مدونة المعارف

02‏/03‏/2014

فقه الدعوة الفردية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين نبينا محمد  وعلى ءآله وصحبه أجمعين 
أما بعد : 
إنها لسعادة غامرة حقًا، تلك التي يعيشها قلب الداعية المؤمن حين يطرق سمعه نداء نبي الهدى له من وراء السنين: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير مما طلعت عليه الشمس".
إنها سعادة المستبشر الطامع في ذلك الثواب الجزيل الذي وعد الله جل وعلا به كل عامل نشيط أعطى المجهود من نفسه في دلالة الخلق على ربه، ولمثل هذه السعادة كان أحد الصالحين يقول:"إذا رأيت وجه مريد صادق قد أفلح على يدي شبعت وارتويت واكتسيت كيف خرج مثله من تحت يدي".
أجل، فهذا ريّ الداعية الصادق وذاك شبعه وتلك كسوته، يوم أن يوفقه الله في نقل مسلم من ركب الهوى والضلال، إلى رحاب الإيمان والالتزام، محدثًا بذلك اختلالاً في ميزان القوة بين أولياء الرحمن وحزب الشيطان،
ثم تتوالى الانتشالات تجر من بعدُ اختلالات، حتى يأتي ذلك اليوم الموعود الذي يشفي الله فيه صدور دعاة مؤمنين، فتطيش فيه كفة الباطل المزهوة أمام كفة الحق الراسخ التليد، كان ذلك في يقين الدعاة حتمًا مقضيًا "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" (الرعد: 17).
ولكن دون هذا الأجر الجزيل وذاك النصر المأمول مفاوز وفلوات لا يجيد شق طريقها، والسير عبر دروبها إلا كل داعية بصير، ذو رأي سديد، وبصر حديد، تستقبل العقول الضمآى كلماته، وتحتضن القلوب الحيرى توجيهاته وتصويباته، القائمة على منهج الرحمة والتيسير، ...مستلهما كل ذلك من توجيه القرآن: "قُُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (يوسف:108).
تأتي هذه المقالة في إطار بيان دور الدعوة الفردية، وأسسها وأساليبها، ومراحلها.علَّها تكون خير دليل لمن يسلك هذا الدرب الصعب، أو يرنو إلى اقتحامه، وإنه يسير لمن يسَّره الله عليه.
1-أهمية الدعوة وضرورتها:
حاجة المسلم إلى توجيه أخيه المسلم وإرشاده حاجة لا تنقطع أبداً، وحاجة الأمة إلى تناصح أفرادها وتآزرهم بما يكفل لهم حفظ أمتهم ويستبقيها رفيعة العماد وطيدة الأركان، تُعدُّ أولى الاهتمامات، وأساس الضروريات.
هذا المدخل يفرض علينا طرح سؤال ملحِّ:من يتحمل عبء التبليغ والتوجيه والتعريف بالله ونبيه، وبالدين إجمالاً ؟
الجواب:إنها الأمة الإسلامية، فوظيفتها أن تدعم الخير، وأن تعلي من صوت المعروف، وأن تحمي قواعد الإيمان، وأن تجعل من كيانها موئلاً للفضائل، وأن تكره الآثام وتنكر لفاعليها، وتعقِّب على أخطائهم وخطاياهم بالتفنيد والرد. وظيفة هذه الأمة حراسة وحي السماء وإبقاء مناره عالياً يومض بالإشعاع الهادي كي يهتدي به السائرون في ظلمات البر والبحر: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (آل عمران: 104)، بل إن هذه الوظيفة هي دلالة الخيرية الواردة في الآية القرآنية: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران 110).
فكما جاء الرسول(ص) من عند الله معلما ومبشراً ونذيراً، وكما أخرج هذه الأمة من العمى إلى الهدى، فعلى أتباعه أن يشيعوا الحق الذي شرفوا به، وأن ينشروا الرسالة التي نزلت بينهم، وأن يكونوا جسراً تعبر عليه الهداية لتعم أرجاء الأرض "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً"(البقرة 143).
لقد فهم السلف الصالح هذه الوظيفة وأدرك أبعادها وجليل آثارها: فهم أن آداء الدعوة واجب، وأن إبلاغ رسالات الله حق، وأن حبس أنوار الإسلام عن التائهين والحيارى جريمة...فهموا كل هذا فانطلقوا ينشرون الخير ويوجِّهون الخلق ويرسمون للحائرين المنهج.

2-تعريف الدعوة الفرديَّة: عبارةٌ عن علاقةٍ موجَّهةٍ بين الداعي والمدعو قائمةٍ على الاحتكاك المباشر والاتصال القويِّ الذي يهدف إلى توجيه فكر المدعوِّ وسلوكه وفق المنهج الإسلاميّ.
فهي لا تحتاج إلى خطيبٍ بارع، ولا إلى عالمٍ فقيه، بل تحتاج إلى مسلمٍ ملتزمٍ بإسلامه فهماً وسلوكاً تمثَّل وصف الله تعالى لنبيِّه(ص): "عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" (التوبة 128).
فالدعوة بهذا المفهوم كالمستشفى، تعالج المرضى بالمعاصي لا الأصحاء بالطاعات، فهل يُعقل أن يستقبل المستشفى الأصحاء ويترك المرضى! فالداعي كالطبيب، لا يعقل أن يعطي الدواء لصحيح وبترك مريضاً ؟ أو أن يقاطع الطبيب المريض لأنه مريض ؟!
إن العاصي مريض يتألَّم بالأضرار التي يجنيها من معاصيه (كذب، سرقة، زنا،...) ثم هو لا يجد من يلجأ إليه غير الدعاة، أفيلجأ إلى مريض مثله أو أكثر مرضاً ؟
لو قاطع كل الدعاة من يدعونهم، فمن يدعون إذن ؟وكيف ستصل دعوتهم للناس؟! إن الكل سيشقى-دعاة ومدعوين- لغياب نظام الإسلام في حياتهم.
3-ميزات الدعوة الفردية:
هناك ميزات عدة للدعوة الفردية كما يلي:
1- الدعوة الفردية توجِّه المدعو توجيهاً متكاملاً، فلا تقتصر على جانب واحد وتهمل الباقي، وهذا ما يُعرَف بالشمولية في التربية،فمن خلالها يمكن التنبيه على كثير من الأخطاء التي يقع فيها المدعو.
2- تُحدث الدعوة الفردية صلة بين المدعو والداعية مما يهيئ المدعو للاستجابة، بخلاف الدعوة الجماعية التي لا تواصل فيها في غالب الحالات.
3- بالدعوة الفردية يمكن الرد على كثير من الشبهات التي تُلْقى على مسامع الأفراد، والتي لا يمكن التحدث بها في الدعوة الجماعية.
4 - بالدعوة الفردية يمكن إيصال الحق إلى الذين نفروا- أو نُفِّرُوا- عن سماعه وعن مجالسة الدعاة.
5- الدعوة الفردية لا تحتاج إلى غزارة علم بقدر ما تحتاج إلى حكمة في الدعوة، فالطالب في مدرسته، والموظف في مكتبه، والعامل في مصنعه، وهكذا يمكن القيام بها في أي مكان وفي أي وقت، فهي تتميَّز بالحرية المطلقة في كل الحالات والظروف.
6- تُكسب الداعية خبرة ومعرفة بأحوال الناس، وتكسر الحاجز الوهمي الذي تضعه بين الناس.
7 - تتيح للداعية أن يطبق ما تعلمه من مفاهيم؛ كالصبر، والتضحية، وهي في نفس الوقت عملية بناء لشخصيته الاجتماعية.

31‏/01‏/2014

نحو تربوية العمل الخيري

المتأمل لمسيرة العمل الخيري الإسلامي في العالم العربي والإسلامي على مدار المائة عام المنصرمة يجد مليارات عدة قد بذلت في أوجه الخير داخل المنطقة العربية وخارجها، مؤسسات وشخصيات خيرية أثرت بخيريتها في بناء وتكوين المجتمع المسلم، بدءًا من إشباع الاحتياجات الأولية للأسر الفقيرة، مروراً بتوفير فرص العمل والتعليم لشباب الأمة، انتهاءً بنشر الخيرية في أوساط البلدان غير الإسلامية حيث الفقر والجهل والكوارث.

مرت الأمة -ومازالت- بأزمات، نكبات، حروب واضطرابات كان للعمل الخيري ورواده اليد الطولى في التحرك والبذل والإنفاق والتطوع بكافة أشكاله داخل هذه الأجواء العصيبة. محن مرّ بها العمل الخيري الإسلامي ضيقت عليه نشاطاته ووسمته مما هو بريء منه، ولكن الله جعل لهذا العمل المبارك من كل ضيق مخرجًا.

هذا الرصيد التاريخي للعمل الخيري الإسلامي لم يقف عند حدود البذل والإنفاق وإشباع الاحتياجات وفقط ولكنه قدم إرثاً ضخماً من الخبرات والتجارب، إرث وعاؤه مفتوح يستوعب كل يوم خبرة جديدة وتجربة عملية أصيلة، هذا الكنز من الخبرات المهنية والخريطة البذلية المصاحبة له سواء على مستوى الباذل أو المتلقي، يشكل تأصيلاً علمياً ومنهجياً غاية في الدقة والإثراء؛ من هنا كان السؤال الجوهري؛ لماذا لا يتم استثمار هذا الإرث من الخبرات الخيرية في المناهج التربوية؟ في كافة المراحل التعليمية بدءًا من الصفوف الأولية في المراحل الابتدائية انتهاءً بالأكاديميات والكليات المتخصصة التي تخرج لنا المتخصصون في العمل الخيري، والمعدون إعدادً علمياً وعملياً؛ يسدون من خلاله حاجة السوق الخيري والمؤسسات الخيرية في كافة مناشطها وأدواتها؟

أعلم أن هناك مبادرات طرحت في هذا السياق لكنها وقفت في معظمها عند حدود الدورات التدريبية، وعلى أقصى تقدير؛ تسجيل بعض الدارسين للحصول على درجات في الدراسات العليا كدراسة عملية على نشاط من أنشطة إحدى المؤسسات الخيرية، الملفت أن بعض الأقسام التي فتحت في جامعاتنا سارت على ذات الدرب البنائي في بناء المناهج والأقسام حيث الاقتداء بالغرب، في بناء المنهج أو التفاعل مع منحة غربية من هنا أو هناك لإنشاء قسم في مجال حقوق الإنسان، أو حتى في مواجهة الكوارث وإدارة الأزمات، وجميعها تقوم على إعداد وتدريس المناهج وفق الرؤية الأممية للإنسان القافزة في أحيان غير قليلة فوق الاعتبارات الشرعية والعقدية.

طرحي في هذا المقال تقوم فكرته على "بناء منهجي" نابع من خبرتنا وثقافتنا الخيرية المتخصصة والمتفردة، والضاربة بجذورها في أعماق التاريخ حيث بذل الصحابة رضوان الله عليهم وإنفاقهم بحضور سيد البشرية والخيرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتطبيقاً للتعاليم القرآنية في البذل والإنفاق، و"بناء بشري" يقدم للسوق الخيري ذلك الشاب المعد إعدادً أكاديمياً وتربوياً لا يقل عن إعداد الطبيب المتخصص والمهندس الماهر حيث التأهيل النظري للرؤية الخيرية ذات المرجعية العقدية التي تربط الدنيا بالآخرة، والتدريب العملي الفني القائم على أنجح ما توصلت إليه الخبرة الميدانية في المؤسسات الخيرية، مع الاستفادة من التقنيات الدولية الحديثة المعينة على أداء العمل الخيري في كافة القطاعات بسهولة ويسر وكفاءة.

أولاً: البناء المنهجي للعمل الخيري الإسلامي:
وهو بناء تربوي في الأساس؛ الهدف منه تقديم جملة من المناهج التربوية المستقاة من قطاع العمل الخيري الإسلامي؛ تكون قابلة للتدريس وإعداد الطلاب في المراحل العلمية المتعددة. وهذا البناء المنهجي يحتاج إلى أمرين: (لجنة معدة، ومادة علمية أرشيفية قابلة للإعداد والترجمة التربوية).

