ ثَوبَ الكَمَالِ في السَّدَادِ، فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَن يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ قَد أُوجِبَ عَلَيهِ أَن يَقرَأَ في كُلِّ يَومٍ أَكثَرَ مِن سَبعَ عَشرَةَ مَرَّةً قَولَ اللهِ جل وعلا: {اِهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة:5]، وَلْيَتَذَكَّرْ قَولَ المَولى تعالى في الحَدِيثِ القُدسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُم ضَالٌّ إِلاَّ مَن هَدَيتُهُ، فَاستَهدُوني أَهدِكُم».
وَلْيَتَذَكَّرِ المُسلِمُ أَيضًا أَنَّ أَهدَى النَّاسِ عليه الصلاة والسلام كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ افتَتَحَ صَلاتَهُ بِقَولِهِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهدِنِي لما اختُلِفَ فِيهِ مِن الحَقِّ بِإِذنِكَ إِنَّكَ تَهدِي مَن تَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ» (رَوَاهُ مُسلِمٌ). وَعِندَ النَّسَائيِّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ عن جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا استَفتَحَ الصَّلاةَ كبَّرَ ثمَّ قالَ: «إنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيَايَ وَمَمَاتي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا مِنَ المُسلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهدِني لأَحسَنِ الأَعمَالِ وَأَحسَنِ الأَخلاقِ لا يَهدِي لأَحسَنِهَا إِلاَّ أَنتَ، وَقِني سَيِّئَ الأَعمَالِ وَسَيِّئَ الأَخلاقِ لا يَقِي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنتَ»، وَعَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما قَالَ: "عَلَّمَني رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الوِترِ: «اللَّهُمَّ اهدِني فِيمَن هَدَيتَ، وَعَافِني فِيمَن عَافَيتَ...»" (الحَدِيثَ رَوَاهُ أَهلُ السُّنَنِ وَغَيرُهُم وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).
نَعَم أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ العِبَادَ بِحَاجَةٍ إِلى رَبِّهِم في كُلِّ لَحظَةٍ مِن لَحَظَاتِ حَيَاتِهِم، وَلا غِنى لهم عَنهُ طَرفَةَ عَينٍ أَو لَمحَ بَصَرٍ، وَتَزدَادُ هَذِهِ الحَاجَةُ وَتَتَأَكَّدُ، وَنَحنُ اليَومَ في عَالمٍ اضطَرَبَت فِيهِ الأَفكَارُ وَتَاهَتِ العُقُولُ، وَحَارَتِ الأَفهَامُ وَزَلَّتِ الأَقدَامُ، وَتَكَلَّمُ الرُّوَيبِضَةُ وَنَطَقَ السُّفَهَاءُ، وَتَولىَّ الأَصَاغِرُ وَتَعَالَمَ الجُهَلاءُ، وَاجتَرَأَ فِيهِ كُلُّ مَن هَبَّ وَدَبَّ عَلَى شَرعِ اللهِ، وَتُكُلِّمَ فِيهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَلا حُجَّةٍ، وَشُرِّقَ وَغُرِّبَ بِلا دَلِيلٍ وَلا بُرهَانٍ، حَتى تَزَعزَعَت بَعضُ الثَّوَابِتِ في قُلُوبِ أُنَاسٍ وَكَادُوا يَضِلُّونَ، بَل ضَلَّ مَن ضَلَّ وَانتَكَسَ مَنِ انتَكَسَ، وَهَذَا هُوَ عَينُ مَا ذَكَرَهُ الحَبِيبُ عليه الصلاة والسلام وَخَافَهُ عَلَى أُمَّتِهِ حَيثُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تعالى لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَمَاءِ، حَتى إِذَا لم يُبقِ عَالمًا اتَّخذَّ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتي الأَئِمَّةُ المُضِلُّونَ» (رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ). وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الهِدَايَةَ الَّتِي نَحتَاجُ إِلَيهَا، وَحَرِيٌّ بِنَا أَن نُلِحَّ عَلَى اللهِ في سُؤَالِهَا وَطَلَبِهَا، لَيسَت هِدَايَةَ العِلمِ فَحَسبُ، فَهَذِهِ لم تَزَلْ وَللهِ الحَمدُ مَوجُودَةً وَإِن عَلاها مَا عَلاهَا مِن غَبَشٍ بِسَبَبِ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ وَالمُتَعَالِمِينَ المُتَفَاصِحِينَ، وَلَكِنَّ الهِدَايَةَ الأَهَمَّ وَالأَجَلَّ وَالأَعظَمَ، وَالَّتي هِيَ مَحضُ عَطَاءٍ مِنَ اللهِ لِمَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ، حَيثُ لا يَملِكُهَا إِلاَّ هُو عز وجل، هِيَ هِدَايَةُ التَّوفِيقِ وَالإِلهَامِ، وَالإِيصَالِ إِلى الخَيرِ وَالتَّثبِيتِ عَلَيهِ، قَالَ سبحانه: {لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ} [البقرة:272]، وَقَالَ تعالى: {إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ} [القصص:56]، وَقَالَ جل وعلا: {مَن يَهدِ اللهُ فَهُوَ المُهتَدِ وَمَن يُضلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا} [الكهف:17]، وَقَالَ سبحانه: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَحْ صَدرَهُ لِلإِسلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجعَلْ صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام:125].
فَالقُلُوبُ بِيَدِ اللهِ سبحانه يُدخِلُ الإِيمَانَ بِرَحمَتِهِ في أَيٍّ مِنهَا شَاءَ، وَيَمنَعُهُ بِعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ مَن شَاءَ، وَيُيَسِّرُ الهِدَايَةَ لِمَن شَاءَ، وَيَخذُلُ مَن شَاءَ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم ٍلِلعَبِيدِ، وَمَن أَرَادَ أَن يَعرِفَ قَدرَ هَذِهِ الهِدَايَةِ وَعَظِيمِ امتِنَانِ اللهِ بها عَلَى مَن يَشَاءُ، فَلْيَنظُرْ إِلى أُولَئِكَ الَّذِينَ وَصَلَت بهم عُقُولُهُم إِلى غَزوِ الفَضَاءِ، وَصَنَعُوا مَا يُمَكِّنُهُم مِنَ العَيشِ تَحتَ المَاءَ، وَاهتَدُوا بِتَفكِيرِهِم إِلى صِنَاعَةِ أَعتَى القَنَابِلِ وَأَدَقِّ الأَجهِزَةِ، ثم هُم مَعَ هَذا لم يُهدَوا لِيَحنُوا ظُهُورَهُم لِرَبِّهِم رُكَّعًا، وَلم يُوَفَّقُوا لِتَعفِيرِ جِبَاهِهِم بَينَ يَدَي مَولاهُم سُجَّدًّا، وَبَقُوا مُنغَمِسِينَ في أَوحَالِ الضَّلالِ، مُظلِمَةً بِهِ أَروَاحُهُم وَقَلُوبُهُم، طَويلاً مِنهُ شَقَاؤُهُم وَعَنَاؤُهُم، قَد رَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنيَا وَاطمَأَنُّوا بها، وَغَفَلُوا عَن آيَاتِ اللهِ الشَّرعِيَّةِ وَالكَونِيَّةِ، لا يَرجُونَ في الآخِرَةِ فَوزًا وَلا فَلاحًا، وَلا يَنتَظِرُونَ نَجَاةً وَلا سَعَادَةً.
