مدونة المعارف

12‏/08‏/2013

نزول المذي لا يفسد الصيام



الحمد لله

هذا السائل متردد بين أن يكون منيا أو مذيا .

و "الفرق بين المني والمذي : أن المني من الرجل ماء غليظ أبيض ، ومن المرأة رقيق أصفر ، وأما المذي فهو ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الملاعبة ، أو تذكر الجماع ، أو إرادته ، أو نظر ، أو غير ذلك ، ويشترك الرجل والمرأة فيه" اهـ .

"فتاوى اللجنة الدائمة" (5/418) .

والغالب أن هذا الذي نزل منك مذي وليس منياً لأن المني يخرج بدفق ويشعر به الرجل .

والتسبب في إنزال المني من مفسدات الصيام كما لو جامع أو قَبَّل أو باشر ، أو كرر النظر إلى النساء فأنزل منيا ، فيفسد صومه . راجع السؤال (2571) .

وأما المذي فقد اختلف العلماء في إفساد الصوم به إن تسبب في نزوله .

فمذهب الحنابلة أنه يفطر به إن كان سبب نزوله المباشرة كاللمس باليد أو التقبيل وما أشبه ذلك .

فإن كان سبب نزوله تكرار النظر فإنه لا يفطر به .

وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن نزول المذي لا يفطر به مطلقا سواء نزل بمباشرة أم بغيرها ، وأن المفسد للصيام هو نزول المني لا المذي .

انظر المغني (4/363) .

قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (6/236) بعد أن ذكر مذهب الحنابلة في المسألة : " ولا دليل له صحيح ، لأن المذي دون المني لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن ، فلا يمكن أن يلحق به .

والصواب : أنه إذا باشر فأمذى ، أو استمنى فأمذى أنه لا يفسد صومه ، وأن صومه صحيح ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، والحجة فيه عدم الحجة ( أي عدم الحجة على أن نزول المذي مفسد للصيام ) ، لأن هذا الصوم عبادة شرع فيها الإنسان على وجه شرعي فلا يمكن أن نفسد هذه العبادة إلا بدليل اهـ .

ومعنى : (استمنى فأمذى) أنه حاول إنزال المني ولكنه لم يُنزل وإنما أنزل مذياً .

وسئل الشيخ ابن باز (15/267) : إذا قبل الإنسان وهو صائم أو شاهد بعض الأفلام الخليعة وخرج منه مذي ، فهل يقضي الصوم ؟

فأجاب :

خروج المذي لا يبطل الصوم في أصح قولي العلماء ؛ سواء كان ذلك بسبب تقبيل الزوجة ، أو مشاهدة بعض الأفلام ، أو غير ذلك مما يثير الشهوة . ولكن لا يجوز لمسلم مشاهدة الأفلام الخليعة ، ولا استماع ما حرم الله من الأغاني وآلات اللهو ، أما خروج المني عن شهوة ، فإنه يبطل الصوم سواء حصل عن مباشرة ، أو قبلة ، أو تكرار النظر ، أو غير ذلك من الأسباب التي تثير الشهوة كالاستمناء ونحوه ، أما الاحتلام والتفكير فلا يبطل الصوم بهما ولو خرج مني بسببهما اهـ .

وسئلت اللجنة الدائمة (10/273) : في أحد أيام رمضان كنت جالسا بجوار زوجتي ونحن صيام ، حوالي نصف ساعة ، وكنا نمزح وبعد أن ابتعدت عنها وجدت على سروالي نقطة مبتلة خارجة من الذكر ، وقد تكررت مرة ثانية أرجو إفادتي هل علي كفارة ؟

فأجابت :

إذا كان الواقع كما ذكرت فليس عليك قضاء ولا كفارة مراعاة للبقاء مع الأصل ، إلا أن يثبت أن ذلك البلل مني فعليك الغسل والقضاء دون الكفارة اهـ .

والحاصل أنه لا يلزمك شيء وصيامك صحيح حتى تتيقن أن هذا الذي خرج منك مني . فإن كان منيا فعليك قضاء ذلك اليوم ولا كفارة عليك .

وعليك بتجنب الكلام مع النساء من غير حاجة ، وإذا احتجت للكلام معهن فعليك بغض البصر امتثالاً لقول الله تعالى : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور/30 .

وروى مسلم (2159) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي .

قال النووي :

( الْفُجَاءَة ) هِيَ الْبَغْتَة . وَمَعْنَى نَظَر الْفَجْأَة أَنْ يَقَع بَصَره عَلَى الْأَجْنَبِيَّة مِنْ غَيْر قَصْد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِي أَوَّل ذَلِكَ , وَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِف بَصَره فِي الْحَال , فَإِنْ صَرَفَ فِي الْحَال فَلَا إِثْم عَلَيْهِ , وَإِنْ اِسْتَدَامَ النَّظَر أَثِمَ لِهَذَا الْحَدِيث , فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِأَنْ يَصْرِف بَصَره مَعَ قَوْله تَعَالَى : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) اهـ .

وإذا أمكن وجود امرأة تتولى البيع للنساء ومخاطبتهن فإن ذلك أولى وأسلم .

والله تعالى أعلم .


الإسلام سؤال وجواب

رمضان يكتب وصيته لعام 1434هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

أحبائي و أعزائي
يا من كنتم بالأمس تستقبلوني و اليوم... ودعتموني ..
يا من كنتم تخشون و تبكون في أيامي فبعد انقضائي لا تنسوني
يا من كنتم تتلون آيات ربكم ليلا نهارا فلا تهجرونه سرا و جهارا
يا من كنتم تقيمون ليلي و تصومون نهاري فهلا استمريتم وكنتم كرارا؟
أحبائي
وصيتي لكم ألا تنسوني و لا تنسوا فضلي وفضل أيامي فليس من إكرام الضيف أن ينسوا جميله أو يرفضوا هديته أو يمزقوا عطيته . فلكم تعبتم و لكم عطشتم و لكم اجتهدتم و لكم قرأتم و ختمت فهل من الفضل أن تضيعوا ذلك كله بعد انقضائي
وصيتي لكم ألا تنقضوا عهدكم فلكم صامت جوارحكم و قلوبكم و لكن ... ولكن في ليالي سمر مع الأحباب و الأصحاب تنسون و تنقضون عهدكم ووعدكم حينما كنتم تدعون بكاء على ألا تعودوا لما كنتم عليه فلا تخلفوا وعدكم وعهدكم مع ربكم فلقد من الله عليكم بي ليبنى من بنى و يهدم من هدم
فليبني العبد نفسه من جديد ويبدأ التغيير فانا فرصة فلا تضييعها بعد اقتناصها
فقد خاب وخسر من ضيعني من البداية و لكنها ليست النهاية ففي الست من شوال بعدي الخير كل الخير و الغنائم كثيرة لمن أراد الخير. فربك حي قيوم لا يختفي و لا يزول باب توبته مفتوح في أي وقت لأي قلب مكلوم يدعوه بالقبول
وصيتي لكم .... ألا تنافقوا تلقوني بوجه غير الذي ذهبتم به فها هو العيد و الاحتفال بكل جديد و الالتقاء بكل حبيب و بعيد فتنسون رمضان و ما كان في رمضان فان رب رمضان هو رب كل الشهور فسألوا الله الثبات قبل رمضان و بعده فلا تدري نفس بأي ارض و في أي وقت تموت .
وصيتي لكم ..... ألا تبخلوا بعدي فلقد كنت بذرة فارعوها و تابعوها حتى تؤتي أكلها كل حين . فالإنفاق فيَ خير مضاعف فهلا تابعتم الإنفاق .... فهلا تابعتم البذل .... فهلا تابعتم الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله والإحساس بالشفقة و الرحمة بإخوانكم المستضعفين ... المكلومين ... المحرومين أليسوا بإخوانكم ؟ أليسوا على دينكم؟ أم إنكم تدعون الأخوة !!!؟
وصيتي لكم ...لا تتفرقوا بعد أن جمعتكم في كل الأرجاء ومن كل الأجناس كلمة" الله اكبر " من آذان الفجر لتنقطعوا عن الحلال من الأكل و الشراب وملاذ الدنيا و تجمعكم عليه أيضا في وقت المغرب ليحل لكم ما حرم عليكم. هيهات... هيهات... لو اجتمعت كلمتكم هكذا وتوحدت صفوفكم و قبلها قلوبكم... وقتها ما كان عليكم من سلطان إلا سلطان الله الحكم العدل
وصيتي لكم ... لا تبذروا .. فانا لم أكن حرمان ليأتي من بعدي الطوفان بل حرمان ليأتي من بعده الاعتدال فأنت مسئول عن هذا الترف و ذاك النعيم فقال تعالى
" ولتسألن يومئذ عن النعيم "سورة التكاثر (الآية 8) فبما تجيبون ربكم يوم لا ينفع مال و لا بنون ؟
كما انك لا ترضى لنفسك الدونية بعد أن كنت من عباد الرحمن تكن من إخوان الشيطان فقال تعالى " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا"سورة الإسراء (27 الآية) وذاك من فرط إسرافهم على أنفسهم بالظلم فترديه المهالك وهو لا يدري .
وصيتي لكم ... ألا تهجروا القرآن .. فالقرآن كلام الله فكيف بمؤمن ان يهجر كلام حبيبه خالقه المنعم عليه والمتفضل. فان كنت تدعي محبة ربك فالزم كتابه قولا و عملا، فكيف تعمل به و أنت تهجر قراءته؟ فكيف تتدبره و أنت تهجر حروفه؟ فكيف تحبه و أنت تهمل كلامه ؟.
وصيتي لكم .... لا تغفلوا عن الدعاء ... فالله عز وجل و هو غني عنا ينزل إلى السماء الدنيا ينادي هل من مستغفر فاغفر له هل من تائب لأتوب عليه أين أنت أيها الحبيب ؟ أين أنت أيها العزيز؟ أين أنت أيها الغالي؟ من هذا النداء من رب السماوات و الأرض ، فهل انقضت حاجتك إلى ربك ؟ هل انتهت متاعبك ؟ هل انتهت آلامك ؟ فمتاعب إخوانك لم تنتهي فأين أنت منها؟ ومن لها ؟ فهل أنت راضي عن نفسك ؟ ... هل فعلت كل ما أمرك به ربك ؟ هل انتهيت عن كل ما نهاك عنه خالقك ؟؟؟؟
وصيتي لكم ... ألا تجحدوا ... نعمة الله عليكم بعدم الشكر و الاعتراف بالنعيم وطيب الجميل فلقد منحكم الكثير و منه الصيام و القيام و الثبات على الطاعة و غيركم حرم منها لعدم الهداية أو لمرض أقعده أو ...... غيرها
فلقد ذقتم الحرمان في فاحمدوا الله على ما وهبكم و اشكروه حتى يزدكم فقال تعالى
" وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم " إبراهيم الآية 7 فاطعموا الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا واشكروه بجوارحكم وقلوبكم قبل ألسنتكم
وأخيرا وقد أطلت عليكم الوصية ...
ما أنا إلا حروف ولكن تحمل في طياتها الكثير
ما أنا إلا أيام و ليالي و لكن يومي بدهر و ليلي فيه ليلة القدر
فودعني مودع محب مشتاق و استقبلني استقبال ملهوف محتاج
فهل ذلك شعورك أم انك كنت في سجن الجوارح و انطلقت كالطير الجارح الجانح ؟ هذا ليس ظني بك ... بل انك طير كسير... عند الله ذليل و مع الشيطان أسد كبير تهجر المعاصي و تلزم طريق الخير و أهله .... عسى الله أن يجمعني بكم قادم عامكم !!!!

