مدونة المعارف

‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفة مع الآية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفة مع الآية. إظهار كافة الرسائل

15‏/05‏/2014

وقفات مع أية (ويل للمطففين )

الحمدلله القائل  : (ويل للمطففين ) والصلاة والسلام على من تلى هذه الآية فلا تزال تتلى من بعده إلى أن يشاء الله ؛أما بعد فقد توعد الله المطففين بالويل ، وبين من هم المطففين بقوله: (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ).
هذه صورة التطفيف الحسي وهو أحد نوعي التطفيف ؛ والنوع الثاني التطفيف المعنوي ؛ وهو منتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم ، ويمارس بأشكال عدة ويمارس لأسباب عدة وتحت أقنعة مختلفة.
قال السعدي رحمه الله :(ودلت الآية الكريمة على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له يجب أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات بل يدخل في عموم هذا الحجج والمقالات فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ما له من الحجج فيجب عليه أيضا أن يبين ما لخصمه من الحجة التي لا يعلمها وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه وتواضعه من كبره وعقله من سفهه ).
التطفيف المعنوي قد يمارسه الشخص لحظ نفسه وقد يمارسه لحظ غيره وهو الشقاء الحقيقي والحمق الأعظم ؛قال عمر بن عبدالعزيز لجلسائه: أخبروني بأحمق الناس، قالوا: رجل باع آخرته بدنياه. فقال عمر: ألا أنبئكم بأحمق منه؟ قالوا بلى، قال: (( رجل باع آخرته بدنيا غيره )).
والتطفيف المعنوي لم يسلم منه حتى طلاب العلم إلا من رحم الله فهو سرطان أخلاقي قاتل .
لا يعجز أصحاب المكاييل المطلففة أن يبرروا لأنفسهم صواب خطأهم وجواز ما حُرم عليهم بدعاوى عدة يجمعها رابط واحد أنه ما أنزل الله بها من سلطان .
إن تكلموا عن أنفسهم ذكروا النقاء والصفاء والصدق والوفاء ؛ وإن تكلموا عن غيرهم أبطلوا أعمالهم وشككوا في نواياهم وتتبعوا عثراتهم وعوراتهم .
شيوخهم هم العلماء ؛ وعلماؤهم هم الشيوخ ؛ وغيرهم همج رعاع لا يفقهون شيئاً ولا يعلمون .
ليس التطفيف المعنوي مقصوراً على العلم وأهله ؛ بل تراه وتشاهده حتى في الدوائر الوظيفية فهو من يهتم بأمور العمل وهو الذي ينظر لمصلحة مرجعه ؛ أما غيره من الزملاء فليس لديه اهتمام ؛ وإن اهتم فاهتمامه لمصلحة نفسه لا لمصلحة العمل.
وأيضاً نرى التطفيف المعنوي في المجتمعات القبلية فنرى من يظنون أنهم هم فقط من يريدون مصلحة القبيلة ويعرفون أمور العشيرة ؛ ويصفون غيرهم دائما بعدم الاهتمام والمبالاة والسعي للتفرقة لا الجمع .
وأكبر من ذلك نرى التطفيف المعنوي عند أناس يرون الوطن لهم وحدهم وكأنهم وكلاء على غيرهم ؛ وكأن جميع أبناء الوطن الآخرين لا يهتمون له ولا يبالون به.
وأشد من ذلك مرارة وإثما من أقاموا أنفسهم يتكلمون باسم الاسلام ولم يكفهم ذلك ؛ بل يريدون من غيرهم من أبناء الإسلام أن لا يتكلموا باسم الاسلام وليتهم وجهوا هذه الرسالة لأنفسهم .
إن العداوة الدينية وليس في الوجود عداوة أحق منها لم يجعلها الله سببا لعدم العدل بل أمر سبحانه بالعدل حتى مع وجودها فقال تعالى :( ياأيها الذين آمنوا لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
وهذه الآية الكريمة تفسر تفسيرا واضحا جليا سبب من أسباب ابتعادنا إلا من رحم الله عن التقوى ألا وهو عدم العدل الذي من صوره التطفيف المعنوي .فالله المستعان .
ليس ما قلته عاما في الأمة ؛ بل في أمة الإسلام اليوم وفي كل عصر بفضل الله والحمد له من يوفون المكاييل الحسية والمعنوية ؛ من تحجزهم التقوى ومراقبة الله عن أن يقولوا قول تطفيف ؛ من يقرؤون قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بقلوبهم قبل أبصارهم ( ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ).
ما أزكى تلك النفوس التي إن سمعتها تتكلم عن أعدائها ظننتها تتكلم عن أحب حبيب ؛ وما ذاك إلا عدلا وصدقا وديانة وأمانة .
إنها مسألة خطيرة وعظيمة نحتاج أن نُدرب أنفسنا عليها فما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .
عود نفسك أن تبتعد عن بخس الناس حقهم الحسي والمعنوي ؛ وستجد ذلك مؤلما صعبا في البدايات حتى يكون ذلك لك مع الأيام سجية وخُلقا .
وأعلم أن التطفيف من المكر السيئ وقد قال تعالى ( ولا يحيق المكرء السيئ إلا بأهله)
نعوذ بالله من المكر السيئ وأهله .