وَهَكَذَا إِخوَةَ الإِيمَانِ فَإِنَّ مَن لم يَهدِهِ اللهُ لِطَرِيقِ الحَقِّ وَيُوَفِّقْهُ لِسُلُوكِهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ نَادَاهُ صَوتُ الفِطرَةِ مِن دَاخِلِهِ، أَو بَدَت أَمَامَهُ الحِجَجُ الدَّامِغَاتُ وَالآيَاتُ البَيِّنَاتُ، إِلاَّ أَنَّهُ لا يُؤمِنُ وَلا يَعرِفُ طَرِيقَ الحَقِّ، وَمِن أَكبَرِ أَسبَابِ ذَلِكَ وَالعِلمُ عِندَ اللهِ الكِبرُ وَالطُّغيَانُ وَالاعتِدَادُ بِالنَّفسِ وَالعِنَادُ، وَشِدَّةُ الغَفلَةِ وَعَدَمُ الخُضُوعِ لِلحَقِّ وَإِن ظَهَرَ، قَالَ سبحانه: {سَأَصرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤمِنُوا بها وَإِن يَرَوا سَبِيلَ الرُّشدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُم كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146]، وَقَالَ سبحانه: {وَنُقَلِّبُ أَفئِدَتَهُم وَأَبصَارَهُم كَمَا لم يُؤمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُم في طُغيَانِهِم يَعمَهُونَ} [الأنعام:110]، وَقَالَ جل وعلا: {وَإِذَا مَا أُنزِلَت سُورَةٌ فَمِنهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُم زَادَتهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتهُم إِيمَانًا وَهُم يَستَبشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتهُم رِجسًا إِلى رِجسِهِم وَمَاتُوا وَهُم كَافِرُونَ} [التوبة:124-125]، وَقَالَ عز وجل: {نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم} [الحشر:19]، وَقَالَ تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُم وَاللهُ لَا يَهدِي القَومَ الفَاسِقِينَ} [الصف:5].
أَلا فَمَا أَحرَى المُسلِمَ أَن يَنطَرِحَ بَينَ يَدَي رَبِّهِ وَيُقبِلَ عَلَيهِ مُخلِصًا مِن قَلبِهِ، وَيَسأَلَهُ سُؤَالَ الخَائِفِ الذَّلِيلِ الخَاضِعِ المُستَكِينِ، أَن يَهدِيَهُ وَيُعِينَهُ وَيُرشِدَهُ وَيُسَدِّدَهُ، وَيُثَبِّتَهُ عَلَى الهُدَى حَتى يَلقَاهُ، وَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَرِيٌّ بِأَن يَزِيدَهُ اللهُ مِن فَضلِهِ، كَمَا قَالَ سبحانه: {وَالَّذِينَ اهتَدَوا زَادَهُم هُدًى وَآتَاهُم تَقوَاهُم} [محمد:17]، وَقَد وَجَّهَ بِذَلِكَ نَبِيُّنَا عليه الصلاة والسلام مَن يُحِبُّهُ وَأَمَرَهُ بِهِ، فَعَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ يَومًا ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِني لأُحِبُّكَ»، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: "بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا وَاللهِ أُحِبُّكَ"، قَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ أَن تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَغَيرُهُمَا وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).
قَالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيِّمِيَّةَ رحمه الله: "إِذَا أُلهِمَ العَبدُ أَن يَسأَلَ اللهَ الهِدَايَةَ وَيَستَعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ أَعَانَهُ وَهَدَاهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ سَعَادَتِهِ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَإِذَا خُذِلَ العَبدُ فَلَم يَعبُدِ اللهَ وَلم يَستَعِنْ بِهِ وَلم يَتَوَكَّلْ عَلَيهِ، وُكِلَ إِلى حَولِهِ وَقُوَّتِهِ، فَيُوَلِّيهِ الشَّيطَانَ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَشَقِيَ في الدُّنيَا وَالآخِرَة". وَقَالَ رحمه الله: "وَلِهَذَا كَانَ أَنفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعظَمُهُ وَأَحكَمُهُ دُعَاءَ الفَاتِحَةِ {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:5-7]، فَإِنَّهُ إِذَا هَدَاهُ هَذَا الصِّرَاطَ أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَركِ مَعصِيَتِهِ، فَلَم يُصِبْهُ شَرٌّ لا في الدُّنيا وَلا في الآخِرَةِ... اللَّهُمَّ اهدِنَا وَيَسِّرِ الهُدَى لَنَا، وَأَلهِمْنَا رُشدَنَا وَقِنَا شَرَّ أَنفُسِنَا.