أما اللجنة فيمكن تكوينها من خبراء العمل الخيري الإسلامي، وأساتذة طرائق التدريس وبناء المناهج بكليات التربية، وأما المادة العلمية الأرشيفية فأحسب أن هناك جهود بحثية متعددة حاولت وتحاول أرشفة العمل الخيري الإسلامي في العقود الإخيرة، ليخرج المنتج النهائي في صورة مناهج علمية قابلة للتدريس وتأهيل الطلاب، وفي ذات الإطار وحتى يتم الانتهاء من وضع تصور شامل لمناهج العمل الخيري الإسلامي أقترح على وزارات التربية في العالم العربي والإسلامي استحداث مادة للعمل الخيري الإسلامي "قديماً وحديثاً" يتم إدماجها تصاعدياً في المناهج التربوية في المراحل التعليمية المختلفة. مع إدارج برامج زيارات ميدانية شهرية أو أسبوعية للمؤسسات الخيرية النشطة في محيط المجتمع المحلي للمدارس والمعاهد قبل الجامعية.

إن هذا الاقتراح التربوي من شأنه إحداث زخماً بذلياً في أوساط طلاب المدارس، فتتلود لديهم الحاسة المرهفة نحو البذل والعطاء والمشاركة في تحمل المسؤولية البذلية نحو فقراء المجتمع وأصحاب الحاجات والأعذار؛ كما أنه يساعد على تربية النفس وتهذيبها بمشاهدة حالات واقعية قد لا يراها التلميذ في الوسط الأسري الذي يحياه، الأمر الذي من شأنه أن يحدث عنده توازن نفسيى وقناعة بعطاء الله له ونعمه عليه وعلى أسرته، وهذا الاتزان والاستقرار النفسي من شأنه أن يقوم كثيراً من السلوكيات المعوجة المصاحبة لمرحلة المراهقة الحساسة.

ثانياً: البناء البشري المتخصص في القطاع الخيري:

وهذا البناء يهتم به في الأساس منذ التحاق الطلاب بالتعليم في الصفوف الأولية، وحتى المرحلة الثانوية كما أوضحنا في المقترح السابق؛ لنأتي بعد ذلك إلى مرحلة إنشاء الكليات والأكاديميات المتخصصة في العمل الخيري الإسلامي، فيكون عندنا هذا المسمى تحديداً (كلية العمل الخيري)؛ و (أكاديمية العمل الخيري)؛ ومستقبلاً بإذن الله ( جامعة العمل الخيري الإسلامي).

أعلم جيداً أن مشروع مثل هذا يحتاج إلى تمويلات ضخمة، وكوادر معدة ومؤهلة؛ لكن وفي ظل طفرة التعليم الخاص وإنشاء المعاهد والكليات المتخصصة الخاصة، ما المانع أن تقوم إحدى مؤسسات العمل الخيري الإسلامي الكبرى في العالم العربي بإنشاء معهد أو أكاديمية متخصصة في العمل الخيري الإسلامي؛ تمنح درجة البكالوريوس في العمل الخيري؛ وتتولى هي الإنفاق على المشروع من ناحية تجهيزات المباني، وإختيار الكوادر البحثية والتعليمية وبناء المناهج التربوية، وإلاشراف على عمليات تعلم الطلاب وتدريبهم عبر أنشطتها الميدانية. لتكون هذه الأكاديمية المتخصصة لبنة لإنشاء العديد من الأكاديميات في ربوع العالم العربي والإسلامي، سواء من خلال الحكومات أو المؤسسات الخيرية الكبرى.
إن تربوية وتعليم العمل الخيري يمكنها العمل على المستويين القريب والبعيد، فمن الغد بإذن الله يمكن إقرار نظام الزيارات الميدانية الدورية لتلاميذ المدارس العربية إلى الأنشطة الميدانية للمؤسسات الخيرية المحيطة بتلك الكيانات التعليمية، ومن العام القادم بإذن الله يمكن إدماج مادة جديدة عن العمل الخيري في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، يتم إعدادها من الآن لتكون جاهزة مع بداية العام الدراسي الجديد، ومن اليوم يمكن لإحدى المؤسسات الخيرية الكبرى أن تشرع في بناء أكاديمية علمية متخصصة في العمل الخيري الإسلامي يلتحق بها كل من لديه ميول بذلية يتخصص في العمل الخيري ويحصل على شهادة معتمدة بعد أن يصبح مؤهلاً للعمل في أنشطة العمل الخيري الإسلامي المتعددة سواء الخيرية أو التنموية أو الإغاثية؛ فهل يتحقق الحلم يوماً ما ليضرب العمل الخيري بجذوره تربوياً في أعماق التعليم بكافة مراحله ومستوياته؟!

المرجع /http://ar.islamway.net/article/19621?ref=p-new

خطبة مؤثرة عن بر الوالدين للشيخ عبدالرحمن السديس الجمعة 30 ربيع الاول 14...

17‏/01‏/2014

إنَّ السَّعيدَ لَمَن جُنِّب الفِتَنَ


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلَّى الله وسلَّمَ وباركَ على عبدهِ ورسولهِ ، نبيبنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين ، أما بعد :
فَلَقَد حَلَّ بالأُمَّةِ الإسلاميّة رَزيّة عَظيمة ، وفِتنَة عَمياء ، أَقضَّت مَضاجِعَ الدُعاة الصالحين والمُجاهدين الصادقين ، وأفرَحَت أعداء الأُمَّة مِن الكُفَّار والمُنافقين ، ألا وهي : ما حَلَّ بإخواننا المُجاهدين في بلاد الشام مِن تَفَرُّق وتَحَزُّب تَحوَّلَ فيهِ الأمر مِن حَربٍ بارِدةٍ بالبيانِ إلى حَربٍ ساخنة بالسنان ، والله غالِبٌ على أمرهِ وهو العَليمُ الحَكيم { وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } ، نسأل الله عزَّ وجَلَّ أن يرحمَ الأُمَّة ويكشف الغُمَّة ، ويجعل فيما أرادهُ الخيرَ وحُسن العاقبة لعِبادهِ الصادقين المُتَّقين .

ولَقَد وقع في هذهِ الفِتنةِ مَن وقع ، فَمِنهم مَن شارَك فيها بِلسانهِ ، ومِنهم بقَلَمِهِ ، وِمنهم بِسنانهِ :{ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، و ( إنَّ السَّعيدَ لمن جُنِّبَ الفتنَ ) [ أبو داود 4263 ، وصححه الألباني ] ، ولَقَد حَذَّرَنا الله عَزَّ وَجلَّ في كِتابهِ الكَريم مِن هذهِ الفِتَن ، فقالَ سٌبحانه : { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }، وقالَ سُبحانَه : { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
كَما حذَّرنا مِن هذه الفِتَن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلَّم حيث قال : ( ستكونُ فِتَنٌ ، القاعِدُ فيها خيرٌ مِنَ القائِمِ ، والقائمُ فيها خيرٌ منَ الماشي ، والماشي فيها خيرٌ من الساعي ، ومَنْ يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ ، ومَنْ وجد مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ )[ البُخاري 3601 ، مسلم 2886 ] ، وعن أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفْسِي بيدِهِ لا تذهبُ الدُّنيا حتَّى يأتيَ على الناسِ يومٌ ، لا يَدري القاتلُ فِيمَا قَتلَ ولا المقتولُ فيمَ قُتلَ ، فقيلَ : كيفَ يكونُ ذلكَ ؟ قال : الهرْجُ ! القاتلُ والمقتولُ في النارِ ) [ مسلم 2908 ] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ويل للعرب من شر قد اقترب ، أفلح من كف يده ! ) [ أبو داود 4249 ، وصححه الألباني ] ، والأحاديث في ذلك كثيرة .

أمَّا خَوف السَلَف مِن الفِتَن ، وهروبهم منها ، ومواقفهم منها ، فكثيرة جدًا ، مِنها :

أنَّ عبدالله بن عُمَر رضي الله عنها قال : ( إِنَّمَا كَانَ مَثَلُنَا فِي الْفِتْنَةِ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا يَسِيرُونَ عَلَى جَادَّةٍ يَعْرِفُونَهَا ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ وَظُلْمَةٌ ، فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ يَمِينًا وَشِمَالا فَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ ، وَأَقَمْنَا حَيْثُ أَدْرَكَنَا ذَلِكَ حَتَّى جَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ عَنَّا ، فَأَبْصَرْنَا طَرِيقَنَا الأَوَّلَ فَعَرَفْنَاهُ وَأَخَذْنَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا هَؤُلاءِ فِتْيَانُ قُرَيْشٍ يَقْتَتِلُونَ عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا ، مَا أُبَالِي أَنْ يَكُونَ لِي مَا يُفَتِّلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ الْجَرْدَاوَيْنِ ) . [ سير أعلام النُبلاء : 3 / 237 ] .
وعن ابن سيرين قال : لَمَّا قيلَ لسعد بن أبي وَقَّاص رضي الله عنهُ : " ألا تُقاتِل ؟ ، إنَّكَ مِن أهل الشُورى ، وأنتَ أحق بهذا الأمر مِن غيرك " ، قال : ( لا أُقاتِل ! حتى يأتوني بسيفٍ لهُ عَينان ولِسان وشَفَتان ، يعرف المؤمن مِن الكافِر ، فَقَد جاهدتُ وأنا أعرِف الجِهاد ! ) . [ مجمع الزوائد : 7 / 584 ] .
وقالَ علي بن أبي طالب رضي الله عنهُ وهو يثني على موقف سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما في اعتزالهما الفتنة ويغبطهما : ( .. للهِ منزِلٌ نزلَهُ سعْدُ بنُ مالِكٍ وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ واللهِ لئِنْ كان ذنبًا إنه لصغيرٌ مغفورٌ ولئن كان حسَنًا إنه لعظيمٌ مشكورٌ ) . [ الطبراني : 1 / 106 ] وفي ضوءِ كلام ربنا سٌبحانه ، وأحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم ، ومواقف سلفنا الصالح ، أُوجِّه هذه الوصايا لأبنائي وإخواني المُسلمين ، ولا سيما الدُعاة منهم والمجاهدين ، وذلك بعدَ أن انشرح صَدري لاعتزال جميع أطراف الفتنة ، وعَقَدتُ العَزمَ إن شاء الله تعالى على إمساك اللسان ، وعَدم استقبال أي طرح أو نقاش فيها ، فلم يبق من العمر فسحة في أن يضيع في القيل والقال ، فلقد استحصدَ الزَرع ، ومالَت شمس العُمر للغروب ، ودخلتُ عشر السبعين ، معترك المنايا ، فأرجو من الإخوان المُحبين أن يلتمسوا لي العُذر في عدم التجاوب معهم في الحَديث عن هذه الفتنة حتى تنجلي ، وأرى حَقًّا عليَّ نَحو نَفسي وإخواني أن أَتوجَّه إليهم وأمواج الفِتَن تتلاطم بالوصايا التالية :

الوَصيّة الأولى : أَمسِك عليكَ لِسانك .

عن عُقبة بن عامر رضي الله عنهُ قال : قلتُ : " يا رسولَ اللهِ ، ما النَّجاةُ ؟ " ، قال : ( أمسِكْ عليكَ لسانَكَ ، وليسعْكَ بيتُك ، وابكِ على خطيئتِكَ ) . [ حديث حسن الترمذي 2406 ، وصححه الألباني ] .
هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجاة من الفتن ، ولا يَندَم مَن أمَسَكَ لسانَهُ أيام الفِتَن ، وإذا كانَ لا بُد متكلّمًا فليكن رائدهُ الإخلاص ، لا حَظَّ نفسه ، والحَذّر من الكَلام بلا علم ولا تثبّت ، فما أكثرَ الكلام اليوم بلا عِلم ، بل بالظنون السيئة والافتراءات الكاذبة وترديد كلام مَن يميل إليه ويحبه دونَ تثبّت وتوثق ، وليتحرَّ العَدل والإنصاف مَعَ مَن يُحبُّهُ ومَن يَكرههُ ، قال الله عز وجل :{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } ، وقالَ سُبحانه : { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ، ولأنَّ هذه الضوابط عَزيزة ، وقليلٌ مَن ينضبط بها ، فلا سَلامَة ولا عَافية أفضَل مِن إِمساك اللسان والقَلَم ، وقَد عَدَّ كثيرٌ من السَلَف فِتنَة اللسان في أيام الفِتَن كفتنة السيف أو أشد ، وهذا حَق ؛ لأنَّ السيف إذا ضُرِبَ به أحدٌ أَثَّر فيهِ وَحدَهُ ، وأما اللسان فيُمكِن أن تُضرَب بهِ ألف نسمة بمُجرد كَلمة يٌتَفَوَّهُ بِها ! ، بل قَد عَدُّوا المَيل القَلبي مَع فئة مِن المُسلمين ضِدَ فئة مِن الوقوع في الفِتَن .