بقلم / د. إيمان الشوبكي

06‏/08‏/2013

هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا؟


نص الفتوى
بسم الله الرحمن الرحيم
الأصل في زكاة الفطر أنه يجب إخراجها من الطعامفقد فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً. ذلك في عدة أحاديث منها ما رواهالبخاري (1503)، ومسلم (984) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:"فرضرسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير".ومنذلك أيضاً ما أخرجه البخاري (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللهعنه: "كنا نخرج زكاة الفطرصاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب".لذلكاختلف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر نقداً على ثلاثة أقوال:
القولالأول: أنه لا يجوز إخراجها نقداً، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
القولالثاني: أنه يجوز إخراجها نقداً، وهذا مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعي، وروايةفي مذهب أحمد.
القولالثالث: أنه يجوز إخراجها نقداً إذا اقتضت ذلك حاجة أو مصلحة، وهذا قول في مذهبالإمام أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقداستدل كل فريق من هؤلاء بأدلة. فأما من منع إخراج زكاة الفطر نقداًفاستدل بظاهر الأحاديث التي فيها الأمر بإخراج زكاة الفطرمن الطعام.
وأمامن قال بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً، فقال إن المقصود منها إغناء الفقير يومالعيد، وحصول الإغناء بالنقود قد يكون أبلغ.وأمامن ذهب إلى الجواز عند الحاجة أو المصلحة فقالوا: إن الأصل إخراج زكاة الفطرطعاماً، لكن يمكن أن يخرج عن هذا الأصل إذا كان في إخراجها نقداً مصلحة أو دفعحاجة. واستدلوا لذلك بعدة شواهد منها ما رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم من أنمعاذ بن جبل رضي الله عنه قال لأهل اليمن حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلمإليهم: "ائتوني بعرض ثياب خميس، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير، والذرة أهونعليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة".
وممايلتحق بالمصلحة والحاجة المجيزة لإخراج النقد مكان الطعام في زكاة الفطر، إذا كانيترتب على إخراجها طعاماً مشقة، فالمشقة منتفية في هذه الشريعة. وهذا القول وهوجواز إخراج زكاة الفطر نقداً عند الحاجة أو المصلحة أقرب هذه الأقوال إلى الصواب؛لما فيه من الجمع بين الأدلة، وتحقيق المصلحة ودفع المشقة، والله أعلم.

المرجع موقع الشيخ خالد المصلح حفظه الله .
/ http://www.almosleh.com/Fatwa_Disp.aspx?hid=3265

أمة المطر - الشيخ توفيق الصائغ #القضية_المهمشة اللاجؤن الارتريون

15‏/07‏/2013

تصفيد الشياطين


في شهر رمضان تصفد الشياطين وتفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران, ويعتق فيها الرحمن رقاباً من بني الإنسان, ويفيض القلب ويذوب وينساب مع آيات القرآن. فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر. باب من الخير اصطفاك الله وفضلك على غيرك بحضوره فكم ممن حضر معنا رمضان الماضي هو الآن بين الأموات. ومع استعداد المتقين الصالحين لموسم الطاعات, يعد شياطين الإنس لهم الكثير والكثير من الموبقات ليتسلموا الراية من إخوانهم شياطين الجن, وليقولوا لهم بلسان حالهم, ستصفدون ونحن مكانكم فلا تقلقوا. أخي هذه دعوة صريحة من موقعنا المبارك لمقاطعة المسلسلات والأفلام في نهار رمضان وليله. قال النبي صلى الله عليه وسلم :«من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه»[رواه البخاري]. وتقبل الله منّا ومنك صالح الأعمال وشهركم مبارك إن شاء الله وكل عام وأنتم والأمّة الإسلامية بكل خير, وقد عمّ أرجائها الأمن والأمان والنصر والتمكين. مع رجاء تعميم هذه المقاطعة في جميع المواقع والمنتديات.

18‏/06‏/2013

لنغتنم شعبان قبل أن نودعه


بسم الله.. الحمد لله الّذي خلق المكان والزّمان، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّدٍ الّذي أكثر من الصّيام في شعبان، وعلى آله وصحبه وكل من اعتصم بالقرآن.. وبعد

فضائل شهر شعبان
عطية من عطايا الكريم المنان


عن أسامه بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قلت يا رسول الله، لم أراك تصوم شهرًا من الشّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهرٌ يغفل النّاس عنه بين رجب ورمضان وهو شهرٌ يرفع فيه الأعمال إلى ربّ العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» [حسنه الألباني 4/103 في إرواء الغليل].

لماذا سمي شعبان؟

شعبان هو اسم للشهر، وسمَّي بذل لأنّ العرب كانوا يتشعبون فيه (أي يتفرقون) لطلب المياه، وقيل تشعُّبهم في الغارات، وقيل لأنّه شعب (أي ظهر) بين شهري رجب ورمضان، ويُجمعُ على شعبانات وشعابين.

كثرة صيامه -صلّى الله عليه وسلّم- في شعبان:

لما كان شعبان كالمقدمة لرمضان، فحسن أن يكون فيه شيءٌ مما يكون في رمضان من صيامٍ.
عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» [البخاري 1969].

وعنها أيضًا -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان أحب الشّهور إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان» [رواه أبو داود 2431 والنّسائي 2349 وصححه الألباني].

قال الإمام ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "في الحديث دليل على فضل الصّوم في شعبان" (بلوغ المرام).

وقال الإمام ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "وأما صيام النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من أشهر السّنّة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشّهور" (لطائف المعارف)

وقال الإمام الصّنعاني -رحمه الله تعالى-: "وفيه دليلٌ على أنه يخص شعبان بالصّوم أكثر من غيره" (سبل السّلام).

الحكمة في إكثاره -صلّى الله عليه وسلّم الصّيام في شعبان: 

عن أسامه بن زيد -رضي الله تعالى عنهما- قال: قلت يا رسول الله، لم ارك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال :«ذاك شهرٌ يغفل النّاس عنه بين رجب ورمضان وهو شهرٌ يرفع فيه الأعمال إلى ربّ العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»[حسنه الألباني 4/103 في إرواء الغليل].

1- أفضل الصّيام بعد رمضان أيام شهر الله الحرام (محرم). 
3- كان -عليه الصّلاة والسّلام- يصوم في أيام شعبان ما لا يصوم في غيره من الشّهور.
3- باقي أيام الشّهور في الأفضلية سواءً إلا ما ورده فيه نص كصيام يوم عرفة وعاشوراء وشوَّال. إلخ 


قال الإمام ابن رجب -رحمه الله تعالى- في بيان حكمة الصيام في شعبان: "وفيه معانٍ وقد ذكر منها النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشّهر الحرام (رجب) وشهر الصيام (رمضان)، أشتغل النّاس بهما عنه، فصار مغفولًا عنه. وكثير من الناس يظنّ أنّ صيام رجب أفضل من صيام شعبان؛ لأنه شهر حرام، ولس كذلك" (لطائف المعارف).

