مدونة المعارف

06‏/10‏/2016

الخطبة الأولى لشهر الله المحرم

الشَّبَابُ
الْخُطْبَةُ الأُولَى من شهر محرم لعام 1438
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الشَّبَابِ قُوَّةً وَعَمَلاً، وَطَاقَةً وَأَمَلاً، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)([1]).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الإِنْسَانَ، وَكَلَّفَهُ أَنْ يُعَمِّرَ الأَرْضَ بِالْخَيْرَاتِ، وَيَسْتَثْمِرَ فِيهَا الطَّاقَاتِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ :(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ)([2]). أَيْ لِتَقُومُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَإِعْمَارِ الأَرْضِ، وَنَشْرِ الْخَيْرِ فِيهَا، فَالإِنْسَانُ هُوَ أَسَاسُ الْبِنَاءِ، وَإِنَّ تَقَدُّمَ الأَوْطَانِ يَحْتَاجُ إِلَى طَاقَاتِ الشَّبَابِ، فَهُمْ ذُخْرُ الْوَطَنِ وَعُدَّتُهُ، وَقُوَّتُهُ وَطَاقَتُهُ، وَقَلْبُهُ النَّابِضُ، وَثَرْوَتُهُ الْمُتَجَدِّدَةُ، وَحَاضِرُهُ الْمَشْهُودُ، وَمُسْتَقْبَلُهُ الْمَوْعُودُ، وَهَلِ الْخَيْرُ إِلاَّ فِي الشَّبَابِ([3]). نَعَمْ فَالْخَيْرُ كُلُّ الْخَيْرِ فِي الشَّبَابِ، فَلَدَيْهِمْ آمَالٌ وَطُمُوحَاتٌ، وَقَضَايَا وَتَحَدِّيَّاتٌ، وَبِهِمْ تَنْهَضُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَتَتَحَقَّقُ الإِنْجَازَاتُ، وَفِيهِمُ الْهِمَّةٌ وَالعَطَاءُ، وَالْخَيْرُ وَالْبِنَاءُ، وَلَدَيْهِمْ مُؤَهَّلاَتٌ وَقُدُرَاتٌ؛ وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِاغْتِنَامِهَا، فَقَالَاغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ، وَذَكَرَ مِنْهَا: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ...»([4]). وَإِنَّ اغْتِنَامَ الشَّبَابِ يَجْعَلُهُمْ أَهَمَّ قُوَّةٍ وَطَنِيَّةٍ لِبِنَاءِ الْحَاضِرِ، وَرُكْنًا أَسَاسِيًّا فِي رِحْلَةِ الاِنْتِقَالِ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ قِيَادَتَنَا الرَّشِيدَةَ تَضَعُ الشَّبَابَ فِي أَوْلَوِيَّاتِ اهْتِمَامَاتِهَا، وَتَثِقُ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّحَدِّي وَالتَّمَيُّزِ وَالنَّجَاحِ، فَخَصَّصَتْ لَهُمْ وِزَارَةً لِلشَّبَابِ، وَأَقَامَتْ مَجْلِسَ الإِمَارَاتِ لِلشَّبَابِ، وَاسْتَثْمَرَتْ فِي تَعْلِيمِهِمْ وَتَثْقِيفِهِمْ وَصَقْلِ خِبْرَاتِهِمْ، وَتَنْمِيَةِ مَهَارَاتِهِمْ، وَالاِرْتِقَاءِ بِمُعَدَّلاَتِ أَدَائِهِمْ؛ وَتَأهِيلِهِمْ عَلَى أُسُسٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ مُسْتَدَامَةٍ، وَتُشَجِّعُهُمْ عَلَى الإِبْدَاعِ وَالاِبْتِكَارِ، وَرَفْعِ مَعْنَوِيَّاتِهِمْ؛ لِيَنْطَلِقُوا بِقُوَّةٍ إِلَى آفَاقِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ وَيَتَحَمَّلُوا مَسْؤُولِيَّتَهُمْ كَامِلَةً نَحْوَ وَطَنِهِمُ الَّذِي يَفْخَرُ بِهِمْ، وَمِنْ وَاجِبِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي الْمُضِيِّ بِهِ قُدُمًا لِتَحْقِيقِ طُمُوحَاتِهِ عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى:( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)([5]).
وَإِنَّ رَدَّ الْجَمِيلِ إِلَى الْوَطَنِ يَحْتَاجُ مِنَ الشَّبَابِ إِلَى الْعَمَلِ الْجَادِّ، وَالْحِرْصِ عَلَى الاِرْتِقَاءِ بِاسْتِمْرَارٍ، وَتَقْدِيمِ رُؤًى إِبْدَاعِيَّةً لِتَطْوِيرِ الأَفْكَارِ، وَالتَّزَوُّدِ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَقَدْ قَدَّمَ لَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أُنْمُوذَجًا شَابًّا فِي الاِجْتِهَادِ فِي الْعِلْمِ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ:( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)([6]). أَيِ: الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ وَالْجِدَّ وَالْعَزْمَ، وَالإِقْبَالَ عَلَى الْخَيْر، وَهُوَ فِي رَيْعَانِ الشَّبَابِ([7]).
وَالشَّبَابُ هُمْ سُفَرَاءُ أَقْوَامِهِمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، حَتَّى يَرْجِعُوا بِهِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ، فَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِىِّ r وَنَحْنُ شَبَابٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً([8]). فَكَانُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَفْدًا مِنْ طُلاَّبِ الْعِلْمِ. وَهَكَذَا الشَّبَابُ يَجْتَهِدُونَ فِي دِرَاسَتِهِمْ وَيُخْلِصُونَ فِي وَظَائِفِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَيَحْتَرِمُونَ قَانُونَ دَوْلَتِهِمْ، وَيُحَافِظُونَ عَلَى تَلاَحُمِ وَطَنِهِمُ الْغَالِي، فَهُوَ أَمَانَةٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :« إِنَّ اللَّهُ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفَظَ أَمْ ضَيَّعَ»([9]). وَإنَّ الشَّبَابَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَمَانَةَ الْوَطَنِ يَسْعَوْنَ إِلَى إِسْعَادِ النَّاسِ جَمِيعًا، وَتَقْدِيمِ النَّفْعِ لَهُمْ؛ قَالَ نَبِيُّنَا rأَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»([10]).
أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: إِنَّ دَوْلَةَ الإِمَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ دَوْلَةٌ شَابَّةٌ قَامَتْ عَلَى الشَّبَابِ، لأنَّهُمْ سِرُّ قُوَّتِهَا، وَإن الذي يَعْرِفُ تَارِيخَ قِيَامِ الاِتِّحَادِ يُدْرِكُ جَيِّدًا أَنَّ الشيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ وَإِخَوَانَهُ الْمُؤَسِّسِينَ وَضَعُوا ثِقَتَهُمْ فِي الشَّبَابِ، وَحَفَّزُوهُمْ عَلَى التَّعَلُّمِ وَتَطْوِيرِ أَنْفُسِهِمْ لِخِدْمَةِ وَطَنِهِمْ، فَأَغْلَبُ الْمُتَعَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ خِرِّيجِي الْجَامِعَاتِ كَانُوا مِنَ الشَّبَابِ فِي الْعِشْرِينَاتِ مِنْ أَعْمَارِهِمْ، فَتَوَلَّوْا الْمَهَامَّ، لِبِنَاءِ دَوْلَةِ الإِمَارَاتِ بِكُلِّ إِخْلاَصٍ وَعَزْمٍ، وَعَمِلُوا بِلاَ كَلَلٍ وَلاَ مَلَلٍ، وَكَانُوا عَلَى قَدْرِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَإِنَّ الشَّبَابَ الْيَوْمَ مُطَالَبُونَ بِمُوَاصَلَةِ مَسِيرَةِ الآبَاءِ، وَالْحِفَاظِ عَلَى إِنْجَازَاتِهِمْ، فَبِالشَّبَابِ الْوَاعِي تَرْقَى الأُمَمُ, وَبِالأَخْلاَقِ تَدُومُ مَكَانَتُهَا، وَبِالْقِيَمِ النَّبِيلَةِ, وَالأَخْلاَقِ الْفَاضِلَةِ نُحَافِظُ عَلَى حَضَارَتِنَا, وَنَحْمِي مُنْجَزَاتِ وَطَنِنَا.
فَاللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَنَا، وَأَدِمْ سَعَادَتَنَا، وَأَسْبِغْ عَلَيْنَا نِعَمَكَ، وَأَكْرِمْنَا بِفَضْلِكَ، وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ، وَطَاعَةِ رَسُولِكَ مُحَمَّدٍ الأَمِينِ r وَطَاعَةِ مَنْ أَمَرْتَنَا بِطَاعَتِهِ، عَمَلاً بِقَوْلِكَ:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)([11]).
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ،
 وَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ،
 فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.


الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ، إِنَّ أَهَمَّ مَا نَتَوَاصَى بِهِ تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَرْسِيخُ الْقِيَمِ النَّبِيلَةِ فِي الشَّبَابِ لِتَثْبِيتِ هُوِيَّتِهِمْ، وَتَعْزِيزِ تَلاَحُمِهِمْ، وَتَعْمِيقِ رُوحِ الاِنْتِمَاءِ لِوَطَنِهِمْ، وَالْوَلاَءِ لِقِيَادَتِهِمْ وَحُكَّامِهِمْ، وَالتَّحَلِّي بِالأَخْلاَقِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي بُعِثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عَنْهَا:« إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ»([12]). وَإِنَّ الشَّبَابَ بِكَرِيمِ أَخْلاَقِهِمْ، وَجَمِيلِ صَنِيعِهِمْ، وَحُسْنِ فِعَالِهِمْ؛ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْمَبَادِئِ الأَصِيلَةَ لِلْوَطَنِ الْمُسْتَمَدَّةَ مِنْ دِينِنَا الْحَنِيفِ، وَأَخْلاَقِ الآبَاءِ وَالأَجْدَادِ، وَيَحْرِصُونَ عَلَى نَشْرِ عَادَاتِهِ وَتَقَالِيدِهِ  بَيْنَ الأَجْيَالِ لِتَدُومَ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ.
فَيَا أَيُّهَا الشَّبَابُ: هَلِ اسْتَثْمَرْتُمُ الإِمْكَانَاتِ وَالْفُرَصَ الَّتِي وَفَّرَتْهَا لَكُمُ الدَّوْلَةُ؟
وَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ: هَلْ قُمْتُمْ بِدَوْرِكُمْ فِي تَوْجِيهِ وَدَعْمِ الشَّبَابِ إِنَاثًا وَذُكُورًا لِتَحْقِيقِ طُمُوحَاتِكُمْ؟
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : « مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً»([13]).




([1]) آل عمران: 15.
([2]) الأنعام : 165.
([3]) الجامع لأخلاق الراوي: 1/310 ، والقائل هو حُذَيْفَةُ بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
([4]) السنن الكبرى للنسائي 10/400.
([5]) الرحمن : 60.
([6]) مريم : 12.
([7]) تفسير ابن كثير : (5/216).
([8]) متفق عليه.
([9]) صحيح ابن حبان : 4492.
([10]) الطبراني في المعجم الكبير : 13646.
([11]) النساء : 59 .
([12]) الأدب المفرد : 273، وأحمد:8952.
([13]) مسلم: 384.

الشيخ د.عبدالعزيز الفايز | لاتحرن إن الله معنا | مقطع مؤثر

27‏/09‏/2016

شرح حديث (اتق الله حيثما كنت)


عن أبي ذر ومعاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

هذا الحديث أصل عظيم جامع في باب الوصايا والإرشاد وقد أوصى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث وصايا. وفيه مسائل:

الأولى:
 في الحديث الوصية بالتقوى وهي وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق الخلق. والتقوى وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ). وقال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). والمعنى اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى. وقال تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). وحقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين من يخافه ويحذره وقاية تقيه منه فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين غضب الله وسخطه وقاية من الأقوال والأفعال تقيه من ذلك. ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات وفعل المندوبات وترك المكروهات وذلك أعلى درجات التقوى. قال طلق بن حبيب: (التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله). وقال عمر بن عبد العزيز: (ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير). وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا. وكان يكثر من وصيته لأمته في المجامع العامة والمناسبات الخاصة. ولم يزل السلف يتواصون بها. كان أبوبكر رضي الله عنه يقول في خطبته: (أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وأن تثنوا عليه بما هو أهله وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلحاف بالمسألة فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
الثانية:
 كمال التقوى وتمامها أن يذر العبد ما لا ريب فيه خشية الوقوع مما به ريب فيجعل شيئا من المباح حما وسياجا للحرام. قال أبو الدرداء: (تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام). وقال الحسن: (ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال خشية الحرام). وفي الحديث: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرا مما به بأس). وهذا يشمل سائر أبواب الدين باب الأموال والفروج ومعاملة الخلق والولايات والاتباع والابتداع وغير ذلك من الأمور. ومن أعظم ما يعين على ذلك طلب العلم والتفقه في الدين لأن أصل التقوى أن يعلم ما يتقى ثم يتقي ولذلك فإن كثيرا من العامة يجترحون الكبائر ويقعون في المعاملات المشكلة ثم بعد ذلك يسألون ويستفتون أهل العلم.
الثالثة:
 قوله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت). مراده في السر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يرونه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة). رواه النسائي. ويروى في البزار أنه قال لمعاذ: (استحيي من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك). وهذا هو السبب الموجب لخشية الله في السر فإن من علم أن الله يراه حيث كان وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته استحضر ذلك في خلواته وأوجب له ذلك ترك المعاصي في السر. قال بعض السلف لأصحابه: (زهدنا الله وإياكم في الحرام بزهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته). وقال الشافعي: (أعز الأشياء ثلاثة الجود من قلة والورع في خلوة وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف). وكان الإمام أحمد ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل --- خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة --- ولا أن ما يخفى عليه يغيب
وتقوى الله في السر علامة على كمال الإيمان وله تأثير عظيم في انشراح الصدر ونور الوجه وراحة البال وإلقاء الله لصاحبه الثناء والمحبة في قلوب المؤمنين. قال ابن مسعود: (ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله ردائها علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر). وقال سليمان التيمي: (إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته). فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله فإن من فعل ذلك أصلح الله ما بينه وبين الناس وألقى محبته وثناءه على لسان الخلق وجعل له القبول في الأرض. والشقي من أفسد ما بينه وبين الله ومن فعل ذلك أفسد الله ما بينه وبين الناس وألقى بغضه وذمه على لسان الخلق وجعل له الجفاء في الأرض.

الرابعة:
 لما كان العبد قد يقع منه أحيانا تفريط في التقوى وتقصير في طاعة الله أو انتهاك ما حرم الله لطبعه وغفلته وغلبة الشيطان شرع الله له وأمره فعل ما يمحو هذه السيئات بفعل الحسنات كما قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ). وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل هذه له خاصة قال بل للناس عامة). وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أذنب عبد ذنبا فقال ربي إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي ثم أذنب ذنبا آخر ..إلى أن قال في الرابعة فليعمل ما شاء). يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب استغفر والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا. وقد أخبر الله أن المتقين قد تقع منهم أحيانا الكبائر وهي الفواحش والصغائر وهي ظلم النفس لكنهم لا يصرون عليها بل يذكرون الله عقب معصيتهم ويستغفرونه ويتوبون إليه وتوبتهم هي ترك الإصرار وقد قال الله عز وجل في معرض الثناء عليهم: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ). يعني ذكروا عظمته وشدة بطشه وعذابه فاستغفروا من ذنوبهم ولم يستمروا على فعل المعصية.
وقوله: (أتبع الحسنة السيئة تمحها). ما المراد بالحسنة. فيها قولان:
الأول- يراد بالحسنة هنا التوبة وقد ورد ذلك صريحا في حديث مرسل. وقد ورد هذا المعنى كثيرا في كتاب الله. وظاهر هذه النصوص تدل على أن من تاب إلى الله توبة نصوحا واجتمعت شروط التوبة في حقه فإنه يقطع بقبول توبته كما يقطع بقبول إسلام الكافر وهذا قول جمهور العلماء وهو الصحيح.
الثاني- يراد بالحسنة مطلق العمل الصالح ما هو أعم من التوبة. وقد دلت على ذلك الآيات والأحاديث المتظافرة. والصحيح أن الحسنة في الحديث تشمل كلا القولين فهي تعم كل عمل صالح يكفر الخطايا والتوبة داخلة في ذلك.