الوَصية الثانية : التؤدة التؤدة ، والرفق الرفق .

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأشجُّ عبْدِالقيسِ : ( إن فيكَ خصلتينِ يحبهُما اللهُ : الحلمُ والأناةُ ) [ مسلم 17 ] ، ومَدَحَ صلى الله عليه وسلم التؤدَة والأناة بقوله : ( التُّؤدةُ في كلِّ شيءٍ خيرٌ إلَّا في عملِ الآخرةِ ) [ أبو داود 4810 ، وصححه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلَّم : ( إنَّ الرِفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانهُ ، ولا يُنزَعُ مِن شيءٍ إلا شَانَهُ ) [ مسلم 2594 ] ، وإذا كَانَت التؤدَة والحلم والرِفق مَحمودة في كل وقت ، فإنها في أيام الفِتَن تَكون الحاجة إليها أشد ، وآثارها الحَميدة تَكون أكثر ، وقَد مَرَّ بِنا موقف ابن عمر رضي الله عنهُ مِن الفِتنة ، وتشبيهُهُ لها بقومٍ غَشيتهم سَحابَة وظُلمَة ، حيث لم ينجُ مِنها إلا المتريَثون على الجَادة الأولى ، وهَلَكَ من عجل ، وذهبَ ذاتَ اليمين وذات الشِمال . ويقول مطرّف بن الشخَير رحمه الله تعالى : ( لأن آخذ بالثقة في القعود أحب إليَّ مِن أن ألتمِسَ فضل الجِهاد بالتغرير ) . [ سير أعلام النبلاء : 4 / 191 ] .

وإنَّ مما يُعين على التؤدَة والأناة : كَثرَة المشاورة لأهل العِلم الراسخين الربَّانيين وأهل العقل والتجربة ، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهوَ مَن هُوَ دينًا وعِلمًا وعَقلًا ويُنزل عليه الوحي ، يقول عنهُ أبو هريرة رضي الله عنهُ : ( ما رأيت أحدًا أكثر مُشاورةً لأصحابه مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . [ صحيح ابن حبان : 11 / 217 ] ، وينبغي الحَذَر من مشاورة المُسارعين إلى الفِتَن ممن قلَّ عِلمهُ وتَقواهُ .
ومما يُعين على السَداد وموافقة الَحق وتجنّب الفِتَن كَثرة استخارة الله عزَّ وَجلَّ ؛ لأنهُ الذي يَعلم ولا نَعلم ، ويقدِر ولا نَقدر ، وهو عَلّام الغيوب .
والتؤدة اليوم تتحتَّم في نقل الكَلام والتثبّت مِن صحتهِ ،وعدم نشره بلا بينة توثقه كَما تجب في الحُكم على الناس بالكفر والتبديع والتفسيق ، وتكون في اتخاذ المواقف في الحب والنُصرة والمُوالاة ، وفي البغض والهجر والمُعاداة ، كما تَنبغي التؤدة في الحكم على الوقائع والنوازل .

الوصيّة الثالثة : اعتزل جَميع أطراف الفِتنة ، كلهم !

هكذا كانَ عمل أكثر السَلَف رحمهم الله تعالى ، ففيه السَلامة والعافية ، فمَن أراد لنفسهِ النجاة من الفِتنة ، فليعتزل أطرافها ، بقلبهِ ولسانهِ ويده ، وهَذا ما وَجَّهَ إليه النبي صلى الله عليه وسلم .
ومما يتَعلَّق بالعُزلَة في زماننا اليوم : اعتزال مواقع الشبكة العنكبوتية ، ومواقع التواصل الاجتماعي ، وهجر الكتابة فيها ، ومتابعة الشائعات والمهاترات التي تدور فيها ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ... ومَن استقرأ أحوال الفِتَن التي تجري بين المسلمين ، تَبيَّنَ لهُ أن ما دَخَلَ فيها أحد فحَمِدَ عاقبة دخوله ، لما يحصل من الضرر في دينه ودنياه ، ولهذا كانت من باب المنهي عنه ، والإمساك عنها مِن المأمور به " . [ منهاج السنة 4/ 410 ].
ولا يُنجي العَبد المتورِّط في الفِتَن أن يُقَلِّد في ذلكَ أحدًا مِن المَتبوعين المُحرِّضين عليها بتأويل أو غير تأويل ، فلا ينفعهُ ذلك عندَ الله عز وجل : { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ، ولا ينفعهُ ما يُقال لهُ من وُجوب طاعة الأمير ؛ فإنَّهُ لا طاعَة في معصية الله تعالى ، والمُسلم لم يترك أهله ووطنه إلا لقتال الكفار يبتغي بذلك رضى الله عز وجل وجَنَّتَهُ ، فإذا تَحوَّلَ هذا الجِهاد إلى قِتالٍ بين المسلمين ، فليعتزل لئلا يدخل بمشاركتهِ في ذلك نار جهنم بقتل نفس مسلمة .

الوَصية الرابعة : الإكثار من العمل الصالح .

إنَّ للعمل الصالِح وكَثرة العِبادة وكثرة ذكر الله عز وجل واستغفارهِ أثرًا عظيمًا في الوقايةِ من الفِتَن والكُروب ، قبل وقوعها والنجاة منها إذا وَقَعتَ ، قال تعالى عَن نَبيّه يونس عليه الصلاة والسلام : { فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ، قال السعدي رحمه الله تعالى أي : " في وقته السابق بكثرة عبادته لربه ، وتسبيحه ، وتحميده ، وفي بطن الحوت حيث قال‏:‏ ‏{ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ " .
ومِن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( بادِروا بالأعمالِ فتنًا كقطعِ الليلِ المظلمِ ، يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرًا ، أو يمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا ، يبيعُ دينَه بعرضٍ من الدنيا ) . [ مسلم 118 ] ، وفي هذا حَثٌّ على الأعمال الصالِحة قبل تعذّرها والانشغال عنها بما يحدث مِن الفِتَن الشائكة المُتكاثِرة .
ومِن الآثار الواردة أيضًا في فضل العمل الصالح والعبادة أيام الفِتَن ما رَواه مَعقل بن يسار رضي الله عنهُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العبادةُ في الهَرْجِ كهجرةٌ إليَّ ) . [ مسلم 2948 ] ، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى : " وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين ؛ فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ، ويتبع مراضيه ، ويجتنب مساخِطه ، كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مؤمنا به ، متبعا لأوامره ، مجتنبا لنواهيه " .[ إتحاف الجماعة للشيخ حمود التويجري : 1 / 93 ].

الوصية الخامسة : الدعاء ، الدعاء !

دُعاء الله عَزَّ وَجل ، والتضرّع إليه ، والاستعانة به ، والتبرؤ من الحَول والقوّة ، مِن أنجع الوسائل وأنفعها في الوقاية مِن الفتن والنجاة منها ، وفي الِهداية إلى الحق والثَبات عليه ، لا سيما عند التباسهِ بالباطل واختلاف الناس فيه ، وذلكَ لأنَّ مالِكَ القلوب ومُقلّبها هو الله عز وجل ، لا يهدي إلى الحق ، ولا يثبّت العَبد عليه إلا هو : ( من يَهدِهِ اللَّهُ فلاَ مضلَّ لَهُ ، ومن يضلل فلاَ هاديَ لَهُ ) ، قال الله عز وجل : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء } ، وقال سبحانه عن نبيّه نوح عليه الصلاة والسلام مع ابنه : { قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } ، وقال عز وجل عن دعاء كليمه موسى عليه الصلاة والسلام بعد ما أخذت قومه الصاعقة : { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ } ، ومِن أنفع الأدعية في ذلك ما كانَ يدعو به صلى الله عليه وسلم ويحافظ عليه كل ليلة في الاستفتاح به في قيام الليل : ( اللهمَّ ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ ، أنت تحكم بين عبادِك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدِني لما اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنِك إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم ) . [ مسلم 770 ] ، ومِن ذلك ما رواه زيد بن ثابت رضي الله عنهُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تعوَّذوا باللهِ من الفتنِ ، ما ظهر منها وما بطن ) ، قالوا : " نعوذُ باللهِ من الفتنِ ، ما ظهر منها وما بطن " . [ مسلم 2867 ] .
وكذلك ما رواه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيتُ ربِّي في أحسَنِ صورةٍ ) – يعني في المنام - .. إلى أن قال :( إذا صلَّيتَ قل اللَّهمَّ إني أسألُكَ فعلَ الخيراتِ وتركَ المنكراتِ وحبَّ المساكينِ وإذا أردتَ بعبادِكَ فتنةً فاقبِضني إليكَ غيرَ مفتونٍ ) . [ الترمذي 3231 ، وصححه الألباني ] .

وهكذا كاَن دأب السَلَف عند الفِتَن ، حيث يلجأون إلى الله عز وجل ، ويَدعون بأن يُنجّيهم من الفِتَن ، فعَن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال : " لما طعنوا على عثمان رضي الله عنه ، صلى أبي في الليل ، ودعا ، فقال : " اللهم قني من الفتنة بما وقيت به الصالحين من عبادك " ، فما أخرج ولا أصبح ، إلا بجنازته . [ سير أعلام النبلاء 2 / 335 ] .

ومما ينبغي الإلحاح عليه والدُعاء به : سؤال الله عز وجل أن يجمع كلمة المجاهدين ، وأن يوحِّد صفوفهم ، ويؤلِّف بين قلوبهم وأن يُعيدهم من الفرقة والإختلاف وأن يرفع ما حل بهم من الفتنة .

أسأل الله عز وجل أن يقيني والمسلمين من الفِتَن ما وقى به الصالحين من عباده ، كما أسأله سبحانه أن يوحِّد صفوف الدعاة والمجاهدين وأن يؤلِّف بين قلوبهم ، وأن يقيهم شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم وأن ينصرهم على القوم الكافرين ، والحمد لله رب العالمين .

عبدالعزيز بن ناصر الجليّل

06‏/01‏/2014

العنوسة في الدول العربية تشكل الخطر الأعظم

ملايين من الفتيات العربيات تجاوز عمرهن سن الثلاثين ولم يدخلن عش الزوجية بعد، وهو ما يعني أن ملايين من الشباب أيضًا تجاوز سن الثلاثين، وهو عازف عن الزواج أو غير قادر على تكاليفه.

الخطير في مشكلة العنوسة إذا ما أضفنا لها نسبة المطلقات والأرامل مع ضغط الغريزة الفطرية، في ظل ضعف الوازع الديني للأسف، أن هذا كله يشكل أرضًا خصبة لانتشار أفكار وسلوكيات تدعو إلى الفاحشة، وتشرع للرذيلة والإباحية، وخاصة في ظل توافر وسائل الاتصال الاجتماعي، الأمر الذي ينتج عنه تهديد منظومة القيم بالمجتمع، وانتشار علاقات غير شرعية، وتفشي ظواهر غريبة عن مجتمعنا، كالزواج السري، وهروب الفتيات، مما ينذر المجتمع كله بكوارث أخلاقية قد لا ينجو منها بيت.

صحيح أن مشكلة العنوسة باتت من المشكلات العالمية، إلا أن أغلب هذه الدول وخاصة المجتمع الغربي تعاطت معها بأسلوب يتسم بقصر النظر، منفلت من كل ضابط، أسفر عن ملايين من الأمهات العازبات، وملايين من الأطفال الذين ولدوا من أصدقاء لا من آباء شرعيين، وهو ما سيجر مصائب وكوارث على البشرية، لا يمكن أن تقبل بها مجتمعاتنا المسلمة بأي حال.