الإعجاز العلمي في صيام شعبان

لقد ثبت علميًّا أنّ الجسم في أيام الصّوم الأولى يبدأ باستهلاك مخزونه الاحتياطيّ من الدّهون والبروتينات وغيرها (لتعويض النّقص الحاصل بسبب تقليل الطّعام) فينتج عن ذلك سموم تتدفق في الدّم (هرمون الأدرينالين)، قبل أن يتخلص منه الجسم مع الفضلات، مما يؤدي إلى شعور الصّائم ببعض الأعراض: كالصداع والوهن وسرعة الغضب وتغيُّر المزاج وقد يشتم ويسب.. إلخ ممّا قد يضطرّه لأن يترك الصّيام أحيانًا. وهذه الأعراض تزول بعد أن تعود نسب الهرمونات إلى وضعها الطّبيعيّ في الدّم خلال أيام من بدء الصّوم -بإذن الله تعالى- (وهذا ملاحظ لدى الصّائمين).
فصيام شعبان (المسنون) كالتّمرين على صيام رمضان (المفروض)، حتى لا يدخل المسلم في صوم رمضان على مشقةٍ وكلفةٍ ... والله -سبحانه وتعالى- أعلم.


الصّيام في آخر شعبان 

عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- (حافظ السّنّة، وحبيب المؤمنين) عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين. إلا رجل كان يصوم صوماً، فليصمه» [رواه مسلم 1082].
ومثال من له عادةً: أن يكون المسلم محافظ على صيام يومي الإثنين والخميس مثلًا، فلا بأس بصيامهما. 
كما نهى -صلّى الله عليه وسلّم- عن صيام (يوم الشّكّ) وهو يوم الثلاثين من شعبان إلا أن يوافق عادته في الصّيام.

من بدع ليلة النّصف من شعبان: 

1- الاحتفال بليلة النّصف من شعبان بأيِّ شكلٍ من أشكال الاحتفال، سواءً بالاجتماع على عبادات أو إنشاد القصائد والمدائح، أو بالإطعام واعتقاد أن ذلك سنّةٌ واردةٌ.

2- صلاة الألفيَّة (في تلك الليلة) وتسمى أيضًا صلاة البراءة.

3-كذلك صلاة أربع عشرة ركعة أو اثنتي عشرة ركعة أو ست ركعات فيها.

4- تخصيص صلاة العشاء في ليلة النصف من شعبان بقراءة سورة يس، أو بقراءة بعض السّور بعدد مخصص كسورة الإخلاص، أو تخصيصها بدعاءٍ يسمى دعاء ليلة النّصف من شعبان، وربما شرطوا القبول هذا الدّعاء قراءة سورة يس أو صلاة ركعتين قبله. وكذلك تخصيصها بالصّوم، أو التّصدق، أو اعتقاد أنّ ليلة النّصف من شعبان مثل ليلة القدر في الفضل... 

حكم الاحتفال بليلة النّصف من شعبان؟ 

سئل الشّيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- عن ليلة النّصف من شعبان؟ وهل لها صلاة خاصة؟ 

فأجاب: ليلة النّصف من شعبان ليس فيها حديث صحيح. وكل الأحاديث الواردة فيها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها، وهي ليلة ليس لها خصوصية، لا قراءة ولا صلاة خاصّة ولا جماعة... وما قاله بعض العلماء أنّ لها خصوصية فهو قولٌ ضعيفٌ، فلا يجوز أن تخصّ بشيءٍ.. هذا هو الصّواب، وبالله التوفيق. انتهى. (الفتاوى. ج.1).

مركز وذكر

27‏/05‏/2013

وسائل معينة على المداومة على العمل الصالح

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن أحب العمل إلى الله ما دوام عليه صاحبه وإن قلَّ، لكن السؤال المهم هنا هو: ما هي الوسائل التي تعين المرء على المداومة على العمل الصالح؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذه الأسطر بإذن الله تبارك وتعالى، فنقول:
إن ثمة وسائل تعين المرء على الاستمرار والمداومة على العمل الصالح منها:
أولاً: العزيمة الصادقة، والثبات عليها: يحدثنا عن أهمية ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله فيقول: "كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص، فإذا انضم الثبات إلى  العزيمة أثمر كل مقام شريف، وحال كامل"1، وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد))2؛ يقول ابن القيم رحمه الله: "وهاتان الكلمتان هما جماع الفلاح، وما أتي العبد إلا من تضييعهما، أو تضييع أحدهما، فما أُتي أحد إلا من باب العجلة والطيش، واستفزاز البداءآت له، أو من باب التهاون والتماوت، وتضييع الفرصة بعد مواتاتها، فإذا حصل الثبات أولاً، والعزيمة ثانياً؛ أفلح كل الفلاح"3.
ثانياً:الاقتصاد في العبادة، وعدم الإثقال على النفس بأعمال تؤدي إلى المشقة، وتفضي إلى السآمة والملل من العبادة فقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: "أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((أدومها وإن قلَّ))، وقال: ((أكلَفوا من الأعمال ما تطيقون)) رواه البخاري (6100)، وحذَّر صلى الله عليه وسلم من الغلوِّ والتشدُّد فجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة)) رواه البخاري (39).
فعلى المرء المسلم أن تكون عبادته قصداً لا إفراط ولا تفريط، بل تكون على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ((لكل عمل شرة، ثم فترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضلَّ، ومن كانت فترته إلى سنَّة فقد اهتدى))4 يقول ابن القيم رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: "قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل، فكل الخير في اجتهاد باقتصاد، وإخلاص مقرون بالاتباع كما قال بعض الصحابة: "اقتصاد في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة"، فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء عليهم السلام وسنتهم"5، و لما دخل صلى الله عليه وسلم المسجد رأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين، فقال: ((ما هذا الحبل؟)) قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلَّقت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا.. حلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد)) رواه البخاري (1099)، ومسلم (784).
ثالثاً: قراءة القرآن بتدبر وتعقل: فإن القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهو وسيلة من وسائل الثبات والتثبيت على المداومة على العمل الصالح، وهو الذي ربى الأمة َوأدبها، وزكى منها النفوس، وصفى القرائح، وأعلى الهمم، وغرس الإيمان في الأفئدة، وفي قراءته تثبيت لقلب القارئ المتدبر لما يقرأ؛ لأنه يقرأ آيات الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من تركه كقوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(المنافقون:10-11).
رابعاً: الإكثار من تذكر الموتِ: فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار من ذكر الموت فقال: ((أكثروا من ذكرَ هاذمِ اللذات))6 أي الموت، فمن أكثر من ذكر الموت نَشَط في عمله، ولم يغتر بطول أمله؛ بل يبادر بالأعمال قبل نزول أجله، ويحذر من الركون إلى الدنيا.
خامساً: صحبة الأخيار: الذين يعينون على طاعة الله عز وجل؛ فإن الإنسان ينشط للقيام بالطاعة حين يرى أن إخوانه من حوله مقيمون عليها، وقد يشعر بالخجل من نفسه إن رآهم على طاعة وهو مقصر، فلهذا كانت صحبة الأخيار، وأهل الفضل والصلاح الذين إذا رآهم الإنسان ذكَّرته رؤيتهم بالله عز وجل وبطاعته؛ محل اهتمام الإسلام.
سادساً: التعرف على سير الصحابة والسلف الصالح: من خلال القراءة للكتب، أو سماع الأشرطة، فإنها تبعث في النفس الهمة والعزيمة، وقد أحسن من قال:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم     إن التشبه بالكرام فلاح
سابعاً: الدعاء وسؤال الله الثبات، والاستمرار على العمل الصالح: فإن الله سبحانه قد أثنى على الراسخين في العلم أنهم يسألون ربهم الثبات على الهداية: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}(آل عمران:8)، وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في دعاءه أن يقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك))7، وأوصى عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل رضي الله عنه بأن يدعو بعد كل صلاة أن يعينه ربه على ذكره وشكره فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: ((يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك))، فقال: ((أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك))8، وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: ((رب أعنِّي ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ..))9، فالتوفيق والعون من الله وحده، وقد أحسن من قال:
إذا لم يكن عون من الله للفتى    فأول ما يجني عليه اجتهاده
ثامناً: المحافظة على النوافل: ولو كانت قليلة، وذلك بعد المحافظة على الفرائض، لأن في المحافظة على النوافل صيانة وحماية للفرائض.
تاسعاً: الإكثار من ذكر الله، والاستغفار: فإنه عمل يسير، ونفعه كبير، يزيد الإيمان، ويُقوي القلب، ويبعد عن الغفلة.
عاشراً: البعد عن المعاصي: فإن المعصية تجر إلى أختها، ومن عقوباتها أنها: تحرم العبد لذة العبادة، فتكون مدعاة لترك العمل.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وأن يجعلنا صالحين مصلحين، لا ضالين ولا مضلين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

1 طريق الهجرتين وباب السعادتين (1/400-401) لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، تحقيق : عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم - الدمام، ط. الثانية (1414هـ).
2 رواه أحمد (17155) ، وابن حبان في صحيحه برقم (935). وقال محققو المسند: "حديث حسن بطرقه، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه؛ حسان بن عطية لم يدرك شداد بن أوس، ورجال الإسناد ثقات رجال الشيخين".
3  مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/142) لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار الكتب العلمية - بيروت.
4 رواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (2105 )، وأحمد في مسنده برقم (23521)، وقال محققو المسند ومنهم شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح".
5 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/108) لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي - بيروت، ط. الثانية (1393-1973).
6 رواه الترمذي برقم (2307)، والنسائي برقم (1824)، وابن ماجة برقم (4258)، وقال الألباني: "حسن صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب برقم (3333).
7 رواه الترمذي برقم (2140)، وقال الألباني: "حسن" كما في السلسة الصحيحة برقم (2091).
8 رواه أبو داود برقم (1522)، وأحمد برقم (22179)، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب برقم (1596).
9 رواه أبو داود برقم (1510)، والترمذي برقم (3551) وابن ماجة برقم (3830)، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الأدب المفرد برقم (665).