الخامسة:
 للخطايا مكفرات دلت النصوص الشرعية على كثرتها وتنوعها ومن ذلك:(1) الوضوء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره). رواه مسلم.(2) الصلاة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهم الخطايا). متفق عليه.(3) (4)المشي إلى الصلاة وانتظارها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط).(5) الصوم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). متفق عليه. وقد ثبت أن صوم يوم عاشوراء وعرفة يكفران الذنوب في الماضي والحاضر.(6) القيام: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). متفق عليه.(7) العمرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). رواه مسلم.(8) الحج: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدنه أمه). متفق عليه.(9) الصدقة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار). رواه الترمذي.(10) الذكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). متفق عليه.(11) الصبر على المصائب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه). رواه البخاري.
السادسة: 
اختلف العلماء: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر فقال بعضهم تكفر الكبائر والصغائر وهو قول ضعيف لا يلتفت إليه. وذهب أكثر العلماء إلى أنها لا تكفر سوى الصغائر أما الكبائر فلا بد لها من توبة خاصة لأن الله أمر العباد بالتوبة وجعل من لم يتب ظالما ولأن الشارع رتب كفارات وحدود لبعض الكبائر ولو كانت مجرد الأعمال الصالحة تكفرها لما شرع ذلك ولقول الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). ويفسر الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر). متفق عليه. وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله لكثرة الأدلة عليه وموافقته لقواعد الشرع ومقاصده ولو كانت الكبائر تكفر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل. فعلى المسلم المتلطخ بالكبائر أن لا يغتر بعمله الصالح ويوقن أن هذه الكبائر تتقحم به النار في الآخرة ما لم يتب منها ويقلع عنها في الدنيا وليعلم أن الموقف خطير بين يدي الرب الجليل.
السابعة:
 الخلق الحسن من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به وإنما أفرده النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر للحاجة إلى بيانه فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده لذلك يقصر كثير من الصالحين في حقوق الخلق أو يهملونها بالكلية لاشتغالهم بحقوق الله فجمع النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في وصيته بين حق الله وحق عباده. وقد تكاثرت النصوص على فضل حسن الخلق والأمر به كما قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً). وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس). وجماع حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق). رواه مسلم. وقال ابن المبارك: (هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى). وقال الشعبي: (حسن الخلق البذل والعطية والبشر الحسن). ولحسن الخلق أنواع كثيرة تعود إلى معناه منها: التواضع والجود والحلم والأناة والرفق والوفاء والصدق والنصيحة وأداء الأمانة والستر والإصلاح والرحمة وبر الوالدين والصلة والشجاعة والإيثار والعفو والبشر وطيب الكلام والعدل. ولحسن الخلق فوائد جمة ومزايا عظيمة: دخول الجنة وتثقيل ميزان العبد وكمال الإيمان وقرب المجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وبلوغ منزلة رفيعة في الدين وزيادة العمر وبسط الرزق وكشف الكرب واندفاع النقم وكسب محبة الخلق في الدنيا. 
الثامنة:
 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ما ترك خيرا إلا تمثل به وما ترك سوءا إلا هجره وكان قدوة حسنة في جميع أبواب الخير وخصال الإيمان كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وقال أنس (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا) متفق عليه. وقد أثنى عليه الله سبحانه بقوله ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ). وكان يتمثل أخلاق القرآن الفاضلة كما قالت عائشة واصفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان خلقه القرآن). وكان كلامه وألفاظه من أطيب الكلام كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا) متفق عليه. وكان رفيقا بأهله وولده كما قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). رواه الترمذي. وكان رفيقا بخادمه كما قال أنس: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي أفا قط ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا). رواه مسلم. وكان حليما بأصحابه وكان متواضعا غاية التواضع وكان زاهدا في حطام الدنيا لا ينازع الناس في دنياهم وحظوظهم وكان متفانيا في هداية الخلق لربهم وكان رفيقا عادلا مع الكفار وكان رفيقا في إرشاد الجاهل والفاسق والتائب إلا إذا اقتضت المصلحة في التعنيف عنف وكان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت محارم الله غضب لله ونصرة لدينه والحاصل أن الله حباه وجبله ووفقه لمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات فينبغي للمسلمين أن يتخذوا حياته وشمائله وفضائله مدرسة وقدوة حسنة للتربية على حسن الخلق ونشرها في الأجيال والمراكز التعليمية والدورات التدريبية. فأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في محبته واتباعه في هديه ظاهرا وباطنا ونصرة دينه والاجتهاد في نشر سنته.

08‏/09‏/2016

فضل يوم عرفة مقال في غاية من الرعوة

فضل يوم عرفة
د. راشد بن معيض العدواني


إن الليالي والأيام، والشهور والأعوام، تمضي سريعا، وتنقضي سريعا؛ هي محط الآجال؛ ومقادير الأعمال فاضل الله بينها فجعل منها: مواسم للخيرات، وأزمنة للطاعات، تزداد فيها الحسنات، وتكفر فيها السيئات، ومن تلك الأزمنة العظيمة القدر الكثيرة الأجر يوم عرفة تظافرت النصوص من الكتاب والسنة على فضله وسأوردها لك أخي القارئ حتى يسهل حفظها وتذكرها :

1- يوم عرفة أحد أيام الأشهر الحرم قال الله- عز وجل- : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) [سورة التوبة : 39]. والأشهر الحرم هي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب ويوم عرفه من أيام ذي الحجة.

2- يوم عرفة أحد أيام أشهر الحج قال الله - عز وجل- : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) [سورة البقرة : 197] وأشهر الحج هي : شوال ، ذو القعدة ، ذو الحجة.

3- يوم عرفة أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله عليها في كتابه قال الله - عز وجل- : (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [سورة الحج:28]. قال ابن عباس –رضي الله عنهما : الأيام المعلومات : عشر ذي الحجة.

4- يوم عرفة أحد الأيام العشر التي أقسم الله بها منبها على عظم فضلها وعلو قدرها قال الله - عز وجل- : (وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) [سورة الفجر:2]. قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : إنها عشر ذي الحجة قال ابن كثير: وهو الصحيح.

5- يوم عرفة أحد الأيام العشرة المفضلة في أعمالها على غيرها من أيام السنة: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما من عمل أزكى عند الله - عز وجل- ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى قيل: ولا الجهاد في سبيل الله - عز وجل- ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله - عز وجل- إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه الدارمي وحسن إسناده الشيخ محمد الألباني في كتابه إرواء الغليل.

6- يوم عرفة أكمل الله فيه الملة، وأتم به النعمة، قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- : إن رجلا من اليهود قال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال : أي آية؟ قال: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا) [ سورة المائدة:5]. قال عمر – رضي الله عنه- : قد عرفنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.

7- صيام يوم عرفة : فقد جاء الفضل في صيام هذا اليوم على أنه أحد أيام تسع ذي الحجة التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها فعن هنيدة بن خالد-رضي الله عنه- عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر : أول اثنين من الشهر وخميسين) صححه الألباني في كتابه صحيح أبي داود.
كما جاء فضل خاص لصيام يوم عرفة دون هذه التسع قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صيام يوم عرفة : يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) رواه مسلم في الصحيح وهذا لغير الحاج وأما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف.

8- أنه يوم العيد لأهل الموقف قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام ) رواه أبو داود وصححه الألباني .

9- عظم الدعاء يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة ) صححه الألباني في كتابه السلسة الصحيحة. قال ابن عبد البر – رحمه الله - : وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره.

10- كثرة العتق من النار في يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة) رواه مسلم في الصحيح.

11- مباهاة الله بأهل عرفة أهل السماء قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء) رواه أحمد وصحح إسناده الألباني .