لكن العجب كل العجب حين يكون لدى المجتمعات المسلمة حلول ربانية كاملة، وقيم إسلامية صحيحة توصي بتزويج من نرضى دينه وخلقه، وتؤكد على عدم المغالاة في المهور، والبعد عن التفاخر بالعصبيات، واجتناب الإسراف في إقامة الأعراس المكلفة، والمغالاة في شراء الذهب وغير ذلك من مظاهر البذخ والترف. ومع ذلك يكون من بين المسلمين من يفعل ذلك كله، ومنهم يتشدد في مسائل النسب والقبيلة لدرجة تقف عائقا يعطل الفتاة عن الزواج مدى حياتها، ومنهم من يرفض تزويج ابنته طمعًا في راتبها الشهري، ومن بينهم كذلك من يقدم الأعراف والعادات التي لا تمت للإسلام بصلة، وفي كل هذا مؤشر يعبر عن مدى قرب قيمنا وأعرافنا عن قيم الإسلام الصحيحة.

لقد تباطأنا كثيرًا في الأخذ بالعلاج الإسلامي، حتى تفاقمت هذه المشكلة إلى حد ينذر بالخطر، وعلى الرغم مما تقوم به بعض الجمعيات الخيرية من مساع حميدة كفكرة حفلة الزواج الجماعي التي انطلقت في عدد من البلدان العربية؛ لتوفير مصروفات حفلة مستقلة لكل زوجين، إلا أن هذه الجهود وحدها لا تكفي لمواجهة مشكلة خطيرة بهذا الحجم، إذ يجب أن تضع الحكومات العربية هذه القضية ضمن الأولويات التي تسعى لمعالجتها من خلال مواجهة مشكلة البطالة، وارتفاع الأسعار وإحداث ثورة معرفية كبرى لترقية الوعي المجتمعي ونشر قيم الإسلام وفضائله.

لقد أضحت ظاهرة العنوسة والمطلقات والأرامل مشكلة أمن قومي عربي، إن لم تتضافر الحكومات المخلصة لمواجهتها، فإن القيم والأخلاق والهوية باتت مهددة بشكل غير مسبوق عن أي وقت مضى.



03‏/01‏/2014

الحوار مع المخالفين بقلم/ محمد بن عبد السلام الأنصاري


لقد كان من سنن الله الكونية وجود الاختلاف بين الناس؛ وتباين عقائدهم ونحلهم؛ وتفرق آرائهم وأهوائهم؛ وهو مصداق قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ... ﴾ [هود: 118، 119].

وهذا الاختلاف الكوني واقع لا محالة؛ وهو من الابتلاء والتمحيص الذي بلي به بنو آدم بعضهم من بعض.

وقد أمر الله عز وجل المؤمنين الذين هم حملة الحق ومشاعل الهدى بدعوة غيرهم إلى الهدى ودين الحق الذين يحملونه؛ وكان أول المأمورين بذلك هم صفوة البشر من الرسل والأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... ﴾ [النحل: 125]. والخطاب إليهم خطاب للمؤمنين بالتبع.

وإن من أوائل طرق تبليغ الدعوة وأساليبها: أسلوب الحوار؛ فهو من أنجع الوسائل؛ ومن أقرب الطرق للوصول إلى المدعو، حيث تزاح الحواجب، وتقل الوسائط بين المرسل والمتلقي.


وللحوار أهمية بالغة في الدعوة إلى الله تعالى، ويبين تلك الأهمية الحوارات التي جرت بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبين أممهم، ومن أمثلة ذلك:


الحوار الذي جرى بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبين قومه عبدة الكواكب؛ حيث توصل بمحاورتهم إلى إبطال عقائدهم الفاسدة، وقد سجل القرآن ذلك الحوار كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[الأنعام: 74-81].


وفي موقف آخر لحوار الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه وقومه يعرض القرآن ذلك الحوار بأبهى حلة في دلالة واضحة لمكانة الحوار في الدعوة إلى الله تعالى ومكانته في إثبات الحجة وقطع ما يتشبث به المشركون؛ حيث ذكر تعالى ذلك في قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء: 51 - 70].


والحوار كما هو مطلوب مع المخالفين في المعتقد؛ فهو من باب أولى مطلوب مع الموافقين في الأصول؛ ولا يمكن إزالة الشبه العالقة في أذهان المخالفين عمومًا إلا باستنطاقهم ومجالستهم والحوار معهم.


ولذلك كان من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة بعض السلوك المنحرف أو الاعتقاد الخاطئ محاورته لأصحابه رضوان الله عليهم وتصحيح ما قد يقعون فيه من أخطاء؛ ومن أبين ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده (36/ 545) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ) إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ: " ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا ". قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: " أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ ". قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ". قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ ". قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ ". قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ ". قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "( اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ " قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ )


فانظر أخي الكريم في هذا الحوار النبوي الراقي كيف أقنع ذلك الشاب الذي تتوقد الشهوة في جسده؛ وجعله لا يلتفت إلى انتهاك أعراض المسلمين؛ ولا النظر إلى فاحشة الزنا مرة أخرى.


وقد انتهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنهج في جعل الحوار أساسًا من أساسيات الدعوة وتبليغ الرسالة وإقامة الحجة على المخالفين.


وقد ذكرت كتب التاريخ والسير حادثة الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكيف أرجع منهم الآلاف بإرسال ابن عباس رضي الله عنهما إليهم عندما ناظرهم وحاورهم؛ وبين لهم خطأ طريقهم وخطورة خروجهم على إمام المسلمين.

فالحاصل أن الحوار أساس من أسس الدعوة إلى الله تعالى؛ وركيزة أساسية لتبليغ الرسالة؛ ومنهج نبوي؛ ونهج راشدي؛ سار عليه الأئمة والعلماء.

ومن بيده الحق وهو على صراط مستقيم لا يخشى من الحوار؛ لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه؛ بل الحوار من وسائل أهل الحق؛ ولا يخشى من الحوار إلا من لا يملك من الحجة ما يدافع به عن معتقداته وآرائه.

20‏/12‏/2013

لم تعد تُغريني الدنيا !

"لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن ..."

شرح الحديث النبوي: "لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن ..."

شرح الحديث النبوي: "لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن ..."
رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ ". (الأنبياءُ لا يُسألونَ هذهِ الأسئلةَ الأربعةَ، يُسألونَ لإظهارِ شَرَفِهم هل بلَّغتم ).
المعنى أنَّ الإنسانَ لا تزولُ قدمَاهُ عن موقفِ الحسابِ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعٍ.
يُسألُ عن عُمُرِهِ فيما أفناهُ أي ماذا عملتَ منذُ بلغتَ، أدَّيتَ ما فرضَ اللهُ عليكَ واجتنبتَ ما حرَّمَ عليكَ فإنْ كانَ قد فَعَلَ ذلكَ نجا وسَلِمَ وإنْ لم يكنْ فعلَ ذلكَ هَلَكَ.
ويُسألُ عن جسدِهِ فيما أبلاهُ فإنْ أبلاهُ في طاعةِ اللهِ سَعِدَ ونجا مع النَّاجينَ وإنْ أبلَى جَسَدَهُ في معصِيَةِ اللهِ خَسِرَ وهَلَكَ.
ويُسأَلُ عَنْ عِلْمِهِ ماذَا عملَ فيهِ أي يُسألُ هل تعلّمتَ عِلْمَ الدِينِ الذي فَرضَهُ اللهُ عليكَ لأنَّ الدِّينِيَّ قِسمانِ فمنْ تعلمَ القِسمَ الضَّروريَّ وعمِلَ بِهِ سَعِدَ ونَجا، ومنْ أهْملَ العملَ بعدَ أنْ تعلّمَ خَسِرَ وخابَ وهلكَ، وكذلكَ منْ لا يتعلّمُ فهوَ أيضًا من الهالكين.
وورد في بعض الأحاديث:" وَيْلٌ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ عَلِمَ ثُمَّ لَا يَعْمَلُ". والويلُ هو الهلاكُ الشّديدُ.
وأمّا قولُهُ:"وعنْ مالِهِ منْ أينَ اكتسبَهُ وفيم أنفقَهُ " فمعناه: أنّ الإنسانَ يُسألُ يومَ القِيامةِ عنِ المالِ الذي في يدِهِ في الدُنيا فإنْ كانَ أخَذَهُ من طريقِ غيرِ الحرامِ لا يكونُ عليهِ مؤاخذةٌ لكنْ بِشَرطِ أنْ يَكونَ ما أنفقَهُ فيهِ أمرٌ أباحَهُ الشرعُ، فالنّاسُ في أمرِ المالِ ثلاثَهُ أصنَافٍ اثنانِ هالكانِ وواحدٌ ناجٍ فالهالكانِ أحدُهُما الذي جمعَ المالَ منْ حرامٍ والآخرُ الذي جمعَهُ منْ حلالٍ ثمّ صرفَهُ في الحرامِ. وكذلِكَ الذي يصرِفُهُ في الحلالِ للرياءِ هالِكٌ.

أقيموا شرع الله فينا لتكون لنا العزة ....

الاسلام  فيه العزة والتمكين :الدمقراطية ملعونة ملعون من يتحاكم إليها... 


وحده الإسلام هو الصالح لكل زمانٍ ومكانٍ.. دونه تَخفق كل نظرية وينهار كل مبدأ وتتعثر كل طريقة.
الغرب الديمقراطي يعلنها اليوم صراحةً أن الديمقراطية لا تصلح لكل زمان ومكان، فمكانها وحده هو بلاد الغرب، وحتى فيه لم يتمكنوا من تحقيقها بحذافيرها في أي حين.
 أَجمع الغرب على نحر الديمقراطية ، وكسر إرادة الشعب، وبرهن بجلاء على كفره هو بالديمقراطية، أو إيمانه بأنها لا تصلح إلا في ظروفٍ معينة وأحوالٍ خاصة.

تستطيع أن تُنفذ النظرية الإسلامية السياسية في أي مكان بالعالم، وفيه تسود العدالة فلا يُهضم الناس حقوقهم، ولا تُصادر إراداتهم، ولا يعاملون إلا معاملةً كريمةً تعلو فوق كل قيمة إنسانية، وتفوق كل معنى ضيق للحرية، لكن في مقابلها لا يمكن للديمقراطية أن تعيش في دولةٍ إسلامية، لأن أصحاب النظرية الديمقراطية يرونها حِكراً على "النبلاء" ولا يقبلونها بنظرهم لـ"العبيد"؛ فأولئك لا حق لهم في أن يعيشوا كرماء أحراراً، تماماً مثلهم مثل عبيد روما وأثينا، لا رأي لهم ولا اعتبار..هؤلاء لا نراهم إلا عبيداً، وليس للعبيد حقوق!
هذه باختصار هي حقيقة الديمقراطية في معاقلها، وهكذا يَقبل المفكرون الديمقراطيون والساسة الليبراليون العالميون تفسيرها المحلي ، كما في سائر البلدان الموازية الإسلامية على وجه التحديد، هنا العَالم "المتحضر" يقول: إن مليارين من البشر لا يحق لهم أن يحيوا في ظل نظرية نسوق لها في الكون ولكن لا نمتلك الجراءة لمنحها لثلث سكان العالم، فيما كان الفاتحون الأوائل في الأمة الإسلامية يجوبون الأصقاع ويخوضون البلدان ليطبقوا نظاماً معمول به على تخوم القرم والقوقاز مثلما يعمل به في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبغداد ودمشق.
ماذا يجري في مصر يا دعاة الدمقراطية ؟
عزنا بتمسكنا بشريعة ربنا ......
الاسلام فيه الحرية والعدالة .......
منقول بتصرف يسير .....................