الطفله سلسبيل بكت وابكت الرجال من أجل مئآت اليه الامة الاسلامية

10‏/03‏/2013

التربية القرانية وأثرها على الفرد والمجتمع


لم تكن تربية الأصحاب داخل قاعات المحاضرات يتلقون الدروس النظرية للحفظ والترديد، ولكنها كانت تربية من خلال الأحداث والجهد والجهاد والتعب والنصب، كانت الآيات تتنزل على خلجات نفوسهم وترشدهم وتصوبهم وتبين لهم قوانين النصر والهزيمة وسنن الله في الأمم والجماعات.
نزلت آيات سورة الأنفال معاتبة للمسلمين الذين شهدوا بدراً لاختلافهم حول الغنائم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1]، ونزلت معاتبة لهم حرصهم على القافلة: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال: 7]، ومع أن الخلاف على الغنائم لم يقع من الكل إلا أن الآيات خاطبت الجميع وكأنهم جسم واحد؛ إبرازاً لأهمية الجماعة وتماسكها ودورها في حماية الفرد ومسؤوليتها عما يقع داخل الصف، وعندما أخطأ بعض الصحابة في أحد وعصوا أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم جاء الخطاب أيضاً للجميع: {حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152]، {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]

وهذه أعظم تربية وأكملها لترسيخ تضامن المجتمع الإسلامي ، يقول ابن عطية في تفسيره : جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي عاتبهم الله تعالى عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة منها: وعظ الجميع وزجره، ومنها: الستر والإبقاء على من فعل. [تفسير ابن عطية: ج3 ، ص262].
ومن التربية القرآنية: أن العتاب جاء شديداً بعد بدر مع أنهم خرجوا منتصرين، وقد بذلوا أرواحهم في سبيل الله، والبدريون هم الطبقة الأولى من الصحابة، قيل لهم: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1]، ويصور حالهم قبل المعركة: {يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6] وكل ذلك حتى لا يصيبهم غوائل الظفر التي تصيب الإنسان عادة في مثل هذه الأحوال، وحتى لا يصيبهم الغرور في الدين فيظنوا أنه لابد من النصر في كل موقف لأنهم مسلمون، ولذلك قال لهم: {وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، {وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ} [آل عمران: 126]، وكأنه يريد منهم الاستمرار على هذا المستوى الإيماني ليكونوا أصحاب رسالة للعالم أجمع.
كان الموقف في أُحد مغايراً لما حدث في بدر؛ فقد تحول سير المعركة لغير صالح المسلمين بعد عصيان الرماة، وكانت النتائج مؤلمة، وقد ترك بعضهم أرض المعركة، ومع ذلك فقد جاءت الآيات لتعفو عنهم، ولتمس ما حدث مسّاً رقيقاً، وكأنها يد حانية تمسح جراحاتهم، وتزيل عنهم آثار الغم الذي أصابهم، قال تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140]، {وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]، {إنَّ الَذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155]، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159].

أي دُمْ على مشاورتك لهم وإن وقع منهم ما وقع، ولو أن الآيات جاءت مقرعة وموبخة لهم أشد التوبيخ، بعد أن أصيبوا في أنفسهم، ورأوا ما حل برسول الله صلى الله عليه وسلم لأصابهم من الفشل والإحباط الشيء الكثير، وأما الدرس فقد تعلموه، وما نسوه أبداً بعد أُحد، وهذه هي التربية القرآنية.

02‏/02‏/2013

وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم

تشعر أمة الإسلام اليوم بغربة حقيقية بين الأمم المعاصرة ، وتجد نفسها فريدة ومتميزة على مستوى المبادئ والمفاهيم والأهداف ؛ وهذا التميز والتأبي على السير في ركاب القوى العظمى جرّ عليها ضغوطاً أدبية ومادية ، هي أكبر مما نظن بكثير .
إن أدبياتنا تعلمنا أن الأسلوب الصحيح في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته لايكمن في التشاغل بالرد عليها ؛ مما قد يجرنا إلى معارك خاسرة ، وإنما يتمثل في الانكفاء على الداخل بالإصلاح والتنقية والتدعيم ... ولا ريب أن ذلك شاق على النفس ؛ لأن المرء آنذاك ينقد نفسه ، ويجعل من ذاته الحجر والنحّات في آن واحد !
والآية الكريمة التي نحن بصددها معْلم بارز في التأصيل لهذا الانكفاء ، ولعلنا نقتبس من الدوران في فلكها الأنوار التالية :
1- إن كثيراً من النصوص يوجهنا نحو الانكفاء على الداخل في مواجهة الخارج بالنقد والإصلاح والتقويم والتحسين ، وإن المتتبع للمنهج القرآني في قصِّه أحوال الأمم السابقة يجد أن ما ذكره القرآن الكريم من أسباب انقراضها واندثار حضاراتها لا يعود أبداً إلى قصور عمراني ، أو سوء في إدارة الموارد واستغلالها ؛ وإنما يعود إلى قصور داخلي ، يتمثل في الإعراض عن منهج الله (جلّ وعلا) واستدبار رسالات الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذه الحقيقة بارزة في جميع أخبار الأمم السابقة ؛ حتى يتأصل في حسِّ القارئ للكتاب العزيز إعطاء الأولوية لصواب المنهج قبل أي شيء آخر .
وحين حلّت الهزيمة بالمسلمين في أحد ، وقال بعض الصحابة (رضوان الله عليهم ) : كيف نُهزَم ونحن جند الله ؟ ! جاء الجواب : { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ } [آل عمران : 165] فالهزيمة وقعت بسبب خلل داخلي ، وليس بسبب شراسة الأعداء ، وكثرة عددهم وعتادهم ؛ إذ لا ينبغي تضخيم العدو إلى الحد الذي يجعل تصور هزيمته شيئاً بعيداً ؛ فالعدو بَشَر له أحاسيسه ، وله موازناته ومشكلاته ، وبالتالي إمكاناته أيضاً ، وفي هذا يقول (سبحانه) : { إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ كَمَا تَاًلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ } [النساء : 104] .