12- التكبير : فقد ذكر العلماء أن التكبير ينقسم إلى قسمين : التكبير المقيد الذي يكون عقب الصلوات المفروضة ويبدأ من فجر يوم عرفة قال ابن حجر –رحمه الله- : ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث وأصح ما ورد عن الصحابة قول علي وابن مسعود _ رضي الله عنهم_ أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى) .
وأما التكبير المطلق فهو الذي يكون في عموم الأوقات ويبدأ من أول ذي الحجة حيث كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم يخرجون إلى السوق يكبرون ويكبر الناس بتكبيرهما) والمقصود تذكير الناس ليكبروا فرادى لا جماعة .

13- فيه ركن الحج العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) متفق عليه.
هذا ما تيسر جمعه سائلا الله أن يتقبل منا ومن المسلمين أعمالهم وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

كتبه
د. راشد بن معيض العدواني
عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام
كلية الدعوة بالمدينة. 

22‏/07‏/2016

قصيدة في الحكم والأدب

شاعر وقصيدة (10)
لامية ابن الوردي
عمر بن المظفر , ابن الوردي
د. بدر عبد الحميد هميسه


الشاعر هو : هو عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس. أبو حفص زين الدين بن الوردي المصري الكندي. 691 - 749 هـ / 1292 - 1349 , ولد في معرة النعمان غرب حلب . تولى قضاء حلب ثم قضاء منبج . فقيه, أديب, شاعر. أجاد المنظوم والمنثور. من تصانيفه (تتمة المختصر في أخبار البشر) لخص فيه كتاب (المختصر في أخبار البشر) لأبي الفداء ثم أضاف إليه أحداث عشرين سنة من (729 - 749ه) وله (خريدة العجائب وفريدة الغرائب) أكثره في الجغرافية وفيه كلام عن المعادن والنبات والحيوان ولكن تغلب عليه الصفة الأدبية الخيالية. وكتاب (المنح) . وله في الفقه (المسائل المذهبية) وله كتب في اللغة والنحو والشعر وعدد من المقامات, منها مقامة في الطاعون العام, مقامة الصوفية, المقامة الدمشقية المسماة (صفوة الرحيق في وصف الحريق) أي حريق دمشق. انظر ترجمة ابن الوردي في : الوافي بالوفيات 7/26 , العبر للذهبي 4/150 , الأعلام للزركلي5/67 .

وأما القصيدة: فهي قصيدة ( اللامية ) المشتهرة بلامية ابن الوردي, وتعد من أروع قصائده والتي يقول فيها :

اعتزل ذِكرَ الأغاني والغَزَلْ * * * وقُلِ الفَصْلَ وجانبْ مَـنْ هَزَلْ
ودَعِ الـذِّكـرَ لأيـامِ الصِّبا * * * فـلأيـامِ الصِّبـا نَـجمٌ أفَـلْ
إنْ أهنا عيـشةٍ قـضيتُهـا * * * ذهـبتْ لذَّاتُهـا والإثْـمُ حَـلّ
واتـرُكِ الغادَةَ لا تحفلْ بها * * * تُـمْسِ فـي عِزٍّ رفيعٍ وتُجَلّ
وافتكرْ في منتهى حُسنِ الذي* * * أنـتَ تـهواهُ تجدْ أمـراً جَلَلْ
واهجُرِ الخمرةَ إنْ كنتَ فتىً * * * كيفَ يسعى في جُنونٍ مَنْ عَقَلْ
واتَّـقِ اللهَ فتـقوى الله مـا * * * جاورتْ قلبَ امريءٍ إلا وَصَلْ
ليسَ مـنْ يقطعُ طُرقاً بَطلاً * * * إنـما مـنْ يـتَّقي الله البَطَـلْ
صدِّقِ الشَّرعَ ولا تركنْ إلى * * * رجـلٍ يـرصد في الليل زُحلْ
حارتِ الأفكارُ في حكمةِ مَنْ * * * قـد هـدانـا سبْلنا عزَّ وجَلْ
كُتبَ الموت على الخَلقِ فكمْ * * * فَـلَّ من جيشٍ وأفنى من دُوَلْ
أيـنَ نُمـرودُ وكنعانُ ومنْ * * * مَلَكَ الأرضَ وولَّـى وعَـزَلْ
أيـن عادٌ أين فرعونُ ومن * * * رفـعَ الأهرامَ مـن يسمعْ يَخَلْ
أينَ من سادوا وشادوا وبَنَوا * * * هَـلَكَ الكلُّ ولـم تُـغنِ القُلَلْ
أينَ أربابُ الحِجَى أهلُ النُّهى * * * أيـنَ أهـلُ العلمِ والقومُ الأوَلْ
سيُـعيـدُ الله كـلاً منـهمُ * * * وسيَـجزي فـاعلاً ما قد فَعَلْ
إيْ بُنيَّ اسمعْ وصايا جَمعتْ حِكمـاً * * * خُصَّتْ بهـا خيرُ المِللْ
أطلبُ العِلمَ ولا تكسَلْ فمـا * * * أبعـدَ الخيرَ على أهـلِ الكَسَلْ
واحتفـلْ للفقهِ في الدِّين ولا * * * تـشتغلْ عنـهُ بـمالٍ وخَـوَلْ
واهـجرِ النَّومَ وحصِّلهُ فمنْ * * * يعرفِ المطلوبَ يـحقرْ ما بَذَلْ
لا تـقلْ قـد ذهبتْ أربابُهُ * * * كلُّ من سارَ على الدَّربِ وصلْ
في ازديادِ العلمِ إرغامُ العِدى * * * وجمالُ العلمِ إصـلاحُ العمـلْ
جَمِّلِ المَنطِقَ بالنَّحو فـمنْ * * * يُـحرَمِ الإعرابَ بالنُّطقِ اختبلْ
انـظُمِ الشِّعرَ ولازمْ مذهبي * * * فـي اطَّراحِ الرَّفد لا تبغِ النَّحَلْ
فهوَ عنوانٌ على الفضلِ وما* * * أحسنَ الشعرَ إذا لـم يُـبتـذلْ
ماتَ أهلُ الفضلِ لم يبقَ سوى* * * مقرف أو من على الأصلِ اتَّكلْ
أنـا لا أخـتارُ تـقبيلَ يدٍ * * * قَـطْعُها أجملُ مـن تلكَ القُبلْ
إن جَزتني عن مديحي صرتُ في* * * رقِّها أو لا فيكفيني الخَـجَلْ
أعـذبُ الألفاظِ قَولي لكَ خُذْ * * * وأمَـرُّ اللفظِ نُطـقي بِلَعَـلّْ
مُلكُ كسرى عنهُ تُغني كِسرةٌ * * * وعـنِ البحرِ اجتزاءٌ بالوَشلْ
اعـتبر (نحن قسمنا بينهم) * * * تـلقهُ حقاً (وبالحـق نـزلْ)
ليس ما يحوي الفتى من عزمه * * * لا ولا ما فاتَ يومـاً بالكسلْ
اطـرحِ الدنيا فمنْ عاداتها* * * تخفِضُ العاليْ وتُعلي مَنْ سَفَلْ
‍عيشةُ الرَّاغبِ في تحصيلِها * * * عيشـةُ الجاهـلِ فيهـا أو أقلْ
كَـمْ جَهولٍ باتَ فيها مُكثراً * * * وعليـمٍ باتَ منهـا فـي عِلَلْ
كمْ شجاعٍ لم ينلْ فيها المنى * * * وجبـانٍ نـالَ غاياتِ الأملْ
فاتـركِ الحيلةَ فيها واتَّكِلْ * * * إنـما الحيلةُ فـي تركِ الحِيَلْ
‍أيُّ كفٍّ لمْ تنلْ منها المُنى * * * فرمـاهـا اللهُ منـهُ بـالشَّلَلْ
لا تقلْ أصلي وفَصلي أبداً إنما* * * أصلُ الفَتى ما قـد حَصَلْ
‍قدْ يسودُ المرءُ من دونِ أبٍ * * * وبِحسنِ السَّبْكِ قدْ يُنقَى الدَّغّلْ
‍إنـما الوردُ منَ الشَّوكِ وما * * * يَنـبُتُ النَّرجسُ إلا من بَصَلْ
‍غـيرَ أني أحمـدُ اللهَ على* * * نسبـي إذ بـأبي بكرِ اتَّصلْ
‍قيمـةُ الإنسانِ مـا يُحسنُهُ * * * أكثـرَ الإنسـانُ منـهُ أمْ أقَلْ
أُكـتمِ الأمرينِ فقراً وغنى * * * واكسَب الفَلْسَ وحاسب ومن بَطَلْ
‍وادَّرع جداً وكداً واجتنبْ * * * صُحبةَ الحمقى وأربـاب الـخَلَلْ
‍بـينَ تبـذيرٍ وبُخلٍ رُتبةٌ * * * وكِـلا هـذيـنِ إنْ زادَ قَتَـلْ
لا تخُضْ في حـق سادات مَضَوا * * * إنـهم ليسوا بـأهلِ للزَّلَلْ
‍وتغاضى عـن أمورٍ إنـه لـم* * * يـفُزْ بالحمدِ إلا من غَفَلْ
‍ليسَ يخلو المرءُ مِنْ ضدٍّ ولَو* * * حاولَ العُزلةَ في راسِ الجبَلْ
مِلْ عن النَمَّامِ وازجُرُهُ فما * * * بلّغَ المـكروهَ إلا مـن نَقَـلْ
دارِ جارَ السُّوءِ بالصَّبرِ وإنْ * * * لـمْ تجدْ صبراً فما أحلى النُّقَلْ
‍جانِبِ السُّلطانَ واحذرْ بطشَهُ * * * لا تُـعـانِدْ مَنْ إذا قـالَ فَعَلْ
‍لا تَلِ الأحكـامَ إنْ هُمْ سألوا* * * رغـبةً فيكَ وخالفْ مَنْ عَذَلْ
‍إنَّ نصفَ الناسِ أعداءٌ لمنْ * * * ولـيَ الأحكامَ هذا إن عَدَلْ
فهو كالمحبوسِ عن لذَّاتـهِ* * * وكِلا كفّيه فـي الحشر تُغَلْ
إنَّ للنقصِ والاستثقالِ فـي لفظةِ * * * القاضي لَوَعظا أو مَثَلْ
لا تُوازى لذةُ الحُكمِ بـما * * * ذاقَهُ الشخصُ إذا الشخصُ انعزلْ
فالولاياتُ وإن طابتْ لمنْ * * * ذاقَـها فالسُّمُّ فـي ذاكَ العَسَلْ
نَصَبُ المنصِبِ أوهـى جَلَدي* * * وعنائـي من مُداراةِ السَّفلْ
قَصِّرِ الآمـالَ فـي الدنيا تفُزْ * * * فدليـلُ العقلِ تقصيرُ الأملْ
إن منْ يطـلبهُ المـوتُ على * * * غِـرَّةٍ منـه جديرٌ بالوَجَـلْ
غِبْ وزُرْ غِبَّاَ تزِدْ حُبَّاً فمـنْ * * * أكثـرَ التَّردادَ أقـصاهُ المَلَلْ
‍لا يضـرُّ الفضلَ إقلالٌ كما * * * لا يضرُّ الشمسَ إطباقُ الطَّفَلْ
‍خُذْ بنصلِ السَّيفِ واتركْ غِمدهُ* * * واعتبرْ فضلَ الفتى دونَ الحُلُلْ
‍حُبّكَ الأوطانَ عجـزٌ ظاهرٌ * * * فـاغتربْ تلقَ عن الأهلِ بَدَلْ
فبمُكثِ الماءِ يـبقى آسنـاً * * * وسَـرى البدرِ بهِ البدرُ اكتملْ
أيُّـها العائبُ قـولي عبثاً * * * إن طيـبَ الـوردِ مؤذٍ للجُعلْ
عَدِّ عن أسهُمِ قولي واستتِرْ * * * لا يُصيـبنَّكَ سهـمٌ مـن ثُعَلْ
لا يـغرَّنَّكَ لينٌ مـن فتىً * * * إنَّ للحيَّـاتِ لينـاً يُـعتـزلْ
أنا مثـلُ الماءِ سهلٌ سائغٌ * * * ومتـى أُسخِـنَ آذى وقَتَـلْ
أنا كالخيزور صعبٌ كسُّرهُ * * * وهو لدنٌ كيفَ ما شئتَ انفتَلْ
غيرَ أنّي في زمانٍ مَنْ يكنْ * * * فيه ذا مالٍ هو المولَى الأجلّ
واجبٌ عند الورى إكرامُهُ* * * وقليـلُ المـالِ فيهمْ يُستقلْ
‍كلُّ أهلِ العصرِ غمرٌ وأنا * * * منهـمُ، فاترك تفاصيلَ الجُمَل
‍وصـلاةُ اللهِ ربـي كُلّما * * * طَلَـعَ الشمسُ نهـاراً وأفـلْ
للذي حازَ العُلى من هاشمٍ * * * أحمدَ المختارِ من سـادَ الأوَلْ
وعلى آلٍ وصحبٍ سـادةٍ * * * ليسَ فيـهمْ عاجزٌ إلا بَطَـلْ
 