30‏/10‏/2013

حَديثُ الثَّقلَينِ (كتاب الله وعترتي) (كتاب الله وسنتي) دِراسة حديثية فقهية


الحمدُ لله ربِّ العالَمِين، والصَّلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسَلين، وعلى آله وأصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى تابعيهم بإحسانٍ ومَن سار على نهجِهم واقْتفَى آثارَهم إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعدُ:

فإنَّ حديثَ الثَّقلَينِ - ((تَركتُ فِيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلُّوا: كِتابَ اللهِ، وعِترتي أهلَ بيتي))- مِن الأحاديثِ التي كثُر فيها القولُ صِحَّةً وضعفًا، وتباينتْ فيه الأفهام، واشتبه على بعضِ الناس معناه؛ فأردتُ بهذه الدِّراسة المختصرة للحديث توضيحَ الصواب فيه، وتنتظم هذه الدراسةُ في ثلاث مسائلَ:
المسألة الأولى: ألفاظ الحديث، وتخريجها.
المسألة الثانية: معنى الحديث.
المسألة الثالثة: الردُّ على الشُّبَه المثارة حوله.
المسألة الأولى: ألفاظ الحديث، وتخريجها.
جاء حديث الثَّقلين بلفظ: ((... كتاب الله، وعِترتي أهلَ بيتي)) عن جمْعٍ من الصَّحابة؛ منهم: علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخُدري، وجابر بن عبد الله، وجُبَير بن مُطعِم، وحُذيفة بن أَسيد، وزَيد بن أرقمَ، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن حَنطب، ونُبَيط بن شُرَيط، (رضي الله عنهم أجمعين)، بألفاظٍ مختلفة - كما سيأتي.

وجاء بلفظ: ((كِتَابَ الله، وسُنَّتي))، أو: ((... وسُنَّة نبيِّه)) عن جمْع من الصَّحابة أيضًا؛ منهم: عُمر بن الخطَّاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبَّاس، وأبو هُريرَة، وأبو سعيد الخدريُّ، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي نَجيحِ، وعُروة بن الزُّبير، وعَمرو بن عوف المـُزَني، وموسى بن عُقبةَ، وناجية بن جُنْدُب، (رضي الله عنهم أجمعين)، بألفاظٍ مختلفة - كما سيأتي.
وليس واحدًا منها في أحد الصَّحيحين - البخاري ومسلم - بل الذي في صحيح مسلم ليس فيه التمسُّك بالعِترة ولا بالسُّنة، بل فيه التمسُّك بالكتاب، والوصيةُ بالعترة، ولفظُه: ((أنا تاركٌ فِيكم ثَقلينِ: أوَّلهما: كتابُ الله، فيه الهُدى والنُور؛ فخُذوا بكتاب الله، واستمسِكوا به، فحثَّ على كِتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهلُ بَيْتي، أُذكِّركم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّركم اللهَ في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهلِ بَيتي))، وسيأتي بيانُ ذلك بالتفصيل.
والحاصل: أنَّ حديث الثقلينِ جاء تارةً بالأمْر بالتمسُّك بالكتاب والسُّنَّة، وتارةً بالتمسُّك بالكتاب والعِترة، وتارةً أخرى بالتمسُّك بالكتاب والوصيةِ بأهلِ بيت النبيِّ صلَّى الله عليه وعليهم وسلَّمَ، وسمَّى الكتاب ثَقلًا، وجاء في بعض الروايات والطرق تسمية السُّنة ثَقلًا، وجاء في بعضها تسمية العِترة ثَقلًا.
أولًا: الأحاديث التي ذُكرت فيها العترة دون السنة
جاء ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها مِن حديث: عليِّ بن أبي طالب([1]) وأبي سعيدٍ الخدريِّ([2])، وجابر بن عبد الله([3])، وجُبَير بن مُطعِم([4])، وحُذيفةَ بن أَسيد([5])، وزيد بن أرقمَ([6])، وزيد بن ثابت([7])، وعبد الله بن حَنْطَب([8])، ونُبَيط بن شُرَيط([9])، رضي الله عنهم، ومن ألفاظ ذلك: ((وَاللَّهُ سَائِلُكُمْ عَنِ اثْنَتَيْنِ: عَنِ الْقُرْآنِ، وَعَنْ عِتْرَتِي))، وهذه لن أتعرَّض لها؛ رغبةً في الاختصار.
وجاء ذِكرها مع الحثِّ على التمسُّك بها تارةً بقوله: ((مَا إنْ أخذتُم به))، وتارةً: ((ما إنْ تمسَّكتُم به))، وأخرى: ((إنِ اتَّبعتُموهما))، من حديث: عليِّ بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وزيد بن أرقمَ، وزيد بن ثابتٍ، رضي الله عنهم، وهذا تفصيلها([10]):

1- حديثُ عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا: كتابَ الله، سببُه بيده وسببُه بأيديكم، وأهلَ بَيتي))([11]).

2- حديثُ زَيد بن ثابتٍ رضي الله عنه: ((إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعِترتي أهل بيتي؛ فإنَّهما لن يفترقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ))([12]).

3- حديث زَيد بن أرقمَ رضي الله عنه: ((إنِّي تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا بعدي - أحدُهما أعظمُ من الآخَر -:كتاب الله، حبْلٌ ممدودٌ من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ، فانظروا كيف تَخلُفوني فيهما))([13]).

وفي لفظ آخر: ((أيُّها الناس، إنِّي تاركٌ فيكم أمرينِ لن تضلُّوا إن اتَّبعتموهما، وهما: كتابُ الله، وأهلُ بيتي عِترتي))([14]).

4- حديثُ جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما: ((يا أيُّها الناس، إني تركتُ فيكم ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعِترتي أهْلَ بَيتي))([15]).

5- حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه: ((إنِّي قد تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به، لن تضلُّوا بعدي: الثَّقلَينِ - أحدهما أكبرُ مِن الآخَر - كتاب الله، حبْلٌ ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ألَا وإنهما لن يَفترِقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ))([16]).

وفي لفظ آخر: ((تركتُ فيكم ما إنْ تمسَّكتم به، فلن تضلُّوا: كتابَ الله، وأهلَ بيتي))([17]).

وفي لفظ آخر: ((إني تاركٌ فيكم ما إنْ تمسَّكتم به، لن تضلُّوا بعدي - أحدهما أعظمُ من الآخَر -: كتاب الله، حبلٌ ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهْل بيتي، ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تَخلُفوني فيهما))([18]).

ثانيًا: الأحاديث التي ذُكرت فيها السنة دون العترة
جاء الحثُّ على التمسُّك بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ في أحاديثَ عن عددٍ من الصَّحابة - كما تقدَّم - وهي:
1- حديث عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم أمرين لن تضلُّوا بعدهما: كتابَ الله جلَّ وعزَّ، وسُنَّةَ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ)) ([19]).

2- حديث عبد الله بن عُمرَ رضي الله عنهما: ((...وما عطَّلوا كتابَ الله وسُنَّةَ رسولِه، إلَّا جعَل الله بأسَهم بينهم))([20]).

3- حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما: ((تركتُ فيكم أيُّها الناس، ما إنِ اعتصمتم به، فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([21]).

4- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ((قد تركتُ فيكم بَعْدي ما إن أخذتُم، لم تضلُّوا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّكم صلَّى الله عليه وسلَّمَ))([22]).
5- حديث أبي هُرَيرة رضي الله عنه: ((إنِّي قد خَلَّفتُ فيكم اثنين، لن تضلُّوا بعدهما أبدًا: كتاب الله، وسُنتي، ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوض))([23]).
6- حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه: ((يا أيُّها الناس, إنِّي قد تركتُ فيكم الثَّقلين: كتاب الله، وسُنَّتي؛ فاستنطِقوا القرآن بسُنَّتي, ولا تعسفوه؛ فإنَّه لن تعمَى أبصارُكم , ولن تَزِلَّ أقدامكم, ولن تقصرَ أيديكم ما أخذتُم بهما))([24]).
7- حديث عُروة بن الزُّبير رضي الله عنهما: ((تركتُ فيكم ما إنِ اعتصمتُم به، لن تضلُّوا أبدًا: أمرين بيِّنينِ: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّكم))([25]).
8- حديث عبد الله بن أبي نَجِيح رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به، فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([26]).
9- حديث عَمرو بن عوف المُزني رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم أمرين، لن تضلُّوا ما تمسكتم بهما: كِتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([27]).

10- حديث موسى بن عُقْبة رضي الله عنه رضي الله عنه: ((... لن تضلُّوا بعده أبدًا، أمرًا بيِّنًا: كِتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([28]).
11- حديث ناجية بن جُنُدب رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به، لم تضلُّوا: كتاب الله، وسُنَّته بأيديكم! ويقال: قد تركتُ فيكم: كتابَ الله، وسُنَّة نبيِّه))([29]).
12- وعن مالكٍ أنَّه بلَغَه أنَّ رسولَ اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((تَركتُ فيكُم أمرَينِ، لن تضِلُّوا ما تَمسَّكتُم بهما: كِتابَ اللَّه، وسُنَّةَ نَبيِّه))([30]).
الخلاصة :
ورد حديث الثقلين بلفظ: (كتاب الله وعترتي) ولفظ : (كتاب الله وسنتي) بأسانيد ضعيفة، وبأسانيد جياد يصح الاحتجاج بها ، والله أعلم.
المسألة الثانية: معنى الحديث وفقهه
يُسمَّى هذا الحديث "حديث الثقلين"؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ كما في بعض ألفاظه: ((إنِّي تاركٌ فيكم الثَّقَلينِ))، والثَّقَل: (المتاع المحمولُ على الدَّابَّة)([31])؛ قال القاضي عياض: (قِيل سُمِّيَا بذلك؛ لعِظم أقدارهما، وقيل: لشدَّة الأخْذ بهما)([32])، وقال النوويُّ: (سمِّيَا ثَقلين؛ لعظمهما، وكبير شأنهما)([33])، وقال البغويُّ: (فجَعلهما ثَقلينِ؛ إعظامًا لقدرهما)([34]).
وقد تمسَّك الشِّيعةُ ومَن تلوَّث بلوثتهم بلفظ: ((كتاب الله، وعِترتي)) حتى زعَموا زعمًا باطلًا أنَّ الأمر بالتمسُّك بالكتاب والعِترة جاء في صحيح مسلم، وتمسَّك بعض أهلُ السُّنَّة بلفظ: ((كِتاب الله، وسُنَّتي)) حتى ضعفوا لفظ ((وعِترتي))!
والأولى الجمع، حيث لا تعارض بينهما، كما سيتضح ذلك من خلال البحث.
وقبل نقْل أقوال العلماء وفَهمهم للحديث تجدُر الإشارة إلى أنَّ الأمر بالتمسُّك بالكتاب والسُّنَّة والاعتصام بهما، من أساسيات هذا الدِّين، وقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، وفي الأحاديثِ الصَّحيحة، فسواء صحَّ لفظ: ((كتاب الله، وعِترتي))، أو لفظ: ((كتاب الله، وسُنَّتي))، أو لم يصحَّ منهما شيء، فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:

قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].


وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].

وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ))([35]).

وقال: ((فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي))([36]).

وقال: ((خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ))([37]).

وقال: ((ألَا إنِّي أوتيتُ الكِتابَ ومثلَهُ معهُ))([38]).

أقوال العلماء في معنى الحديث:

1- قال ابن قُدامة المقدسيُّ: (لا نسلِّم أنَّ المراد بالثقلين: القرآن، والعِترة، وإنَّما المراد: القرآن والسُّنة، كما في الرِّواية الأخرى: ((تركتُ فيكم أمرين لن تضلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسُنَّة رسوله))، أخرجه مالكٌ في الموطأ([39])، وإنَّما خصَّ - صلَّى الله عليه وسلَّمَ - العترةَ بالذِّكر؛ لأنَّهم أخبرُ بحاله صلَّى الله عليه وسلَّمَ)([40]).

2- وقال الآمديُّ: (لا نُسلِّم أنَّ المراد بالثَّقلينِ: الكتاب، والعترة، بل الكتاب، والسُّنَّة، على ما رُوي أنَّه قال: "كِتاب الله، وسُنَّتي")([41]).