2- ترمي الآية الكريمة إلى تدعيم (الذاتي) في مقابل (الموضوعي) ؛ إذ تعلِّم المسلم أنه إذا ساءت الظروف فإن عليه أن يُحسِّن من ذاته ؛ لأن من المعروف أنه حين تسوء الظروف ، فإن الغالب أن يسوء الإنسان نفسه ، ولذلك : فإنه يحدث في حالات الفقر الشديد نوع من التحلل الخلقي من نحو : السرقة ، والرشوة ، وسؤال الناس ، والذل ، والتحايل ، والغش ، والبخل ، وقطيعة الرحم ... والمطلوب من المسلم آنذاك : أن يقف (وقفة رجل) فيضغط على نفسه ، ويضبط سلوكه ويُلغي أو
يؤجل بعض رغائبه ، ويقتصد في نفقاته ، حتى تمر العاصفة ، وينتهي الظرف الاستثنائي .
ومن النصوص الواضحة في تدعيم الشخصية عند صعوبة الظروف قوله :
(يا معشر الشباب : من استطاع منكم الباءة ، فليتزوج ؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [1] .
لم نكن على مدار التاريخ نمتلك الوعي الكافي بهذه الحقيقة ، فبدل أن نلجأ إلى التربية والتوجيه والتعاضد والتراحم ، واكتساب عادات جديدة ، واقتلاع المشكلات من جذورها .. كنا نواجه التفسخ الاجتماعي والانحراف السلوكي بأمرين : القوة ، ومزيد من القوانين ، حيث كانا أقرب الأشياء إلينا تناولاً ، وأقلها تكلفة حسب ما يبدو وقد عبّر عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) عن هذه الحقيقة حيث قال : (يحدث للناس من الأقضية على مقدار ما يُحدثون من الفجور) .
ونحن نقول : إن شيئاً من التوسع في الأنظمة والتشريعات الرادعة يحدث عند جميع الأمم ، حين يقع تهديد خطير لأمن الناس وحقوقهم ، لكن الجزاءات والعقوبات هي أشبه شيء بالتدخل الجراحي في العلاج الطبي ، فهو آخر الحلول ، وعند اللجوء إليه ينبغي أن يتم في أضيق الحدود ! .
إن العقوبات الرادعة إنما وجدت لمن فاتتهم التنشئة الاجتماعية القويمة ؛ والعقوبات لا تنشيء مجتمعاً لكنها تحميه . وهذه رؤية إسلامية جلية ، فآيات الأحكام والعقوبات جزء منها لا تشكل أكثر من عُشْر آيات القرآن الكريم ، أما الباقي فكان يستهدف البناء الإيجابي للإنسان من الداخل . إن التجربة علمتنا أن كثرة القوانين وتعقيدها تصب دائماً في مصلحة الأقوياء ، وتزيد في قيود الضعفاء ! ، وأن البطش لا يحل المشكلات ، لكن يؤجلها ، فيكون حال المجتمع كمن يأكل عن طريق الدّين ، فهو ينتقل من سيء إلى أسوأ ! ! .
إن الدولة الفاضلة هي التي تدير مجتمعها بأقل قدر ممكن من العنف واستخدام القوة ؛ لأنها ترتكز أساساً على استخدام الأساليب والأدوات السلمية في الضبط والإدارة .
إن الآية الكريمة تعلمنا مرة أخرى : أن النصر الخاص يسبق النصر العام ، وأن الأمة المنتصرة على أعدائها هي أمة حققت نصراً داخليّاً أولاً ، وحقق كل واحد من أفرادها نصراً خاصّاً على صعيده الشخصي قبل كل ذلك .
3- لا ينبغي لنا أن نفهم نصّاً من النصوص بمعزل عن المنظومة التي ينتمي إليها ، ويعالج معها مشكلة واحدة ؛ والنص الكريم هنا يوجهنا إلى أمرين : الصبر ، والتقوى .
ويعني الصبر : احتمال المشاق والديمومة في تأدية التكاليف الربانية ، مهما كانت الظروف قاسية ؛ لأن ذلك نصف النصر ، إذ إن نصف الفوز يأتي من جهودنا ، وقبله من توفيق الله (تعالى) لنا ، والنصف الثاني يأتي من أخطاء أعدائنا .
إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة كما هو مفهوم العوام لكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة ، وقد جرت العادة أن الناس حين يرون إنساناً متفوقاً : يطلبون منه حلولاً سريعة لمشكلاتهم المتخمرة والمتأسنة ؛ والحلول السريعة تفضي في كثير من الأحيان إلى اليأس والإحباط ، أو إلى الاندفاع والتهور ؛ مما يعقِّد المشكلة أكثر مما يحلها ! .
إن من المهم أن ندرك أن ثمة أوضاعاً كثيرة لا نستطيع أن نفعل حيالها الآن شيئاً ، لكن إذا قلنا : ماذا نستطيع أن نفعل تجاهها خلال عشرين عاماً ، فسوف نرى أننا نستطيع أن نفعل أشياء كثيرة جدّاً ، فكأن الصبر استخدام للوقت في الخلاص من أوضاع لا نستطيع الآن أن ننجح في الخلاص منها .
حقيقةُ ضرورة اقتران الصبر بالعمل والحركة للخلاص من الأوضاع الصعبة حقيقة قرآنية لامعة ، نطقت بها الكثير من الآيات القرآنية ، مثل قوله (سبحانه) : { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النحل : 110] ، وقوله (سبحانه) : { يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة : 153] ، وقوله (تعالى) : { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً } [الإنسان : 24] .
إن احتمال المعاناة دون حركة للخلاص من مسبِّباتها قد يكون ضرباً من اليأس والاستسلام ، وقد يكون ضرباً من العجز أو قصر النظر أو ضيق الأفق ... وهذا ما لا يرضى الله (جل وعلا) لعباده المؤمنين منه شيئاً .
أما التقوى فتعني هنا بصورة أساسية : نوعاً من الحصانة الداخلية من التأثر بالظروف السيئة المحيطة ؛ إذ إن الهزائم العسكرية والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية .. كل ذلك محدود الضرر ما لم يغير من المبادئ والأخلاق والنفوس والسلوك ، بل إنها تصلّب روح المقاومة ، وتُكسب الخبرة ، وتكشف عن الأجزاء الرخوة في البناء الداخلي ، وتحطِّم هيبة العدو في النفوس .
وقد مرّت أمم كثيرة بأقصى مما نمر به ، لكنها استطاعت عن طريق الانتفاضة النفسية والشعورية ، أن تتجاوز المحن ، وتنبعث من جديد ! .

4- إن المفهوم الأساسي للصبر والتقوى هنا هو : تهذيب الذات وتحسينها ، وتدعيمها ، والرقي بها ؛ وهذا التدعيم يأخذ أشكالاً كثيرة ، منها : المزيد من الالتزام الصارم ، ومقاومة الشهوات ، والتعاون ، والمفاتحة ، والمراجعة ، والتضحية ، والمواساة لبعضنا بعضاً ، والحفاظ على رأس المال الوطني ، والاقتصاد في الاستهلاك .. إنه يعني اكتساب عادات جديدة ، من نحو تكثيف القراءة الجيدة ، والنظر دائماً إلى المستقبل بعقل مفتوح ، وتحسين العلاقات مع الآخرين ، والإكثار من المعروف والنوافل ، إلى جانب التخلص من أكبر قدر ممكن من العادات السيئة ، مثل عدم الدقة وخلف الوعد ، وتأجيل أعمال اليوم إلى أوقات أخرى ...

5- يركز الخطاب الإسلامي بصورة عامة على تدعيم الذاتي في كل الأحوال ، وقلما يتطرق إلى علاج الظروف العامة التي يعيش فيها المسلم ، ومن ثم : فإننا نجده يؤكد على الصلاح واستقامة السلوك والانتهاء عن المناهي ...
أما تناول الشروط الموضوعية الضرورية لاستجابة المسلم للدعوة فإنه ضعيف ، وعلى بعض الأصعدة معدوم ، وهو على كل حال فقير ، وتنقصه الخبرة والدربة .
إن بين الإنسان والظروف والأوضاع الحياتية العامة التي يعيشها علاقة جدلية فهو يؤثر فيها ويتأثر بها ، ولا بد للدعاة من أن يدركوا أن الفرد المسلم لا يستطيع أن يبتعد مسافات كبيرة عن الوضعية العامة للمجتمع ، وذلك التباعد مرهق ومكلف ؛ فحين يكون كسب القوت الضروري لا يتأتى للسواد الأعظم من الناس إلا عن طرق محرمة أو ملتوية مثلاً فإن الذين سوف يستجيبون لنداء (اللقمة الحلال) سيكونون قلة ، وسوف تظل مبادئهم في حالة اختبار دائم ، وربما أدخلهم ذلك في مشكلات مع أقرب الناس إليهم .
ولهذا : فكما أن محاولات تحسين المستوى الشخصي للمسلم يظل ضروريًّا وحيويّاً ، فإن تحسين المناخ العام ينبغي أن يظل موضع عناية واهتمام ؛ إذ ليس المطلوب تحقيق شروط الدعوة الجيدة ، وإنما تحقيق شروط الاستجابة الناجحة أيضاً .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
________________________
(*) الآية : 120 من سورة آل عمران .
(1) أخرجه البخاري ، كتاب النكاح .

قل للطبيب تخطفته

21‏/01‏/2013

كلمة إلى أهل العلم والدعوة حذار من الإشعاعات الإعلاميَّة السَّامة


  نلحظ أنَّ وسائل الإعلام تقتنص تلك الفرصَ الذهبيَّة الثمينة، حين يقوم بعض الرموز العلميَّة، سواء أكان شيخًا، أم عالمًا، أم مفكرًا إسلاميًّا، بالظهور في وسائل الإعلام، ويدلي برأيه عبر مقابلة صحفية سريعة، أو إثر حديث له على هامش ندوة أو مؤتمر، يقابله أحدُ الإعلاميين أو الصحفيين، فيسأل ذلك الرمزَ بعضَ الأسئلة، فيقوم ذلك الإعلامي والصحفي بنشر هذه المقابلة، ثمَّ تنشط وسائل الإعلام لنشر ما قاله ذلك الشيخ من: (فرقعة فقهيَّة غريبة)، أو (رأي فقهي شاذ)، أو زيغة من حكيم، أو زلَّة من عالم، أو فُتيا لشيخ لم تُفهَم على الوجه الصحيح، فتنشر مبتورةً، دون مراعاةِ سياقها العام والتام لشرح هذه الفكرة.

وكثيرًا ما تفاجئنا وسائلُ الإعلام بشيء من هذا القبيل، فهذا دكتور يفتي بجواز رضاع المرأة الموظفة لزميلها في العمل؛ حتَّى لا يكون جلوسهما في العمل نفسه خلوةً محرَّمة؛ بشرط توثيق ذلك الإرضاع رسميًّا، أو ذلك الذي أفتى بجواز أن تضرب المرأة زوجَها حين تتأذَّى منه، ويتابعه آخر فيقول بجواز ضرب المرأة لزوجها، فضلاً عن تعلم أنواع ومهارات الكراتيه والتايكوندو؛ للدفاع عن نفسها، وهذا الذي يفتي بجواز التبرُّك ببول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنَّ بوله طاهر، وهو أول العارفين بأنَّه لا يوجد أثر لبوله - صلى الله عليه وسلم - فلا ندري ما فائدة مثل هذه الفتيا، وآخر يفتي بجواز سباحة الفتيات مع الشباب في الحصص الدراسيَّة الرياضيَّة؛ بحجَّة الضرورة؛ شرط ألاَّ ينظر ذلك الشابُّ لتلك الفتاةِ، ولو كانت لابسةً لباسًا عاريًا.