لامية ابن الوردي بصوت جميل

13‏/06‏/2016

ذالك تأويل ما لم تستطيع عليه صبرا

{ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [سورة الكهف، الآية: 82]:
 
ثلاثة أمور لا يصبر عليها أكثر الناس ولا يتحملونها:
(1) الفشل في مشروع تحمّسوا له. 
(2) فقد حبيب تعلقوا به. 
(3) انتظار رزق خرق السفينة وقتل الغلام وحبس كنز اليتيميـن .. هي رحمـة من ربك وهي قصص تمثل ثلاثة أمور لابد أن تصادفنا في الحياة.
 
خرق السفينة: 
يمثل فشل مشروعك؛ قد يكون العيب الذي يحصل في حياتك هو سر نجاحك، ونجاتك في أمر قد يدمر نجاحك {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [سورة الكهف، الآية: 79]!
 
قتل الغلام:
يمثل فقد ما نحب؛ قد يكون فقدك لما تحب هو رحمـة لك. قال تعالى: {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [سورة الكهف، الآية: 80] وبموته تحققت 3 رحمات:
(1) رحمة للغـلام - دخوله للجنة بلا ذنب.
(2) رحمة لوالديه - إبدالهما بخير في البر بهما.
(3) رحمة للمجتمع - من الطغيان والظلم.
 
حبس كنز اليتيمين:
يمثل تأخر رزقك؛ قد يكون تأخر الوظيفـة /الزواج / الأطفال في حياتك خير لك ورحمة {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا} [سورة الكهف، الآية: 82] فقد كان اليتيمان عرضـة للأطماع وكانا في ضَعف عن تـدبـر أموالهما.
 
هي قصص تمثل 3 محاور رئيسة مـن قصـص حياتنا اليومية أراد الله أن يبين لنا بها أن الأصل في أمورنا كلها هي الرحمـة فلا نحزن على الظاهر وننسى الرحمات المبطنـة فيها من الله تعالى كل ذلك تجده في سورة الكهف التي جاء الأثر بفضيلة قراءتها يوم الجمعة.