3- وقال شيخ الإسلام ابنُ تَيميَّة: (إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال عن عِترته: إنَّها والكتاب لن يَفترِقَا حتى يرِدَا عليه الحوضَ، وهو الصادقُ المصدوق؛ فيدلُّ على أنَّ إجماع العِترة حُجَّة، وهذا قولُ طائفةٍ من أصحابنا، وذكره القاضي في المعتمَد، لكن العترة هم بنو هاشم كلهم: ولد العبَّاس، وولد عليٍّ، وولد الحارث بن عبد المُطَّلب، وسائر بني أبي طالب وغيرُهم، وعليٌّ وحده ليس هو العِترة، وسيِّد العِترة هو رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ... [و] إجماع الأمَّة حُجَّة بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، والعترة بعضُ الأمَّة، فيلزم من ثُبوت إجماعِ الأمَّة إجماعُ العِترة)([42]).
4- وقال ابنُ حجر الهيتميُّ: (وفي روايةٍ صحيحة: ((إنِّي تاركٌ فيكم أمرين، لن تضلُّوا إن تبعتموهما، وهما: كتابُ الله، وأهلُ بيتي عِترتي))... وفي روايةٍ: (( كِتاب الله، وسُنَّتي)) وهي المرادُ من الأحاديث المقتصِرة على الكتاب؛ لأنَّ السُّنة مبيِّنة له، فأغْنى ذِكرُه عن ذكرها، والحاصل: أنَّ الحثَّ وقَع على التمسُّك بالكتاب، وبالسُّنة، وبالعلماء بهما من أهل البَيت)([43]).
5- وقال الملا عليٌّ القاري: (أهلُ البيت غالبًا يكونون أعرفَ بصاحب البيت وأحواله؛ فالمراد بهم أهلُ العلم منهم، المُطَّلعون على سِيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحُكمه وحِكمته، وبهذا يصلُح أن يكونوا مقابلًا لكتاب الله سبحانه، كما قال: {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ})([44]).
6- وقال الألبانيُّ: (من المعروف أنَّ الحديث ممَّا يَحتجُّ به الشِّيعة، ويَلهجون بذلك كثيرًا، حنى يتوهَّم بعضُ أهل السُّنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعًا واهمون في ذلك، وبيانُه من وجهين:
الأوَّل: أنَّ المراد من الحديث في قوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((عِترتي)) أكثرُ ممَّا يريده الشِّيعة، ولا يردُّه أهلُ السُّنة، بل هم مستمسكون به، ألَا وهو أنَّ العترة فيه هم أهلُ بيته صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وقد جاء ذلك موضَّحًا في بعض طرقه كحديث الترجمة: ((وعِترتي أهْل بيتي))، وأهل بيته في الأصل: هم نِساؤه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وفيهنَّ الصِّدِّيقةُ عائشةُ رضي الله عنهن جميعًا...، وتخصيص الشِّيعة (أهل البيت) في الآية بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، دون نِسائه صلَّى الله عليه وسلَّمَ من تحريفهم لآياتِ الله تعالى؛ انتصارًا لأهوائهم ...
الوجه الآخَر: أنَّ المقصود من ((أهل البيت)) إنَّما هم العلماءُ الصالحون منهم، والمتمسِّكون بالكتاب والسُّنة؛ قال الإمام أبو جعفر الطحاويُّ رحمه الله تعالى: (العِترة: هم أهلُ بيتِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، الذين هم على دِينه، وكذلك المتمسِّكون بأمْره)).
والحاصل: أنَّ ذِكر أهل البيت في مقابل القرآن في هذا الحديث كذِكر سُنة الخلفاء الراشدين مع سُنَّته صلَّى الله عليه وسلَّمَ في قوله: ((فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاء الرَّاشدين...))... إذا عَرفتَ ما تقدَّم، فالحديث شاهدٌ قويٌّ لحديث ((الموطأ)) بلفظ: ((تركتُ فيكم أمرينِ لن تضلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسُنَّة رسوله))([45]).

المسألة الثالثة: الردُّ على الشُّبه المثارة حوله

أثار الشِّيعة ومَن تأثر بهم شُبهةً حول هذا الحديث، طارت في الآفاق، وصدَّقها بعضُ الناس، وتساءل عنها آخَرون،خلاصتها: أنَّ حديث الأمر بالتمسُّك بالعِترة واتِّباع أهل بيت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ صحيح، وأنَّه ثابتٌ في صحيح مسلم، بخِلاف التمسُّك بالسُّنة؛ فلم يُروَ في أحد الصَّحيحين، وأسانيده ضِعاف.

والردُّ على ذلك من وجوه:

الوجه الأول: ليس في صحيح مسلم الأمرُ باتِّباع العِترة، بل أمَر فيه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالأخْذ بكتاب الله، والتمسُّك به، وحثَّ عليه، ورغَّب فيه، ثم أوْصَى فيه أصحابَه بأهلِ بيته، وكان هذا في حَجَّة الوداع قبل موته صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ولفظ الحديث: ((أيُّها النَّاسُ، فإنَّما أنا بَشَرٌ يوشِك أنْ يأتيَ رسولُ ربي فأُجيبَ، وأنا تاركٌ فيكم ثَقلَينِ:أوَّلهما: كتابُ الله، فيه الهُدى والنُّور؛ فخُذوا بكتابِ الله، واستمسِكوا به - فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه - ثم قال: وأهل بَيتي، أُذكِّركم الله في أهْل بيتي، أُذكِّركم اللهَ في أهل بيْتي، أُذكِّركم اللهَ في أهْل بيتي))([46]).


قال أبو العبَّاس القرطبيُّ: وقوله : ((وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي - ثلاثًا))؛ هذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يَقتضي : وجوبَ احترام آل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأهل بيته، وإبرارَهم، وتوقيرهم، ومحبَّتهم وجوبَ الفروض المؤكَّدة، التي لا عُذرَ لأحد في التخلُّف عنها. هذا مع ما عُلِم من خصوصيتهم بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وبأنهم جزءٌ منه؛ فإنَّهم أصولُه التي نشأ منها، وفروعُه التي تنشأ عنه)([47]).
وقال ابنُ كثير: (ولا تُنكَرُ الوصاةُ بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم؛ فإنَّهم من ذريَّة طاهرة، مِن أشرف بيت وُجد على وجه الأرض، فَخرًا وحسَبًا ونسَبًا، ولا سيَّما إذا كانوا متَّبِعين للسُّنة النبويَّة، الصَّحيحة الواضحة الجليَّة، كما كان عليه سلفُهم، كالعبَّاس وبنِيه، وعليٍّ وأهل بيتِه وذُريَّته، رضي الله عنهم أجمعين)([48]).

وقال ملا علي القاري: ( "فخُذوا بكِتاب الله"، أي: استنباطًا وحِفظًا وعِلمًا، ((واستمسكوا به))، أي: وتمسَّكوا به اعتقادًا وعملًا، ومِن جملة كتاب الله العملُ بأحاديث رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لقوله سبحانه: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] و{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] - وفي رواية: ((فتمسَّكوا بكتاب الله، وخُذوا به)) - ((فحَثَّ)) - بتشديد الـمُثلَّثة - أي: فحرَّض أصحابَه ((على كتاب الله))، أي: على محافظةِ ومراعاةِ مبانيه ومعانيه، والعمل بما فيه، ((ورغَّب فيه)) -بتشديد الغَين المعجَمة-، أي: ذكَر المرغِّبات من حصول الدرجات في حقِّه، ثم يمكن أنَّه رهَّب وخوَّف بالعقوبات لِمَن ترك متابعةَ الآيات، فيكون حذفه من باب الاكتفاء، ويمكن أنَّه اقتصر على البشارة؛ إيماءً إلى سَعة رحمة الله تعالى، وأنَّ رحمته للعالَمِين، وأمَّته أمَّة مرحومة.

(ثم قال)، أي: النبيُّ عليه السَّلام ((وأهل بيتي))، أي: وثانيهما أهْلُ بيتي ((أُذكِّركم الله)) - بكسر الكاف المشدَّدة - أي: أُحذِّركموه، ((في أهل بيتي)): وُضِع الظاهر موضعَ المضمر؛ اهتمامًا بشأنهم، وإشعارًا بالعِلَّة، والمعنى: أُنبِّهكم حقَّ الله في محافظتهم، ومراعاتهم واحترامهم وإكرامهم، ومحبَّتهم ومودَّتهم، ... كرَّر الجملة لإفادة المبالَغة، ولا يبعُد أن يكون أراد بأحدهما آلَه، وبالأخرى أزواجَه؛ لِمَا سبَق من أنَّ أهل البيت يُطلق عليهما)([49]).
وقال ابن باز: (نحن معكم في محبَّة أهل البيت الملتزمين بشريعة الله، والترضِّي عنهم، والإيمان بأنَّهم من خِيرة عباد الله؛ عملًا بوصية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ حيث قال في حديث زيد بن أَرقمَ المُخرَّج في صحيح مسلم : "إني تاركٌ فيكم ثَقلينِ: أولهما: كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور؛ فخُذوا بكتابِ الله، وتمسَّكوا به... ثم قال: وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهْل بيتي")([50]).
وقال في موضع آخَر: ((إني تاركٌ فيكم ثَقلينِ: أوَّلهما: كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور؛ فخُذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، ثم قال: وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي))، يعني بهم: زَوجاتِه، وقَراباتِه من بني هاشم, يُذكِّر الناس بالله في أهل بيته، بأن يَرفُقوا بهم, وأن يُحسنوا إليهم, ويكفُّوا الأذى عنهم, ويُوصوهم بالحقِّ, ويُعطوهم حقوقَهم ما داموا مستقيمين على دِينه، متَّبِعين لشريعته عليه الصَّلاة والسَّلام)([51]).
فالحديث - إذن - فيه الوصيةُ والتذكير بآل بيته صلَّى الله عليه وسلَّمَ بعدَ موته، وليس فيه الأمرُ بالتمسُّك والاتباع. ولم يقل أحدٌ من علماء الأمة ممن تعرض لشرح الحديث أن أفراد عترته صلى الله عليه وآله وسلم يكون لقولهم من المنزلة مثل ما للقرآن، فضلاً عن أن يكون أولى بالاتباع من سنة سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: على تقدير أن ما صح من الأحاديث جاء فيها الأمر بالاتباع فقد جاء في الحديث: ((وعِترتي أهل بيتي))،وعترة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ هم بنو هاشم كلهم، من ولد العبَّاس، وولد عليٍّ، وولد الحارثِ بن عبد المطَّلب، وسائر بني أبي طالب وغيرهم([52])، وليس هم فقط عليَّ بن أبي طالب وابْنَيه: الحسن والحسين، وذُريتهم - كما تزعم الإماميَّةُ الاثنا عشرية - كما أنَّ أهل بيته يدخُل فيهم أزواجُه رضي الله عنهن؛ فعبد الله بن عبَّاس، وعائشةُ رضي الله عنهم - وهما من أكثر الصَّحابة روايةً عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومن أكثرهم فقهًا وعِلمًا - داخلان في هذا الحديث بلا شكٍّ دخولًا أوليًّا. وهذا الأمر لا يرتضيه من يحتج بهذا الحديث على تقديم العترة في رأيهم وما ينقلونه هم عنهم على أدلة التشريع المتفق عليها.
الوجه الثالث: ما المقصودُ بعِترة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؟
هل هم الذين صحِبوه ورَوَوْا عنه، كعليِّ بن أبي طالب، وابنيه: الحسن والحسين، والعبَّاس بن عبد المطَّلب وابنيه: عبد الله وعُبيد الله، وجعفر بن أبي طالب وابنه عبد الله، وعَقيل بن أبي طالب؟
أمْ عليُّ بن أبي طالب وذُريَّته، بل وأحد عَشرَ رجلاً منهم فقط، كما تزعُم الشيعة؛ تحكُّمًا منهم بلا برهانٍ ولا بيِّنة؟!
أم أنَّهم عامَّة العِترة، وفيهم - كما هو الواقع اليوم - السُّنِّي، والشِّيعي، والزَّيدي، والصُّوفي، والعالم والجاهل؟
فمَن هم العترة المعنيُّون في الحديث؟
لا يمكن أن يَستقيم فَهْمُ الحديث إلَّا بجَمْعه مع اللَّفظ الآخَر (كتاب الله وسُنَّتي)؛ فنفهَم منه - إذن - أن العِترة هم المتَّبعون لسُنة النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم.
الوجه الرابع: تقدَّم معنا أنَّ اتباع السُّنة كاتِّباع القرآن، وفيهما الأمرُ بالاقتداء بصحابة رسولِ الله، وليسوا كلُّهم من العترة، بل في الحديث الصحيح الأمر بالتمسُّك بسُنَّة الخلفاء الراشدين؛ ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخُلفاء المهديِّين الرَّاشدين؛ تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ))، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعُثمان، وهم ليسوا من العترة، بل في الحديث الصحيح: ((اقتدُوا باللذَيْنِ من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ))([53])، ومع ذلك فتعظيم أهل السُّنَّة للسُّنَّة عصَمَهم من أن يجعلوا الاقتداء بأبي بكرٍ وعمرَ أصلًا من أصول الإسلام مقابل الكتاب والسُّنَّة.
الوجه الخامس: على فرض أن ما صح من الأحاديث جاء فيها الأمر بالاتباع فماذا لو خالفتِ العترةُ كتابَ الله؟ مَن يجب علينا نتَّبع منهما؟!