بالطبع كثير ممَّن له إسهامات في مثل هذه الفتاوى الشاذة أو الغريبة، لديهم عدَّة شطحات في مجال الآراء التي تخرج عنهم مرَّة بعد أخرى، وهم الذين نجد أنَّ وسائل الإعلام تصدِّرهم، وتحاول أن تخرجهم كثيرًا عبر أثيرها؛ لكي يَظهروا بمظهر الشيخ، أو الداعية، أو المفتي، وقلَّ أن نجد وسائل الإعلام - إلاَّ ما رحم الله - تستضيف الثقاتِ العدولَ، وأهلَ التوازن في فقههم ورأيهم الشرعي.

وإني بهذا السياق لا أعمِّم هذا الكلام على جميع العلماء أو الدعاة الفضلاء، أو المفكرين الأثبات، فهنالك طائفة بعينها تحتاج لنوع من التذكير في هذا الموضوع؛ لغريب ما يصدر عنها من آراء شاذة، أو فتاوى غريبة.

ولن أطيل في نقل بعض الفتاوى الشاذة أو الغريبة التي تخرج من بعض الأشياخ أو الدعاة، ولن أناقش هنا مَن هو العالم الذي يُؤخذ بقوله؟ ومَن هو الشيخ الذي ينبغي أن نأخذ عنه دينَنا وشرعنا؟ أوعن فقهاء التساهل والمتساقطين تحت ضغط الواقع.


فكلُّ هذا يحتاج لنقاش شرعي، وإن كنتُ قد كتبت مقالاً سابقًا بعنوان: "انظروا عمَّن تأخذون دينكم"، وأوضحتُ فيه صفاتِ العلماء الذين ينبغي أن يُؤخذَ عنهم العلمُ، وقد نُشر في عدَّة مواقع على الشبكة العنكبوتيَّة[1].

بودِّي في هذا المقال أن أناقش قضيةً حسَّاسة، أرى أنَّ مِن مقتضيات فقه العصرِ الوقوفَ عندها، وأنَّ واجب الوقت الحديث عنها؛ وذلك لأهميَّتها؛ فإنَّ حديث ذلك الرمز - سواء أكان شيخًا أم داعية أم مفتيًا - ينبغي أن يسترعي في حديثه عدَّة مهمَّات؛ لكي لا تزلَّ قدمٌ بعد ثبوتها، وحتَّى يكون الحديث لدى وسائل الإعلام مدروسًا، خصوصًا إن كان طلبًا لحوار صحفي، فلا يكون عبر موافقة مباشرة، دون معرفة ما الأسئلة التي ستقال، والاستفسارات التي ستلقى على مرأى ومسمع ذلك الرمز، أو على الأقل أن يكون لدى هذا الرمز إجابات مسبقة ومعروفة ومعهودة عنه في بعض القضايا التي يحبُّ أن يثيرها بعضُ الإعلاميين؛ لكشف رأيه عنها، وقد يكون لديه رأي معين، أو مسألة يدرسها؛ ولكنَّه لم ينتهِ من دراستها، أو لم تتحرَّر لديه، أو أن يكون بعض تلك القضايا ليس من الحِكمة أن تُثار وتُقال عَبرَ وسائل الإعلام، فيكون الجواب عن ذلك على الأقل: الله أعلم، أو بدون تعليق؛ ليحمي نفسه من إثارة زوبعة إعلامية كبرى، قد تُذاع في كبرى المحطات الفضائيَّة، أو تُنشَر على أضخم الصحائف المحليَّة، وقد لا يشعر أنَّ رأيه ذاك، أو فتواه تلك قد كان لها ذلك الزخم الإعلامي، الذي لم يكن يحسب له حسابًا واحدًا، فضلاً عن ألف حساب!

* خطورة ابتلاع الـ(طعم) الإعلامي: 
لأهل العلم والدعوة في دين الإسلام مزيَّةٌ عن غيرهم، ودرجة عالية، ومرتبة سامقة، ويكفي أنَّ الله - عزَّ وجل - قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، ويقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وقال – تعالى -: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت: 33]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((فضلُ العالمِ على العابد كفضلي على أدناكم))، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن دعا إلى هدًى، كان له مِن الأجر مثلُ أجور مَن تَبِعه، غير أنَّه لا ينقص من أجورهم شيئًا))، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على منزلة العلم، وفضل الدعوة إلى الله.
لكنَّ المشكلة الكبيرة أنَّ بعض أهل العلم والدعوة، قلَّما يكون لديهم خارطة واضحة في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام المرئية، والمقروءة، والمسموعة، وعن كيفية الجواب على سؤال ذلك الإعلامي، الذي قد يكون همُّه الوصولَ إلى التشويش أو التشويه لأهل العلم والفضل، فحين يعثر على بُغيته، تجده ينشر ذلك الرأيَ عبر وسائل الإعلام؛ لكي يحصل بذلك التندر بأقوالهم، والتحدث عنهم، وتشويه صورتهم، وقد تكون هذه الفتوى مبتورة، أو ذلك الرأي ناقصًا، أو يكون هو بعينه رأي ذلك الشيخ أو الداعية، ولكنَّها تُعدُّ زلةً أو زيغة من حكيم، وما أشبه ذلك.

مع أنَّه في الواقع يجدر بمن يعمل في هذه الوسائل الإعلاميَّة أن يتقي الله - عزَّ وجل - في نقله، ويَحذَر من إلقاء التُّهمة على ذلك الرمز العلمي، إلاَّ بعد التأكُّد والتريُّث، فضلاً عن دراسة نشر ما نُسٍبَ لذلك الرمز، وما أحسَنَ كلامَ الإمامِ ابن حجر العسقلاني حين قال: "إنَّ الذي يتصدَّى لضبط الوقائع من الأقوال، والأفعال، والرجال - يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلاَّ بما يتحقَّقه، ولا يكتفي بالقول الشائع، ولا سيَّما إن ترتَّب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحدٍ مِن أهل العلم والصلاح"[2].

نعم، قد تحصل مزالقُ فقهيَّةٌ، أو زلاَّت من بعض المنتسبين للعلم والدعوة، ولا شك أنَّ كل بني آدم خطَّاء، وأنَّ العالم أو الداعية يجوز عليه الخطأ كما يجوز على غيره، وأنَّ العلماء أو الدعاة ليسوا معصومين من الوقوع في الخطأ؛ لكنِّي لا أستغرب أو أتعجب أن تكون هنالك خطة مبرمجة؛ لتشويه الرموز العلمية والدينية في بلدان المسلمين، (وليس ذلك تأثُّرًا بما قد يظنُّه الظانُّ بنظرية المؤامرة)؛ وذلك أنَّنا نلاحظ من بعض الوسائل الإعلاميَّة التركيزَ في أخبارها على بعض السقطات والزلاَّت التي تَخرج من بعض العلماء والدعاة، فحين يعلم ذلك الصحفي أو الإعلامي، أو يتنامى إليه قولٌ غريب، يقول به ذلك الشيخُ أو العالم، يهرع إليه طالبًا منه مقابلةً صحفية عبر صحيفة أو فضائيَّة؛ ليستفتيه في بعض الآراء، أو يأخذ رأيه في بعض المسائل المهمة، ويكون المقصدُ هو الولوجَ لتلك المسألة؛ ليقول الشيخ أو الداعية قولتَه، فيطير بها ذلك الإعلاميُّ مشيعًا لها في وسائل الإعلام، ويتم المراد من تشويه الرموز الإسلامية واحدًا بعد الآخر.

من اليقين أنَّ هنالك بعضَ الرموز العلميَّة الذين وعوا أهميَّة وسائل الإعلام، وضرورتها لجميع الناس، بَيْدَ أنَّهم قبل اتصال أيَّة جهة إعلامية بهم، يطلبون منها التريثَ قبل الموافقة المباشرة، ويتحرون عنها، وعن الذي سيحاوره أو يطلب منه اللقاء، ويدرس ذلك الرمز منهجيَّةَ البرنامج، ولو بحلقتين أو ثلاث حلقات سابقة؛ لكي تكون لديه دُربة ودراية بالمحيط الإعلامي الذي سيرتاده؛ حتى لا توقعه المطبَّاتُ الإعلاميَّة في حرجٍ بالِغ، ويكون لديها ما تريد، والرسالة التي كان يسعى هذا الرمزُ العلمي لتوصيلها تضيع بين سؤالات المذيع؛ بل هنالك بعض الفضلاء من أهل العلم والفكر، يقومون بأخذ دورات مهنيَّة في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام، سواء في دروس، أو محاضرات، أو تصريحات، أو لقاءات، وما شاكل.