الخطبة الثانية:
أَمَّا بَعدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَاحمَدُوهُ عَلَى مَا هَدَاكُم، وَإِيَّاكُم وَالنُّكُوصَ عَلَى الأَعقَابِ إِيَّاكُم ثُمَّ إِيَّاكُم، فَإِنَّ مِنَ الظُّلمِ البَيِّنِ وَالخُسرَانِ الفَادِحِ، أَن يَهدِيَ اللهُ عَبدًا لِلإِيمَانِ وَيُذِيقَهُ حَلاوَتَهُ، ثم يَكفُرَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِ، وَيَغتَرَّ بِكَثرَةِ المُتَسَاقِطِينَ مِن حَولِهِ، فَيَختَارَ لِنَفسِهِ طَرِيقَ الشَّقَاءِ بَعدَ السَّعَادَةِ، وَيُفَرِّطَ فِيمَا حَصَّلَ وَيَخسَرَ ما اكتَسَبَ، قَالَ سبحانه: {كَيفَ يَهدِي اللهُ قَومًا كَفَرُوا بَعدَ إِيمَانِهِم وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهدِي القَومَ الظَّالمِينَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم أَنَّ عَلَيهِم لَعنَةَ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ . خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ وَلا هُم يُنظَرُونَ . إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعدِ ذَلِكَ وَأَصلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:86-89]، وَقَالَ تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَومًا بَعدَ إِذْ هَدَاهُم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} [التوبة:115].
وَإِنَّ المُؤمِنَ لَيَعجَبُ مِن قَومٍ اصطَفَاهُم اللهُ وَاختَارَهُم، وَجَعَلَهُم حَمَلَةً لِلعِلمِ وَقَادَةً لِلعَمَلِ، وَمَحَطًّا لأَنظَارِ المُسلِمِينَ وَقُدُوَاتٍ لِلسَّالِكِينَ، ثم هُم يَتَقَهقَرُونَ وَيَتَرَاجَعُونَ، وَيَنقَادُونَ لِهَوى أَنفُسِهِم وَشَهَوَاتِهِم، فَيُوَجِّهُونَ قُلُوبَهُم وَيَرمُونُ بِأَبصَارِهِم لِقَومٍ مِنَ المَغضُوبِ عَلَيهِم أَوِ الضَّالِّينَ، وَيُقَلِّدُوهُم في أَخلاقِهِم وَعَادَاتِهِم، أَو يَسعَوا في فَرضِ شَيءٍ مِن أَنظِمَتِهِم الضَّالَّةِ عَلَى مُجتَمَعَاتِ المُسلِمِينَ، غَافِلِينَ أَو مُتَغَافِلِينَ، عَن أَنَّ ذَلِكَ خُذلانٌ وَخَسَارَةٌ وَظُلمٌ، وَاستِبدَالٌ لِلأَدنى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ، قَالَ سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاءَ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظَّالمِينَ} [المائدة:51] إِنَّهُ إِتْبَاعُ النُّفُوسِ أَهوَاءَهَا، هُوَ شَرُّ أَمرَاضِهَا وَأَدوَائِهَا، وَأَشَدُّ مَا يَصرِفُهَا عَنِ الهُدَى وَيَصُدُّهَا عَنِ الحَقِّ، قال سبحانه: {قُلْ فَأتُوا بِكِتَابٍ مِن عِندِ اللهِ هُوَ أَهدَى مِنهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُم صَادِقِينَ . فَإِن لم يَستَجِيبُوا لَكَ فَاعلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهوَاءَهُم وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظَّالمِينَ} [القصص:49-50].
.
أَلا فَلْنَحذَرْ الضَّلالَ وَالمُضِلِّينَ، فَقَد قَالَ رَبُّنَا سبحانه: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم وَيَهدِيَكُم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيكُم وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيكُم وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيلاً عَظِيمًا} [النساء:26-27].
الكاتب / عبد الله بن محمد البصري
10/12/2014
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)