لا شكَّ يجب أنْ نتبع كتابَ الله، ومَن شكَّ في ذلك، فقد كفَر!

إذن العِترة تابعةٌ لكتاب الله، وفي كتاب الله الأمرُ باتِّباع سُنَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}، {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}؛ إذن العترة تابعةٌ للسُّنة باتِّباعها لكتاب الله، فكان مردُّ العِترة للسُّنة، والحمد لله ربِّ العالمين. بل إن شرف العترة ومكانتهم فرعٌ على شرف من شرَّفهم الله به، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يستقيم في شرعٍ ولا عقلٍ تقديم التابع على المتبوع، والفرع على الأصل، لمن كان له عقل يعي به، والله المستعان.

الخاتمة:
حَديثُ الثَّقلين - ((إنِّي تاركٌ فيكم الثَّقَلين)) - جاء بلفظ: ((كتاب الله، وعِترتي أهْل بَيتي))، وبلفظ: ((كِتاب الله وسُنَّتي))، وقد اختلف العلماءُ في تصحيحها وتضعيفها، ولم يرِدْ في صحيح مسلم كما يظنُّ ويُردِّد البعض، ومردُّ العِترة إلى الكتاب والسُّنَّة، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

وأخيرًا:

فلا بدَّ هنا مِن تذكير كلِّ مَن يَمُتُّ إلى هذه العِترة الشَّريفة بصِلة، بما أنعم الله به عليهم من النَّسَب الشَّريف، وبما أوجبه الله على عباده المؤمنين من محبَّتهم ومودَّتهم، مِن أنَّ هذه نِعمةٌ يُسألون عنها يوم القِيامة.


فيا مَن شرَّفكم اللهُ تعالى بهذا النَّسَب، إيَّاكم أن تغترُّوا بما يُنمِّقه لكم مَن ضلَّ سعيُه، وعمِي عن الرَّشاد منهجُه، ممَّن يريد أن يتجاوز بكم خيرَ المنازل التي وضعَكم اللهُ تعالى ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم بها!
وإيَّاكم والفرحَ ببعض أقوال أهل الأهواء التي ضخَّمت من هذا الحديث، وأوهمت بإعطاء العِترة من المكانة في التَّشريع ما لم يأذنْ به الله؛ فكلُّ عاقل منكم يعلم أنَّه ليس في قوله هو ولا فِعله ولا هَدْيه فلاحٌ إلَّا بمقدار اتِّباعه واستمساكه بهَدْي النبيِّ المعصوم صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم.
ومِن ثَمَّ فلا حاجةَ، ولا فرحَ، ولا مزيَّةَ، ولا فخرَ لأحدٍ منكم بأن يظنَّ أنَّ قولَه أو فِعله، أو قول أحدٍ من الناس وفِعله يكون حُجَّةً بمنزلة قول محمَّد بن عبد الله، وفِعله، صلواتُ الله وسلامُه وبركاتُه عليه.
أسأل اللهَ تعالى أن يَدلَّنا على الحقِّ، وأن يُرشِدنا إلى الصِّراط المستقيم.

والحمدُ لله ربِّ العالَمين،،،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه البزَّار (864)، وأبو نُعَيم في ((حلية الأولياء)) (9/64).

([2]) أخرجه أحمد (11119) و(11147)، وأبو يَعلَى (1027) وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (2/194)، وابن الجَعد في ((مسنده)) (2711)، والآجُريُّ في ((الشريعة)) (1702)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/66) (2679).

([3]) أخرجه الخطيب في ((المتفق والمفترق)) (2/31)

([4]) أخرجه ابن أبي عاصم في ((السُّنة)) (1465)

([5]) أخرجه بَقيُّ بن مَخلَد في ((الحوض والكوثر)) (16)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3052) و(2683)، وأبو نُعَيم في ((حلية الأولياء)) (1/355).

([6]) أخرجه أحمد (19332)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/66)، و(5/167)، والبزَّار (4325) والنَّسائي في ((السُّنن الكبرى)) (8464)، والطَّحاوي في ((شرح مُشكِل الآثار)) (1765).

([7]) أخرجه أحمد (21618) و(21697)، وابن أبي شَيبة في ((المصنف)) (32337)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (5/153) (4921).

([8]) أخرجه الطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) (5/198).

([9]) أوردَه الذهبيُّ في ((نسخة نُبيط)) (29).

([10]) واختصارًا سأذكر الشاهدَ منها فقط.

([11]) أخرجه إسحاقُ بن رَاهُوْيهِ كما في ((إتحاف الخِيَرة المَهَرة)) للبُوصِيري (7/210)، و((المطالب العالية)) لابن حجر (4/252). والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1760). وفي سنده كثير بن زيد: قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسا، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو جعفر الطبري: وكثير بن زيد عندهم ممن لا يحتج بنقله. وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ على قلة روايته لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، وقال ابن حجر: صدوق يخطىء.

ينظر: ((الجرح والتعديل)) (841)، ((الضعفاء والمتروكين)) (505)، ((المجروحين)) (894)، ((تقريب التهذيب)) (5611)، ((تهذيب التهذيب)) (745).

والحديث صحَّح إسناده الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)) (4/252).

([12]) [إسناده ضعيف] أخرجه عَبْدُ بن حُمَيد في ((مسنده)) (240).

وفي سنده يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني؛ متَّهم بالكذب، وسِرقةِ الحديث. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (399)، ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (7591).

([13]) أخرجه الترمذي (3788)، والفَسَوي في ((المعرفة والتاريخ)) (1/536)، والشَّجري في ((ترتيب الأمالي)) (738). قال الترمذيُّ: (حسن غريب). وفي سنده عليُّ بن المنذر كوفي؛ قال عنه النَّسائي: شيعيٌّ محض، ثِقة. وقال ابن حجر: صدوق يتشيَّع. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (1128)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (4803)، وفي سنده أيضًا: محمَّد بن فُضيل؛ قال أحمد: كان يتشيَّع، وكان حسنَ الحديث. ووثَّقه يحيى بن معين، وذكَره ابن حبَّان في ((الثقات))، وقال: كان يَغْلُو في التشيُّع. وقال أبو داود: كان شيعيًّا محترقًا. ينظر: ((تهذيب الكمال)) للمزي (26/297)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (660).

والحديث ضعَّفه الإمام أحمد؛ قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في ((منهاج السنة )) (7/394): (سُئل عنه أحمدُ بن حنبل، فضعَّفه، وضعَّفه غيرُ واحد من أهل العِلم، وقالوا: لا يصحُّ)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3788).

([14]) [إسناده ضعيف] أخرجه الحاكم (4577)، والشجري في ((ترتيب الأمالي)) (712). وفي سنده: محمَّد بن سَلمة بن كُهَيل؛ واهٍ. ينظر: ((الثقات)) لابن حبان (10505)، ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (7614).

([15]) [إسناده ضعيف] أخرجه الترمذي (3786)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/66) (2680)، قال الترمذي: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه. وقال الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5/89): (لم يَروِ هذا الحديثَ عن جعفر بن محمَّد إلَّا زيدُ بن الحسن الأنماطي)، وزيد هذا قال عنه أبو حاتم: منكَر الحديث، وقال الذهبي: ضُعِّف. وضعَّفه ابن حجر. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (2533)، ((الكاشف)) للذهبي (1731)، ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (2127).

والحديث صحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (3786).

([16]) [إسناده ضعيف] أخرجه أحمد (11578)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (1553)، وأبو يَعلَى (1140)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/65) (2678)، والبغوي في ((شرح السنة)) (3914) واللفظ له. وفي سنده عطية العوفي ضعفه أحمد، وأبو حاتم الرازي وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا وكان شيعيًّا مدلسًا. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (6/383)، ((المجروحين)) لابن حبان (2/176)، ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (4616)

([17]) [إسناده ضعيف] أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (170)، وفي سنده: إسماعيل بن موسى ابن بنت السُّدِّي؛ قال ابن عدي: أنكروا عليه الغلو في التَّشَيُّع وَأما في الرِّواية فقد احتمله النَّاس وَرووا عنه. ينظر: ((الكامل في الضعفاء)) (1/529)

وفيه: أبو الجَحَّاف - واسمه داود بن أبي عَوف؛ قال ابن حجر: صدوق، شيعيٌّ، ربَّما أخطأ. ينظر: ((تقريب التهذيب)) (1811).

وفيه عطيَّة العَوفي؛ ضعيف، وقد تقدم الكلام عليه.

([18]) [إسناده ضعيف] أخرجه الترمذي (3788). قال الترمذي: حسنٌ غريب. وفي سنده عطيَّة العوفي أيضًا، والحديث صحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3788).

([19]) [إسناده ضعيف] أخرجه بَحْشَل في ((تاريخ واسط)) (ص50)، وفي سنده مجهول.

([20]) أخرجه البيهقيُّ في ((شُعب الإيمان)) (3315).

ضعَّف إسنادَه البيهقيُّ، والسَّخاوي في ((الأجوبة المرضية)) (2/546)، وصحَّحه لغيره الألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (2187).

([21]) [صحيح] أخرجه الحاكم في ((المستدرك))، والمروزيُّ في ((السُّنة)) (68)، والعُقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/250)، (318)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/449).

قال الحاكم: احتجَّ البخاريُّ بأحاديث عِكرمة، واحتجَّ مسلمٌ بأبي أُويس، وسائرُ رُواته متَّفق عليهم. وقال المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (1/61): أصلُه في الصَّحيح. وجوَّد طريقَه ابنُ الملقِّن في ((البدر المنير)) (6/693)، وصحَّح إسنادَه ابنُ القيِّم في ((تهذيب السنن)) (7/279)، وصحَّحه ابن العربي في ((أحكام القرآن)) (4/250)، والألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (40).

([22]) [إسناده ضعيف] أخرجه أبو نُعَيم في ((تاريخ أصبهان)) (1/138).

وفيه يَزيد الرَّقَاشي: قال البخاري: تكلَّم فيه شُعبة. وقال أبو داود عن أحمدَ: لا يُكتب حديث يزيد. وقال ابن مَعِين: رجل صالح وليس حديثُه بشيء. وقال أبو حاتم: في حديثه ضَعْف. وقال النَّسائي والحاكمُ أبو أحمد: متروكُ الحديث. وقال ابن عَديٍّ: له أحاديثُ صالحةٌ عن أنس وغيره، وأرجو أنه لا بأسَ به؛ لروايةِ الثقات عنه. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (11/271)

([23]) أخرجه البزَّار (8993) واللفظ له، والعُقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/250)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (4/69)، والدارقطني (4/245)، والحاكم (4321).