* عالجوا أنفسكم قبل معالجة الناس:
أذكِّر نفسي وإخواني من أهل العلم والفكر والدعوة، وأنا تلميذ محبٌّ لهم، ومتطفل على موائدهم، أذكِّرهم بهذه النصيحة التي ائتمننا عليها الشارعُ الحكيم بنصح أئمة المسلمين، بأن يجدِّد أهل العلم والدعوة محاسبتَهم لأنفسهم في صلاح النيَّة، ومداومة تذكُّر الإخلاص لله ربِّ العالمين؛ فالنيات مطايا، مع ملازمة دعاء الله، والتوجه إليه بقلب صادق، ودعاء المضطر أن يهديهم سواء السبيل، وأن يربط على قلوبهم، ويثبِّت أفئدتهم، ويكفيَهم شرَّ كل ذي شر.
ومن الضروري بمكان أن يضع ذلك الرمزُ العلمي في مخيِّلته عدَّةَ نقاط، سائلاً نفسه: ماذا أريد من خروجي الإعلامي؟ هل حبَّ الثناء من الناس ومحمدتهم؟ أو حبَّ الظهور الذي يقصم الظهور؟ أو لحب الرياسة التي سمَّاها العلماء (الشهوة الخفيَّة)؟ أو النجوميَّة والشهرة التي تكون في كثير منها محرقة لا مشرقة؟ فيبدأ الشيخ أو ذلك الرمز واعظًا صادقًا، ثم ينتهي إلى نجم فضائي، يدردش مع المتبرجات، ويمازح الشقراوات الحسان، ويجلس معهنَّ جنبًا إلى جنب؛ بحجَّة مصلحة الدعوة، ويضيع الدِّين والورع والتقوى، ويسقط حجاب الهيبة الذي يضعه الله - تعالى - لهم؛ بسبب تصرفاتهم التي لا ترضي اللهَ - عزَّ وجل.

لقد شعر الإمام ابن المبارك أنَّ أحد القضاة الذي كان يعرفه، بميوله للدنيا وأهلها، فأرسل له رسالة شعرية قائلاً:
يَا  جَاعِلَ  العِلْمِ   لَهُ   بَازِيًا        يَصْطَادُ   أَمْوالَ    المَسَاكِينِ
احْتَلْتَ    لِلدُّنْيَا     وَلَذَّاتِهَا        بِحِيلَةٍ     تَذْهَبُ      بِالدِّينِ
فَصِرْتَ  مَجْنُونًا  بِهَا  بَعْدَمَا        كُنْتَ     دَوَاءً     لِلمَجَانِينِ
أَيْنَ  رِوَايَاتُكَ  فِي   سَرْدِهَا        عَنِ ابْنِ  عَوْنٍ  وَابْنِ  سِيرِينِ
إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فَمَاذَا كَذَا        زَلَّ حِمَارُ العِلْمِ  فِي  الطِّينِ
وهذه الأبيات تنم في الحقيقة عن عمق فكري، ونظر مستقبلي من الإمام ابن المبارك، وتتناسب طردًا مع ما يقوم به بعضُ الدعاة والعلماء، الذين - وللأسف - صاروا يتطايرون لوسائل الإعلام أيًّا كانت، كما تتطاير الفراش على الضوء اللاهب، وقد يذهب هذا الفراش لحتفه، ظانًّا أنَّ عند هذا الضوءِ سبيلَ نجاة أو مصلحةً له، فيكون محرقة له.
* حتى لا يكون في حديث أهل العلم فتنة:
إنَّ الحديث لوسائل الإعلام - سواء أكان هذا الحديث عبر برنامج (فتوى)، أم برنامج (حوار)، أم مؤتمر، أم ندوة - ينبغي أن يَأخذ ذلك المتحدِّثُ في اعتباره عدَّةَ أمور؛ لكي يكون حصيفًا ذكيًّا، ولكي لا يستغل أي شخص يرغب في ترويج شيء ما إلى أذهان الناس من خلال تلك الخرجات الفضائيَّة، وقد يستغفل بعضهم أولي العلم؛ بسبب قلَّة خبرتهم في التعامل مع وسائل الإعلام، فيقول الشيخ كلمةً أو رأيًا فقهيًّا لم يدقِّق في صحته، ثمَّ حين يشتهر هذا الرأي عنه، يقوم ذلك الشيخ بذكر رأيه مرَّة أخرى بكتابة بيان أو فتوى، أو أن يتراجع ذلك الشيخ أمام الناس - وتراجعه حسن جميل إن كان تراجعًا صحيحًا - وكأنَّه لا تحق المراجعات إلا للشيوخ والعلماء والدعاة، وهي التي تُنشر، وأمَّا غيرهم فهم على ثبات دائم، وقول مطَّرد، منذ أن خرجوا من بطون أمَّهاتهم وإلى الآن!

ومصدر الخلل أنَّ ذلك الشيخ أو الرمز لم يتحرَّ الصوابَ والصحَّة، وبحث المسألة بشكلها الصحيح قبل أن يعرض رأيه وهو مقتنع به.

ولعل مِن أهمِّ هذه القضايا الحسَّاسة، والتي من المهم أن تُقال، ما يلي ذكره: 
1- ليس كل ما يُعلَم يقال: سواء على ملأ الناس وحضورهم، أو في وسائل الإعلام، وقد كانت هذه سُنَّة لأهل العلم والفضل، وعند مسلم في مقدمة "صحيحه": أنَّ الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود قال: "ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنةً"، وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "حدِّثوا الناسَ بما يعقلون؛ أتحبُّون أن يُكذَّب الله ورسوله؟!"؛ ولهذا بوب الإمام البخاري في "صحيحه" بابًا بعنوان: "باب مَن خصَّ بالعلم قومًا دون قوم؛ كراهية ألاَّ يفهموا".
فليتَّقِ اللهَ أولئك المتحدِّثون في كل وقت وزمن، وحال ومكان، بكل ما لديهم، فإنَّ مما يعلمه الناس - جميع الناس - أنَّه: "ليس كل ما يُعلَم يقال، ولا كل ما يُقال حضر أهله، ولا كل ما حضر أهله حان وقته"، وإنَّ كتمان شيء من الدِّين لمصلحة الدين، ولكيلا يكون ذريعة لأهل الفساد - أمرٌ ممدوح، ومصلحة يتغيَّونها منذ زمن، وقد ذكر الإمام ابن حجر أنَّه: "ممن كرِهَ التحدُّث ببعض دون بعض: أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالكٌ في أحاديث الصفات، وأبو يوسفَ في الغرائب، ومِن قبلهم أبو هريرة في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة.

وعن الحسن: أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلةً إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي"[3].

2- عدم الحديث إلا في مجال التخصص: فإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، وإنَّ من أسباب البلاء، والداء الذي ما له دواء إلا التخصص والتعلُّم، أو السكوت والصمت - أن يظن الظانُّ أنَّه حين قرأ شيئًا مِن كُتبِ العلم، فإنَّ لديه مندوحةً لكي يتكلم في مسائل العلم والدين، إنَّ زمن الموسوعيَّة قد ولَّى وانتهى، وأنَّه لو وُجد شيء من ذلك فهو نادر جدًّا، ومن المعلوم أنَّه ليس كلُّ مَن تخصَّص في فن من العلوم أنَّه قادر على الحديث والتكلم في مسائل أخرى، وإذا كان هذا لم يحصل للعلماء السابقين، الذين كانوا قريبين من عهد النبوة، وكان العلم في عصرهم منتشرًا بأصوله العلمية، ومنضبطة بشكل متقن، وكانت الشواغل لديهم قليلة، ومع هذا نجد أنَّ الإمام الشافعي - وهو مَن هو في علم الفقه والحديث - يقول للإمام أحمد بن حنبل: "أنتم أعلمُ بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني، كوفيًّا كان، أو بصريًّا، أو شاميًّا؛ حتَّى أذهب إليه إذا كان صحيحًا"[4]، فيُثبت الإمام الشافعي العلمَ في الحديث لأحد طلابه، وهو الإمام المحدِّث أحمد بن حنبل - رحمة الله عليهم.
وهذا الإمام أحمد بن حنبل، حين سئل عن مسألة من مسائل الغريب - أي: غريب الحديث، والألفاظ قليلة الاستعمال في اللغة - قال - رحمه الله -: "سلُوا أصحابَ الغريب؛ فإني أكره أن أقول في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بالظن"[5]، وكان مرجعُ الفتيا في مسائل الغريب في عصر الإمامِ أحمدَ عدةَ علماء أجلاء متخصصين في هذه الفن، ومنهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، حيث كان إليه المرجع في هذا الباب، ولديه كتابه المعروف: "غريب الحديث"، ومع هذا فلا يفوتني أن أقول بأنَّ الإمام أحمد، الذي عزا المرجع في السؤال عن غريب الحديث لأهل التخصص، أنَّه لم يكن ضعيفًا في هذا المجال؛ بل كانت لديه قراءات كبيرة جدًّا، وقد قال: كتبتُ في اللغة أكثر ممَّا كتب أبو عبيد القاسم بن سلاَّم!