مصلح بن زويد العتيبي
١٢/رجب/١٤٣٥هـ .

15‏/04‏/2014

إن مع العسر يسرى

فإن مع العسر يسرا ( 5 ) إن مع العسر يسرا ( 6 ) )

( فإن مع العسر يسرا ) أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسر ورخاء بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به ، " إن مع العسر يسرا " كرره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء .
وقال الحسن لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أبشروا ، قد جاءكم اليسر ، لن يغلب [ ص: 465 ] عسر يسرين " .
قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل ، إنه لن يغلب عسر يسرين .
قال المفسرون : ومعنى قوله : " لن يغلب عسر يسرين " أن الله تعالى كرر العسر بلفظ المعرفة واليسر بلفظ النكرة ، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسما معرفا ، ثم أعادته كان الثاني هو الأول ، وإذا ذكرت نكرة ثم أعادته مثله صار اثنين ، وإذا أعادته معرفة فالثاني هو الأول ، كقولك : إذا كسبت ، درهما أنفقت درهما ، فالثاني غير الأول ، وإذا قلت : إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم ، فالثاني هو الأول ، فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف ، فكان عسرا واحدا ، واليسر مكرر بلفظ [ التنكير ] ، فكانا يسرين ، فكأنه قال : فإن مع العسر يسرا ، إن مع ذلك العسر يسرا آخر .
وقال أبو علي [ الحسن ] بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب " النظم " تكلم الناس في قوله : " لن يغلب عسر يسرين " ، فلم يحصل منه غير قولهم : إن العسر معرفة واليسر نكرة ، فوجب أن يكون عسر واحد ويسران ، وهذا قول مدخول ، إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا [ إن مع الفارس سيفا ] ، فهذا لا يوجب أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنين ، فمجاز قوله : " لن يغلب عسر يسرين " أن الله بعث نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو مقل مخف ، فكانت قريش تعيره بذلك ، حتى قالوا : إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة ، فاغتم النبي لذلك ، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره ، فعدد الله نعمه عليه في هذه السورة ، ووعده الغنى ، ليسليه بذلك عما خامره من الغم ، فقال : " فإن مع العسر يسرا " ، مجازه : لا يحزنك ما يقولون فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا ثم أنجزه ما وعده ، وفتح عليه القرى العربية ووسع عليه ذات يده ، حتى كان يعطي المئين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمر الآخرة ، فقال : إن مع العسر يسرا ، والدليل على ابتدائه : تعريه من الفاء والواو ، وهذا وعد لجميع المؤمنين ، ومجازه : إن مع العسر [ ص: 466 ] يسرا ، أي : إن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة ، فربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ما ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة وهو ما ذكره في الآية الثانية ، فقوله - عليه السلام - : " لن يغلب عسر يسرين " أي : لن يغلب عسر ، الدنيا اليسر الذي وعده للمؤمنين في الدنيا واليسر الذي وعدهم في الآخرة ، وإنما يغلب أحدهما ، هو يسر الدنيا ، وأما يسر الآخرة فدائم غير زائل ، أي لا يجمعهما في الغلبة ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : " شهرا عيد لا ينقصان " أي لا يجتمعان في النقصان .

24‏/11‏/2008

ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها



قوله تعالى : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون


قوله تعالى : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا النقض والنكث واحد ، والاسم النكث والنقض ، والجمع الأنكاث . فشبهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم تحله . ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة كانت تفعل ذلك ، فبها وقع التشبيه ; قال الفراء ، وحكاه عبد الله بن كثير والسدي ولم يسميا المرأة ، وقال مجاهدوقتادة : وذلك ضرب مثل ، لا على امرأة معينة . وأنكاثا نصب على الحال . والدخل : الدغل والخديعة والغش . قال أبو عبيدة : كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل . 

أن تكون أمة هي أربى من أمة [ ص: 156 ] قال المفسرون : نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذ حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة كثيرة قوية فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها ورجعت إلى هذه الكبرى - قاله مجاهد - فقال الله - تعالى - : لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى أو أكثر أموالا فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة في الدنيا لأعدائكم المشركين . والمقصود النهي عن العود إلى الكفر بسبب كثرة الكفار وكثرة أموالهم . وقال الفراء : المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم ، وقد عززتموهم بالأيمان . أربى أي أكثر ; من ربا الشيء يربو إذا كثر . والضمير في به يحتمل أن يعود على الوفاء الذي أمر الله به . ويحتمل أن يعود على الرباء ;

أي أن الله - تعالى - ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضهم الظهور على بعض ، واختبرهم بذلك من يجاهد نفسه فيخالفها ممن يتبعها ويعمل بمقتضى هواها ; وهو معنى قوله : إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون من البعث وغيره .