وفي سنده صالحٌ الطَّلحي؛ ضعَّفوه، انظر: ((ذخيرة الحفاظ)) لابن القيسراني (2/1010)، و((المهذب)) للذهبي (8/4105)، والحديث صحَّحه ابن حزم في ((الإحكام في أصول الأحكام)) (2/251)، والألبانيُّ في ((صحيح الجامع)) (3232).

([24]) [إسناده ضعيف] أخرجه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (1/275).

فيه: سيف بن عُمر؛ قال ابن مَعين: ضعيفُ الحديث. وقال أبو حاتم: متروكُ الحديث، يُشبه حديثُه حديثَ الواقديِّ. وقال أبو داود: ليس بشيءٍ. وقال النَّسائيُّ والدارقطنيُّ: ضعيف. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (4/259).

وفيه أيضًا: أَبَان بن إسحاق الأسديُّ، والصَّبَّاح بن محمَّد؛ مختلَف فيهما. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (1/275)، و((المجروحين)) لابن حبان (1/413)، و((معرفة الثقات)) للعجلي (757) و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (2898).

([25]) [إسناده ضعيف] أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/448).

وفيه: عبد الله بن لَهِيعة؛ ضعيفٌ. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (5/147)، ((المجروحين)) لابن حبان (1/431)، ((تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين)) لابن شاهين (ص118)، ((الكاشف)) للذهبي (2934)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (3563).

([26]) أخرجه الطبريُّ في ((تاريخه)) (12/181) بإسناد رجالُه ثقات، إلَّا شيخ الطبري محمَّد بن حُمَيد الرازي.

([27]) [إسنادُه ضعيفٌ جدًّا] أخرجه ابن عبد البَرِّ في ((جامع بيان العلم وفضله)) (1389)، والشجري في ((ترتيب الأمالي)) (753)؛ وفيه إسحاق بن إبراهيم الحُنَينيُّ، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف؛ ضعيفان. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (1/194) و(8/377).

([28]) أخرجه البيهقيُّ في ((دلائل النبوة)) (5/448).

وفيه: ابن أبي أويس؛ قال أحمد: لا بأسَ به. وقال يحيى بن مَعين: صدوق، ضعيفُ العقل، ليس بذلك. وقال أبو حاتم الرازي: محلُّه الصدق، وكان مغفَّلًا. ((الجرح والتعديل)) (613).

([29]) أورده الواقديُّ في ((مغازيه)) (2/577).

والواقديُّ: متروك الحديث. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (9/323).

([30]) أخرجه مالك بلاغًا في ((الموطأ)) (2/899).

قال ابن عبد البَرِّ في ((التمهيد)) (24/331): محفوظٌ، معروفٌ، مشهورٌ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عند أهل العِلم، شهرةً يكاد يُستغنَى بها عن الإسناد.

([31]) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (1/170).

([32]) انظر: ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) (1/134).

([33]) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (15/180).

([34]) انظر: ((تفسير البغوي)) (7/447).

([35]) أخرجه أبو داود (4607)، والترمذيُّ (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17184)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.

قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البَرِّ (2/1164)، وابنُ تيميَّة في ((مجموع الفتاوى)) (20/309)، وابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (9/582)، والعراقي في ((الباعث على الخلاص)) (1)، وابن حجر العسقلاني في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/136).

([36]) أخرجه البخاريُّ (5063)، ومسلم (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

([37]) أخرجه مسلم (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

([38]) أخرجه أبو داود (4604)، والترمذي (2664)، وابن ماجه (12)، وأحمد (17213) من حديث المِقدام بن مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه. جوَّد إسنادَه أحمدُ الحكمي في ((معارج القبول)) (3/1217)، وابنُ باز في ((مجموع فتاواه)) (1/245)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4604)، وحسَّنه لغيره الوادعيُّ في ((صحيح دلائل النبوة)) (591)، وصحَّح إسنادَه ووثَّق رجالَه شُعيبٌ الأرناؤوط في تحقيق ((مسند أحمد)) (4/130).

([39]) بلاغًا، وتقدَّم تخريجه.

([40]) ((روضة الناظر)) (1/470).

([41]) ((الإحكام في أصول الأحكام)) (1/308).

([42]) ((منهاج السنة النبوية)) (7/393-397).

([43]) ((الصواعق المحرِقة)) (2/439).

([44]) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (9/ 3975).

([45]) ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (4/260).

([46]) أخرجه مسلم (2408) من حديث زيد بن أَرقمَ رضي الله عنه.

([47]) ((المفهِم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) (20/51).

([48]) ((تفسير ابن كثير)) (7/201).

([49]) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (9/3967).

([50]) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (3/37).

([51]) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (9/34).

([52]) انظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر))لابن الأثير، مادة (عتر)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (7/395)، ((التنوير شرح الجامع الصغير)) للصنعاني (2/376).

([53]) أخرجه الترمذي (3662)، وابن ماجه (97)، وأحمد (23293).

حسنه الترمذي، وابن عبدالبر في ((جامع بيان العلم)) (2/1165)، وابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/143)، وصححه ابن العربي في ((العواصم من القواصم)) (252)، وابن الملقن في ((شرح البخاري)) (13/555)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3662).

24‏/10‏/2013

الأخوة في الله







الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، أما بعد:فإن للصحبة آداباً قلّ من يراعيها. ولذلك فإننا كثيراً ما نجد المحبة تنقلب إلى عداوة، والصداقة تنقلب إلى بغضاء وخصومة، ولو تمسك كل من الصاحبين بآداب الصحبة لما حدثت الفرقة بينهما، ولما وجد الشيطان طريقاً إليهما.ومن آداب الصحبة التي يجب مراعاتها:1- أن تكون الصحبة والأخوة في الله عز وجل.2- أن يكون الصاحب ذا خلق ودين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» [أخرجه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني].3- أن يكون الصاحب ذا عقل راجح.4- أن يكون عدلاً غير فاسق، متبعاً غير مبتدع.5- ومن آداب الصاحب: أن يستر عيوب صاحبه ولا ينشرها.6- أن ينصحه برفق ولين ومودة، ولا يغلظ عليه بالقول.7- أن يصبر عليه في النصيحة ولا ييأس من الإصلاح.8- أن يصبر على أذى صاحبه.9- أن يكون وفياً لصاحبه مهما كانت الظروف.10- أن يزوره في الله عز وجل لا لأجل مصلحة دنيوية.11- أن يسأل عليه إذا غاب، ويتفقد عياله إذا سافر.12- أن يعوده إذا مرض، ويسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له إذا استنصحه، ويشمته إذا عطس، ويتبعه إذا مات.13- أن ينشر محاسنه ويذكر فضائله.14- أن يحب له الخير كما يحبه لنفسه.15- أن يعلمه ما جهله من أمور دينه، ويرشده إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه.16- أن يذبّ عنه ويردّ غيبته إذا تُكلم عليه في المجالس.17- أن ينصره ظالماً أو مظلوماً. ونصره ظالماً بكفه عن الظلم ومنعه منه.18- ألا يبخل عليه إذا احتاج إلى معونته، فالصديق وقت الضيق.19- أن يقضي حوائجه ويسعى في مصالحه، ويرضى من بره بالقليل.20- أن يؤثره على نفسه ويقدمه على غيره.21- أن يشاركه في أفراحه، ويواسيه في أحزانه وأتراحه.22- أن يكثر من الدعاء له بظهر الغيب.23- أن ينصفه من نفسه عند الاختلاف.24- ألا ينسى مودته، فالحرّ من راعى وداد لحظة.25- ألا يكثر عليه اللوم والعتاب.26- أن يلتمس له المعاذير ولا يلجئه إلى الاعتذار.وإذا الحبيب أتى بذنب واحد * جاءت محاسنه بألف شفيع27- أن يقبل معاذيره إذا اعتذر.28- أن يرحب به عند زيارته، ويبش في وجهه، ويكرمه غاية الإكرام.29- أن يقدم له الهدايا، ولا ينساه من معروفه وبره.30- أن ينسى زلاته، ويتجاوز عن هفواته.31- ألا ينتظر منه مكافأة على حسن صنيعه.32- أن يُعلمه بمحبته له كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب أحدكم أخاه فليُعلمه أنه يحبه» [أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الألباني].33- ألا يعيّره بذنب فعله، ولا بجرم ارتكبه.34- أن يتواضع له ولا يتكبر عليه. قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:215]. 35- ألا يكثر معه المُماراة والمجادلة، ولا يجعل ذلك سبيلاً لهجره وخصامه.36- ألا يسيء به الظن. قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» [رواه مسلم].37- ألا يفشي له سراً، ولا يخلف معه وعداً، ولا يطيع فيه عدواً.38- أن يسارع في تهنئته وتبشيره بالخير.39- ألا يحقر شيئاً من معروفه ولو كان قليلاً.40- أن يشجعه دائماً على التقدم والنجاح.والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

12‏/10‏/2013

حجـا مبرورا وذنبا مغفورا وعمـلا مقبـولا وتجارة لن تبـور:



الحج

1- إذا كان ضحى اليوم الثامن من ذي الحجة فاحرم بالحج من مكانك الذي أنت نازل فيه، فاغتسل إن تيسر لك والبس ثياب الإحرام، ثم قل: لبيك حجاً، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
2- ثم اخرج إلى منى وصل بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمع.
3- فإذا طلعت الشمس فسر إلى عرفة وصل بها الظهر والعصر جمع تقديم على ركعتين ركعتين ، وامكث فيها إلى غروب الشمس ، وأكثر من الذكر والدعاء هناك مستقبل القبلة.
4- فإذا غربت الشمس فسر من عرفة إلى مزدلفة وصل بها المغرب والعشاء والفجر، ثم امكث فيها للدعاء والذكر إلى قرب طلوع الشمس.
وإن كنت ضعيفاً لا تستطيع مزاحمة الناس عند الرمي فلا بأس أن تسير إلى منى آخر الليل لترمي الجمرة قبل زحمة الناس.
5- فإذا قرب طلوع الشمس فسر من مزدلفة إلى منى ، فإذا وصلت إليها فاعمل ما يلي:أ- ارم جمرة العقبة ، وهي أقرب الجمرات إلى مكة بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى وكبر مع كل حصاة .ب- اذبح الهدي وكل منه ووزع على الفقراء ، والهدي واجب على المتمتع والقارن .ج- احلق رأسك أو قصره ، والحلق أفضل (المرأة تقصر منه بقدر أنملة).
تعمل هذه الثلاثة مبتدئاً بالرمي ثم الذبح ثم الحلق إن تيسر، وإن قدمت بعضها على بعض فلا حرج .
وبعد أن ترمي وتحلق أو تقصر تحل التحلل الأول ؛ فتلبس ثيابك ويحل لك جميع محظورات الإحرام إلا النساء .
6- ثم انزل إلى مكة وطف طواف الإفاضة (طواف الحج) واسع بين الصفا والمروة سعي الحج.
وبهذا تحل التحلل الثاني ويحل لك جميع محظورات الإحرام حتى النساء .
- ثم اخرج بعد الطواف والسعي إلى منى فبت فيها ليلتي أحد عشر أثنى عشر.
8- ثم ارم الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر بعد الزوال ، تبتدئ بالأولى وهي أبعدهن عن مكة ، ثم الوسطى ، ثم جمرة العقبة ، كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات ، تكبر مع كل حصاة ، وتقف بعد الجمرة الأولى والوسطى تدعو الله مستقبل القبلة، ولا يجزئ الرمي قبل الزوال في هذين اليومين.
9- فإذا أتممت الرمي في اليوم الثاني عشر فإن شئت أن تتعجل فاخرج من منى قبل غروب الشمس ، وإن شئت أن تتأخر – وهو أفضل – فبت في منى ليلة الثالث عشر وارم الجمرات الثلاث في يومها بعد الزوال كما رميتها في اليوم الثاني عشر.
10- فإذا أردت الرجوع إلى بلدك فطف عند سفرك بالكعبة طواف الوداع سبعة أشواط. والحائض والنفساء ليس عليهما طواف الوداع.

طارق الحبيب - ابواب النفس - الحلقة -1- التعامل مع الألم

برنامج أبواب النفس مع د.طارق الحبيب_ التشفي و الاستهزاء