سورة الحاقة - ستبكى من قلبك حتما بعد سماع هذه القراءة وبكاء الشيخ العوسي

02‏/06‏/2016

رمضان أهلا يا شهر الخير والبركة

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ))
هذه الآية وهي قوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ )):
هي آية تفسيرية للأيام التي أمرنا في الصيام فيها في قوله تعالى :
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ))
والشهر بعمومه :
إنا سمي بهذا الاسم لاشتهاره بين الناس
ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :
((الصوم يوم يصوم الناس ، والفطر يوم يفطر الناس  ))
ولذا يرى بعض العلماء: أن من رأى الهلال وحده يعني من رأى هلال رمضان لوحده فإنه لا يصوم مع أنه رآه فإذا رأى الهلال ثم ردت شهادته فإنه والحالة هذه عند بعض العلماء لا يصوم
لماذا ؟
لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((الصوم يوم يصوم الناس،والفطر يوم يفطر الناس  ))
ولأن الشهر ما هلَّ واشتهر بين الناس  ، وهذا الشهر لم يشتهر إلا عند هذا الشخص بمفرده
وسمي رمضان بهذا الاسم :
– وكان يسمى في الجاهلية ناتق يسمى بشهر ناتق لكنه في الإسلام سمي برمضان
لماذا سمي شهر رمضان بهذا  الاسم ؟
قال بعض العلماء :
لأنه يرمض يعني يحرق الذنوب
فمن مزايا هذا الشهر:
أنه يحرق  الذنوب مأخوذ من :
الرمضاء
وذلك أن الرمل إذا ضربته الشمس انبعثت منه حرارة وكذلك الأرض إذا ضربت بحرارة الشمس يقال : هذه أرض  رمضاء
ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام – كما عند مسلم – قال : (( صلاة الأوابين ))
يعني :
صلاة الضحى وصلاة من هو أوَّاب  رجَّاع تواب إلى الله :
(( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ))
يعني  :
حين يشتد الحر
يعني : قبيل الظهر بما يقارب النصف الساعة أو أكثر بقليل
هذا هو وقت صلاة الأوابين يؤدون فيه صلاة الضحى
قال عليه الصلاة والسلام :
(( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ))
ما هي الفصال ؟
الفصال : هي صغار الإبل فإنها تمشي في الرمضاء فإذا احترقت أخفافها من شدة الحرارة بركت
فهذا هو وقت صلاة الأوابين يصلون فيه صلاة الضحى
إذاً :
سمي هذا الشهر بهذا الاسم لأنه يرمض الذنوب ويحرقها
وهذا واضح من قوله عليه الصلاة والسلام :
((  من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
(( من قام رمضان – يعني : صلاة التراويح – من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
(( من قام ليلة القدر – وليلة القدر أين ؟ في رمضان – من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))
وقول النبي عليه الصلاة والسلام:
لما صعد المنبر وقال : آمين آمين آمين
فقال الصحابة : علام آمَّنتَ يا رسول الله ؟
فقال : آتاني جبريل وقال : يا محمد رغم انف امرئ أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأبعده الله فأدخله النار قلْ : آمين فقلتُ : آمين ))
إذاً :
هذا الشهر فرصة لنا أن نكفر فيه سيئاتنا وذلك بالإقبال على الله وبترك الذنوب
ولذا :
أتيحت لنا الأسباب هيئت لنا الفرص :
(( يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ))
وقال بعض العلماء :
سمي هذا الشهر بهذا الاسم لأن حرارة الموعظة تصل إلى القلوب
فالقلوب مقبلة :
فحينما يتحدث المتحدث وحينما يعظ الواعظ تجد أن القلوب المؤمنة التقية مقبلة على هذه  الموعظة وتستقبل هذه الموعظة برحابة صدر بل إن هذه الموعظة يكون لها أثرها الإيجابي على سلوك المسلم في هذا الشهر مما لا يكون في غيره
وقال بعض العلماء :
لأن هذا الصوم يقع في شهر حار ،
وإن كنتم تذكرون :
فإن النصارى وقع أمر وجوب  الصيام عليهم في شهر حار فلما امترض أحد زعمائهم أضافوا إليه عشرين يوما فأصبحت خمسين يوما
كما صح بذلك الخبر عن ابن حنظلة الصحابي رضي الله عنه
ثم لما شق عليهم هذا العدد في هذا الشهر الحار نقلوه إلى شهر ربيع
ولذا سيأتي معنا في قوله تعالى :
((وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ))
على أوجه بعض التفسير :
أن الله هدانا لهذا الشهر مما لم يهد إليه النصارى وهذا كيوم الجمعة :
فإن النبي عليه الصلاة والسلام :
قال عن يوم الجمعة :
(( أضل الله عنه اليهود والنصارى ، وهدانا الله له فالجمعة لنا والسبت لليهود والأحد للنصارى ))
فلوقوع الصيام في هذا الشهر الحار:
سمي برمضان
ولا مانع أن تصدق هذه الأوصاف كلها على هذا الشهر
فقوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ ))
ما مزاياه ؟
ما سماته ؟
((الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
فإذا كان هذا الشهر امتاز على غيره من بين سائر الشهور أن القرآن  أنزل فيه
فما هو واجبنا تجاه هذا الكتاب العظيم في هذا الشهر العظيم ؟
ما واجبنا ؟
ما الذي يلزمنا ؟
ما الذي ينبغي لنا ؟
أن نحرص على تلاوة هذا الكتاب في هذا الشهر، وأن نتأمل أثناء قراءته وأن نتدبر
لماذا ؟
لأنه شهر القرآن
ولذا يذكر القرآن مع الصيام في أحاديث مما يدل على أن تلاوة كتاب الله جل وعلا مع الصوم له مزية لا تكون في وقت غير الصيام :
قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( الصيام والقرآن – انظروا كيف جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين هاتين العبادتين ))
ما هاتان العبادتان ؟
الصيام وتلاوة القرآن
قال :
(( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام : ربي  منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن : ربي  منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان ))
وهذا القرآن ينافح عنك
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:
في معجم الطبراني وحسنه الألباني رحمه الله قال :
(( إن القرآن ليلق صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول : أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرتُ ليلك فيعطى  ويقال له : اقرأ وكلما قرأ آية ارتفع درجة في الجنة ))
سورة البقرة وآل عمران :
تأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان تحاجان عن صاحبهما
هذا القرآن كنز ودرة ثمينة بين أيدينا :
فواجب علينا :
أن نحرص عليه حتى نحوز الفضل والثواب العميم من الله جل وعلا  ولاسيما في هذا الشهر
أيها الأحبة في الله :
نحن الآن في الليلة الثانية عشرة :
هل خُتمَ كتاب الله جل وعلا ؟
كلٌ يسأل نفسه
كان السلف-  بل قبل ذلك في هذا الشهر-  يجب أن تفرغ الأذهان من الأشغال ، ومن الصوارف ، وأن تقبل على الله جل وعلا
فهذا الشهر أيام
كان العلماء في السابق إذا دخل هذا الشهر رفعوا أيديهم عن الكتب لا يقرءون ولا يدرسون ولا يعلمون
وإنما قراءة لكتاب الله جل وعلا لأنه شهر القرآن بدليل قوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ))
كان البعض منهم يختم في اليوم مرة واحدة
بل ذُكر عن الشافعي رحمه الله:
أنه يختم في رمضان ستين ختمة :
ختمة بالليل ، وختمة بالنهار
النبي عليه الصلاة والسلام كان جبريل يدارسه القرآن
متى ؟
في رمضان وإذا دارسه :
ماذا قال ابن عباس ؟
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة
لماذا ؟
القرآن يؤثر في النفوس
نحن الآن نتلو كتاب الله جل وعلا ولكن التأثير قليل بل إن البعض إذا قرأ صفحة أو صفحتين ملت نفسه
وهذه مصيبة ومرض عضال ينبغي أن نتعافى منه ، وأن نبحث عن السبب
ولذا قال عثمان رضي الله عنه قال :
(( لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم ))
لو طهرت هذه القلوب من الذنوب ما شبعت من كلام ربكم
يقول شيخ الإسلام رحمة الله عليه عند قوله تعالى :
{لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }
الواقعة79
الذين هم الملائكة طهروا من الله جل وعلا
قال :
(( كلما كان المسلم طاهر القلب نظيف القلب من الذنوب كلما كان أفهم لكتاب الله جل وعلا ))
يقول بعض السلف :
كان يشق عليّ قيام الليل يقول :
(( كابدته عشرين سنة ثم تلذذت به عشرين سنة ))
إذاً :
هو لذة راحة
عثمان رضي الله عنه قائل هذه المقولة التي أسلفتها :
(( لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم )) مات والمصحف بين يديه
أعز بيت في الدنا بيت ربنا
وخير جليس في الزمان كتابه
ما لك أنيس إلا كتاب الله
لن تجد الراحة إلا معه :
((وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ))
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ ))
ولذا قال جل وعلا :
((الم{1} ذَلِكَ الْكِتَابُ )) :
أول سورة البقرة :
((ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2} ))
لن تجد الراحة إلا إذا تلوت كتاب الله جل وعلا بالتأمل بالتدبر
ولذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما :
يقول :
(( لأن أقرأ سورة أرتلها – يعني بتدبر – أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله ))
ابن مسعود يقول :
(( لا تهذوا هذا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ))
هكذا
ولذا فهم الصحابة رضي الله عنهم أن هذا القرآن منبع الخير وسعادة الإنسان
فيقول أبو عبد الرحمن السلمي :
(( حدثنا الذين كانوا يُقروءننا القرآن كابن مسعود وعثمان أنهم ما كانوا يتجاوزون عشر آيات حتى يحفظوها ويتعلموها ويعملوا بما فيها قال :
((فجمعوا بين العلم والعمل ))
إذا سدت عليك الأبواب إذا  ضاقت عليك الحيل إذا نزلت بك الهموم إذا ادلهمت بك الكروب اقرأ كتاب الله جل وعلا تجد الراحة والسعادة والطمأنينة
شيخ الإسلام رحمة الله عليه:
لما سجن ظلما واعتداء وعدوانا لما سجن حبس في القلعة ثم منعت منه الكتب  ومنعت منه الأقلام ومنعت منه الأوراق
كُفت يداه عن العلم فماذا صنع ؟
معه كنز في قلبه
ولذا ماذا  كان يقول ؟
يقول :
(( أنا جنتي في  قلبي  ))
يقول :
(( مساكين هؤلاء  حبسوني ولم يعرفوا الكنز والدرر التي أحملها ))
ولذا لما أودعوه في السجن وأغلقوا الباب قال : ((فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }الحديد13
يقول :
(( أنا جنتي في صدري  ))
جنة ماذا ؟
التلذذ بكتاب الله
(( أينما رحلت فهي معي لا تفارقني ))
حافظ لكتاب الله جل وعلا :
(( إن حبسوني فخلوة ، وإن قتلوني فشهادة ، وإن أخرجوني من بلدي فسياحة ))
يقول :
(( والله لو نفوني )) ـــــــــ انظروا إلى حسن الظن بالله عز وجل
هذا رجل يتحدث ، وهو يثق بالله جل وعلا
يقول :
(( لو نفوني إلى قبرص  )) ــــ وكانت في ذلك الوقت ليست بديار إسلام
قال :
(( لو نفوني إلى قبرص لدعوتهم ولأسلموا ))
ثقة بالله
ابن القيم يقول :
(( كنا نزوره في السجن ))
يقول :
(( نحن  خارج السجن فإذا اشتدت بنا المخاوف وساءت منا الظنون آتيناه في السجن فما هو إلا ان يحدثنا ونحدثه حتى يذهب عنا ذلك كله ))
يفرج عنهم
هو في السجن يفترض أن يكون العكس :
حينما تأتي إلى سجين تنفس عنه ترفع عنه بعض همومه تسليه ببعض الكلمات
سبحان الله!
أما أن يكون العكس السجين هو الذي يخفف عن الزائر
هذا يدل على يدل ماذا  ؟
يدل على عظم الإيمان الذي وصل إليه رحمة الله عليه
فمنعت منه الكتب ومنع أصحابه وطلابه أن يزوره وكان ممن سجن معه أخوه
يقول :
(( فجعل يتلو كتاب الله جل وعلا كلما ختمه عاد ))
وهذا دأبه
فصدرت منه كلمة
حبس من هؤلاء  ظلما واعتداء  وبغيا ولما منع أصبح هذا المنع الذي في ظاهره نقمة أصبح لديه نعمة لأنه تفرغ بقلبه وقالبه وكليته على هذا القرآن العظيم :
فيقول :
(( والله لو أعطيتُهم ملء هذه القلعة ذهبا على أن أوفي لهم هذه النعمة ما وفيت بحقهم ))
يقول :
هم أصبحوا سببا في  حصول هذا النعيم القلبي لي
وليس  هذا بعجب
ولذا يقول أخوه :
(( جعل يتلو كتاب الله جل وعلا فلفظ أنفاسه الأخيرة عند قوله تعالى :
((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ{54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ{55}  ))
هذه إن شاء الله علامة ودلالة على حسن خاتمة هذا الرجل
إذاً هذه لذة
يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله يقول :
(( لو يعلم الملوك ))
الملوك ماذا لديهم من النعيم الحسي ؟
من نعيم الدنيا ؟
حدِّث  ، وحدِّث ، وحدِّث
ربما لا تستطيع أن تصف النعيم الذي يتقلب فيه الملوك صباح مساء ولاسيما في هذا الزمن مع التقدم والرقي والتقنية  والكماليات
يقول :
(( لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليها بالسيوف ))
لحاربونا عليها بالسيوف حتى يأخذوا منها ولو جزءا يسيرا من هذه النعمة
نعمة ماذا ؟
نعمة العبادة
نعمة تلاوة كتاب الله عز وجل
يقول بعض السلف :
" إنه ليمر بقلبي أحيانا ساعات أقول من اللذة والسعادة والأنس والطرب يقول :
(( يمر بقلبي ساعات أقول : إن كان أهل الجنة ماذا ترون وماذا تسمعون من كلام الله عز وجل عن نعيم أهل الجنة ؟
(( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ))
ويقول :
(( إنه ليمر بالقلب ساعات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم الآن إنهم لفي نعيم ))
يقول :
إن كان هذا النعيم الذي أشعر به هو في الجنة والله إنهم لفي نعيم
هل نشعر بهذا النعيم ؟
يقول بعض السلف :
(( مساكين أهل الغفلة ))
ربما توافرت له أسباب الراحة والسعادة والحياة من ملذاتها من مطالبها من شهواتها ومع ذلك –
سبحان الله ! – لا تزيده هذه الملذات والشهوات إذا كان منصرفا عن الله لا تزيده إلا ضيقا وحرجا  :
((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ))
ما هو ذكره جل وعلا ؟
هذا القرآن
((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ))
((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ{13} وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ{14} ))
يقول ابن القيم :
(( لا تظن ان النعيم الذي هو للأبرار والجحيم الذي هو للفجار إنما هو محصور في الآخرة لا بل في الدور الثلاث ))
الأبرار في  نعيم :
في  دنياهم
وفي قبورهم
وفي أخراهم
الفجار في  جحيم :
في  دنياهم
وفي قبورهم
وفي أخراهم
فنحن بحاجة ماسة أكيدة إلى أن نرجع إلى كتاب الله
وخذ  من الفوائد والثمرات إذا أقبلت على هذا الكتاب
والله ما سعدت الأجيال الماضية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا انتصرت ولا ارتفعت لها راية ولا علت لها كلمة إلا بهذا القرآن
والله لو عاد المسلمون إلى كتاب الله لصلحت أحوالهم في جميع الأشياء
والله لو كان هذا القرآن يتلى في بيوت المسلمين ويعمل به في بيوت المسلمين لما وجدت البيوت هما ولا حزنا ولا مرضا
نعم
نور
هدى
لكن من يقبل عليه ؟
بل  كلما تلوته تؤيد :
(( ما اجتمع قوم – كما عند مسلم – ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ــ
هذا هو موضع الشاهد : يتلون ماذا ؟
- يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ))
أسيد بن حضير :
لما كان يقرأ سورة الكهف في الليل – لكن قراءة بتأمل بتدبر – وكان لديه فرس وعنده ابن صغير رضيع يدعى بيحيى ، فلما تلا سورة الكهف إذا به يسمع لهذا الفرس صهيلا فخشي أن تطأ هذا الطفل الرضيع ، فإذا سكت عن القراءة سكنت الفرس ، يعود إلى القراءة تعود الفرس إلى الصهيل ثلاث مرات
فقام خيفة على هذا الرضيع أن تطأه الفرس
فيقول :
قمت فلما قمت رأيت مثل الظلة في السماء
نور
فلما أصبحت غدوت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرته فقال :
اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير
يعني : لماذا لم تستمر في القراءة ؟
قال : يا رسول الله إني خفت على يحيى أن تطأه
قال عليه الصلاة والسلام : تلك الملائكة دنت لصوتك ولو ظللت تقرأ لانكشفت للناس  لا تتوارى عنهم
إذاً الملائكة
ولذا :
جاء في  حديث أن المسلم كلما قرأ كلما دنا منه الملك إلى فمه ، وكلما قرأ  آية وقعت في فم الملك
(( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول : الم حرف  ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ))
الحمد :
أول كلمة في سورة الفاتحة
الحمد لك بها خمسون حسنة
فضل وكرم من الله
فلماذا  تنصرف القلوب
ولماذا لا تلتهج الألسن بقراءة هذا الكتاب ؟
والله إنها لفرصة لنا في هذا الشهر لأن المسلم في هذا الشهر يعان فيه ما لا يعان في غيره
فعلى الاقل أن يختم كتاب الله لو مرة واحدة :
هذا أقل أقل أقل أقل القليل
وإلا  يفترض  فرضا ليس بملزم وإنما على سبيل الندب ان يختم في كل ثلاث  ليال
كما كان العلماء والصحابة رضي الله عنهم يحرصون عليه
الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختمون القرآن في كل أسبوع مرة
فقوله تعالى :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))
يدل على ماذا ؟
يدل على فضل تلاوة كتاب الله عز وجل في هذا الشهر
قوله :
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))

إعداد / فضيلة الشيخ  : زيد بن مسفر البحري

25‏/04‏/2016

إرجع فصل فإنك لم تصل :

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن الصلاة هي عماد الدين، وهي صلة بين العبد وربه الكريم، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وفيها من الفضائل والأجور العظيمة التي تحفز المسلم على إدراك أهميتها، وللتحصل على هذه الخيرات فلابد للمسلم من الوفاء بكيفية أداء الصلاة كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، والإخلال بهذه الكيفية أمر يتغافل البعض عن إدراك عواقبه؛ فيهدر أجر الصلاة ولا يحقق شروط صحتها؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ، وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (البخاري ومسلم واللفظ للبخاري) .

ومعرفة كيفية الوضوء شرط من شروط الصلاة؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]، وعن أبي هُرَيرَةَ رضي الله  تعالى عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لا تُقبَلُ صلاةُ مَن أَحدَثَ حتَّى يَتوضَّأَ» (مسلم)
 وفي صحة الوضوء أجر لا ينبغي فواته؛ فعن عثمانَ بن عفَّان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «مَن توضَّأ فأحسن الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جسده، حتَّى تخرُجَ من تحت أظفاره» (مسلم)، وبعض المسلمين يجهل أركان الوضوء فلا يوفيها حقها ويكون ذلك سببا في بطلان صلاته وضياع الثواب.

معرفة كيفية الصلاة والوضوء كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أمور في غاية الأهمية، ويجب على كل مسلم أن يساهم بدور فعال في تعليم المسلمين هذه الأمور، والبدء بالأهل والمعارف ونشر المواد الشرعية التي تبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء والصلاة،  وذلك حتى تستقيم الحياة، وحتى يحافظ المسلم على زاده من الأجر يوم القيامة.

مراحل بناء فريق العمل الفعال | خالد جميل

01‏/09‏/2015

سؤال وجواب مهم

السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكرمني الله بعائلةٍ مُحِبَّة للخير، تنسى الإساءة، وتُكرم الضيف، وتُحسن إلى اليتيم وتَصِل الرَّحِم، لكن للأسف كلُّ هذا يقابَل بالإساءة من الآخرين، ولا نجد مَن، يعترف بالجميل، بل قد يصل الأمر إلى الظلم والعنف والإساءة للسمعة والتجريح!
هذه المشكلةُ تُعاني منها عائلتي كلها - بكل أسف - وهنا السؤال:
هل نحن مخطئون بكثرة الإحسان لغيرنا؟ أو أن ما يحدث لنا قد يكون بسبب ذنوبنا؟ وماذا عسانا أن نفعلَ؟
الإجابة:الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ، وعَلَى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:
عظيمٌ أن يُرْجِعَ المسلم ما يَمُرُّ به من ابتلاءاتٍ إلى ذنوبه؛ فيدفعه هذا إلى التوبة العامة والخاصة؛ أعني: التوبة منالذنوب عامة، ومما اقترف مِن سيئة معينةٍ.
أما شكْواك مِن نكران الناس للمعروف، وجميل الصفات؛ فهذا كثيرٌ في الخلْق، إلا ما ندر، وهو اختبارٌ وامتحان للعبد فيما أنعم الله عليه مِن نِعَمٍ، وهذه حكمةُ الله في خلْقِه؛ خَلَقَ ليبتلِيَ ويمتحنَ ويختبرَ، فيظهر في العيان وواقع الناس ما كان مكنونًا داخل النفس، ومِن ثَم يترتب عليه آثارُه المقَدَّرة في كيان الوجود، وفق ما يظهر مِن نتائج ابتلائه.
فالحياةُ كلها - أيتها الفاضلة - ابتلاءٌ وامتحانٌ؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فالاختبارُ محكُّ الإيمانِ، ويتبين به الصادقُ مِن الكاذب، والمؤمنُ مِن المنافق، والطيبُ مِن الخبيث، فمَن صبر نجا مِن فتنة أعظم منها، ومَن لم يَصْبِرْ عليها وقَع في فتنة أشد منها.
فالفتنةُ في كل شيءٍ لا بد منها في الدنيا؛ ليعلمَ الصادق مِن الكاذب، لا سيما إن كان في الأعمال المتعدِّية للغير؛ كالصدقة، ليظهر هل يفعله لله فيصبر ويحتسب ويستمر؟ أو فعَلَهُ لغير الله؛ كحبّ الصيت، فيتحسر ويترك العمل.
فالعلاجُ الناجعُ لشكواكِ - أيتها الابنة الكريمة - هو إخلاص العمل لله، ومراقبته، واحتساب الأجر عنده سبحانه، وتحمُّل الأذى فيه، وهذا يتطلَّب استعانةً عظيمةً بالله.
واعلمي - أيتها الفاضلة - أنَّ الله تعالى امتحن عبادَهُ بعضهم ببعض؛ كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20].
وهذا عامٌّ في جميع الخلْقِ، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسلَ بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم، وتحمُّل المشاقّ في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم؟ أو يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم؟
وامتحن العلماء بالجهال؛ هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة.
وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجلَ بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين، وامتحن الآمرين بالمعروف بمَن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم؛ ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم مِن أتباع الرسل فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: {لَوْ كانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ} [الأحقاف: 11] وقالوا لنوح - عليه السلام -: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53].
فإذا رأى الشريفُ الرئيسَ المسكينَ الذليلَ قد سبَقه إلى الإيمان ومُتابَعة الرسول، حمي وأنف أن يُسلمَ، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حدٍّ سواء؟
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20]: قال الزجاج: "أي أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون".
قرن الله سبحانه الفتنةَ بالصبر ها هنا، وفي قوله: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} [النحل: 110]، فليس لمن قد فُتِنَ بفتنة دواءٌ مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة مُمَحِّصة له، ومخلِّصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة؛ قاله ابن القيِّم في إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 160-162)
فالنفسُ الإنسانيةُ مليئةٌ بالانحرافات والالتواءات، والرغائبِ وأهواءِ القلوبِ، مِن الحرص والشُّحّ وحبِّ الخير للذات، وألوان غيرها كثير مِن ذوات الصدور، والدينُ الإسلامي عالَج هذا كله لتحقيق منهج الله في الأرض في صورة عمليةٍ واقعةٍ.
والشعراءُ والأدباءُ والمصلحون أشاروا لشيءٍ مِن تلك الالتواءات النفسية، ومِن أروع ما قيل قولُ أبي الطيب المتنبِّي:
وَمَا قَتَلَ الأَحْرَارَ  كَالعَفْوِ  عَنْهُمُ        ومَنْ لَكَ بِالحُرِّ الَّذِي يَحْفَظُ اليَدَا
إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ  الكَرِيمَ  مَلَكْتَهُ        وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ  اللَّئِيمَ  تَمَرَّدَا

فاثْبُتي على فِعْلِ الخير أنت وأسرتك، وأدِّي الذي عليك في مُواجهة التواءات النفس البشرية وجهْلِها، واعتزازها بما ألِفَتْ واستكبارها، واصبروا على التكاليف الإسلامية وعلى أذى الناس؛ حتى يحكمَ الله في الوقت المقدَّر كما يريد، واجعلي دائمًا نصب عينك هذه الآية الفاذة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
وفقنا الله وجميع المسلمين للعمل بالكتاب والسنة.