فالمقصد أنَّ الإمام أحمد - مع علوِّ كعبه وباعه في علم اللغة - قد عزا ذلك للإمام أبي عبيد القاسم بن سلاَّم؛ لكي يعتاد الناس على التلقي عن المتخصصين، وأما أنصاف المتخصصين، فإنَّ البلاء كبير جدًّا منهم، وقد نقل الإمام ابن تيمية - رحمة الله عليه - مقولة جميلة، فقال: "وقيل: إنما يفسد الناسَ نصفُ متكلِّم، ونصفُ فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب؛ هذا يُفسد الأديانَ، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان"، ثمَّ قال - رحمه الله - كلمة جوهرية: "لا سيما إذا خاض في مسألة لم يَسبقه إليها عالِمٌ، ولا معه فيها نقلٌ عن أحد، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين"[6].

3- الفطانة والتيقُّظ: والانتباه من سؤالات الناس وحِيَلهم، والتفافهم ودورانهم على المتحدث؛ لكي يبلغوا إلى حيث يريدون من رأيه، وقد نبَّه الإمام النووي - رحمه الله تعالى - إلى ضرورة التيقظ والفطانة للمفتي[7]، وتَبِعه على ذلك الإمامُ ابن عابدين، حيث قال: "وهذا شرط في زماننا، فلا بدَّ أن يكون المفتي متيقظًا يَعلم حيَلَ الناسِ ودسائسهم؛ فإنَّ لبعضهم مهارةً في الحيل والتزوير، فغفلة المفتي يلزم منها ضررٌ كبير في الدِّين، وقلْب الكلام، وتصوير الباطل في صورة الحق، كما هو شائع في هذا الزمان"[8]، فما البال بزماننا هذا؟! والذي يتعلم فيه الناس - وخصوصًا الإعلاميين - طريقةَ الالتفاف على المحاوَر، وسؤاله بعدَّة طرق؛ حتى يصلوا إلى مبتغاهم وغايتهم، وهذا بالطبع ليس في كل الإعلاميين أو الصحفيين، ولكنَّنا نقصد طائفة بعينها، أخذتْ على نفسها شيئًا من هذا القبيل.
4- مراقبة الله في كلِّ قولة ورأي يتحدث به المتحدث: وحينما يتأمل المتكلمُ قولَه - تعالى -: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد} [ق: 18]، وقوله: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] - فإنَّه يرتدع عن قول أي شيء قد يستخدمه أهلُ الفجور للنَّيل من الدِّين وأهله؛ بل يتحرَّى ذِكر القول الحق، وقد ذكر الإمام ابن رجب الحنبلي عن الفقيه القاضي زين الدين أبي حفص عمر بن سعد الله الحراني، الذي أثنى عليه الإمام الذهبي فقال: "عالم ذكي، خيِّر وقور"، حيث ذكر ابن رجب: أنَّه حدَّثه أحدُ العلماء عن هذا الرجل أنَّه قال: "لم أقضِ قضيَّة إلا وقد أعددتُ لها الجواب بين يدي الله"[9].

5- فقه المآلات: فهنالك بعض الأقوال والآراء يكون مآلها وبالاً وشنارًا؛ لأن المرءَ المتحدث والمتصدِّر للكلام لدى وسائل الإعلام حقيقٌ به أن يَعرف توجهاتِ الناس، وميولهم، واختياراتهم، وميل غالبهم إلى الهوى، وما ترتضيه الأنفس، وقد صدَق الإمام ابن تيمية - رحمة الله عليه - حين قال: "وما أكثر ما تفعل النفوسُ ما تهواه؛ ظانَّةً أنها تفعله طاعة لله"[10].
6- الحذر من العجلة والتسرع: وإذا كان مِن طبع الإنسان العجلةُ؛ كما قال – تعالى -: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، فقد جاء الأمر من الشارع الحكيم بالتؤدة والرِّفق، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله رفيق يحبُّ الرفقَ، ويُعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف))، كما في "صحيح الإمام مسلم": ((ليعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف))، وقال - صلى الله عليه وسلم –: ((التأنِّي من الله، والعجلة من الشيطان))[11].
فخليق بأهل العلم والدعوة أن يكونوا على مستوى رفيع من التأني في الحديث، واستصدار القرار والحكم على المسألة، والأعيان، والأشخاص، فإنَّ قولهم ليس كقول غيرهم، فهو قول مرصود، وخصوصًا فيما نتحدث به حين يكون الحديث والمقال في وسائل الإعلام، وإني في كثير من الأحيان أستمع إلى بعض الفتاوى أو الحوارات، التي يكون فيها مطارحة للرأي، أو تقليب للفكر، فقلَّما أستمع لأحد يقول كما قال عبدالله بن الزبير: "إنَّ هذا الأمر ما لنا فيه قول"، فإنَّ هذه الحالة يندر وجودها، كما يندر وجود لبن الطير في البريَّة.

لهذا أجد الإمامَ الجليل أبا الوليد الباجي يقول معلقًا: "قول عبدالله بن الزبير إقرار منه بالحق، وتوقُّف عن الفتوى فيما لم يظهر له صوابُه، وإن كان من أهل العلم، وهذا مما يجب أن يلزمه كلُّ ذي دِين، أن يقول إذا سُئل عمَّا لا يعلم: لا أعلم"[12].

ورحم الله الإمام مالكًا، حيث قال عنه تلميذُه ابن وهب - رحمه الله -: لو كتبنا عن مالك "لا أدري"، لملأنا الألواح، فلا خجل ولا عيب أن يقول مَن لا يعلم عن شيء: الله أعلم.

7- الاعتراف بالحق حال وقوع الخطأ: فمِن صفة صاحب الدين والاستقامة أنَّه رجَّاع للحق والصواب، حينما يثبت عليه أنَّه قال بخلافه، وخصوصًا في حال حديثه أمام ملأ من الناس، أمام الفضائيات، أو في شتَّى وسائل الإعلام، ولا يوجد في ذلك عيب أن يرى الناس أنَّ ذلك المتحدِّث الذي قال في درسه، أو في حوار معه، أو في برنامجه أنَّه أخطأ وقال بخلاف الصواب.

8- فقه الواقع ومعرفة المجتمع: فهنالك أقوال وآراء وفتاوى تناسِبُ مجتمعًا دون مجتمع آخر، وما دام أنَّ العادة محكَّمة، وأنَّ المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا؛ كما يقول الأصوليون، فإنَّ عُرف كل بلد وعاداتهم تختلف من ذاك البلد إلى البلد الآخر؛ لهذا كان لزامًا على المتحدِّث أن يراعيَ هذه القضيَّةَ، ولعلَّ مِن خير ما يُذكَر في هذا المجالِ أنًَّ الإمام القرافي ذَكَر أنَّ المفتي: "لا يَحلُّ له أن يُفتي أحدًا بالطَّلاق حتَّى يعلم أنَّه من أهل بلدِ ذلك العرفِ الذي رُتِّبت الفتيا عليه"[13]، وحتَّى الإمام الشاطبي - رحمه الله - يقول: "العوائدُ الجارية ضروريةُ الاعتبارِ شرعًا، سواء كانت شرعيةً في أصلها، أو غيرَ شرعية"[14].
9- التحدُّث باللغة العربية الفصيحة: وذلك لأنَّ لكل بلدٍ لهجتَه وطبيعته في الخطاب والحديث، وإذا لم يُدركِ المتحدثُ هذه الحالةَ، فإنه وأثناء حديثه قد يجر في بعض حديثه أو بعض كلماته لبسًا أمام الناس.
* فتاوى التنازل تحت ضغط الواقع:
هنالك مِن منتسبي العلم والدعوة مَن لديهم في الحقيقة (شهوة الكلام)، فتراهم يرطنون ويتحدثون في عدد من الفضائيات والقنوات، لكنَّهم لا يدركون أنَّ هنالك مشكلةً إشعاعيَّة إعلاميَّة قد تعترضهم.
فصرنا نجد مَن يرى أنَّ الحياة المعاصرة لا تستغني عن الفوائد الربويَّة، حيث غدت ضرورة اقتصاديَّة؛ ولهذا يجوِّز أخذها، ومَن يفتي بجواز أن يستلحق مَن وجد لقيطًا، ويضمه إلى نسبه، ويصبح بذلك ابنًا له، تترتَّب عليه حقوق البنوَّة، ومَن يرى جواز التضحية بالدجاج بديلاً عن الغنم والبقر والإبل، حين يكون المرء فقيرًا، ومثل هذه الآراء والفتاوى التي يَضحك العقلاء منها ومن تخريجاتها العجيبة، ولا عجب في ذلك؛ فقد قيل:
عَلَى أَنَّهَا الأَيَّامُ قَدْ  صِرْنَ  كُلُّهَا        عَجَائِبَ حَتَّى لَيْسَ فِيهَا عَجَائِبُ
وقد يكون كثير مِن هؤلاء قد أفتَوا بذلك؛ بسبب ضغط الواقع، وإملاء الجماهير، أو مِن باب (فقه التيسير) - وهو باب عظيم من أبواب فقه الفقه - فيدخلون من هذا الباب إلى التساهل والتلاعب بدين الله وأحكامه، ثمَّ يتلقف الإعلامُ هذه الفتاوى ويروِّجها بشكل واسع وطويل؛ بل قد تُذاع في نشرات الأخبار!

* أبت السلاحف أن تطول القممَ:
هنالك مِن بعض الإعلاميين أو الصحفيين مَن يحاول استشارة بعض أهل العلم والفكر الكبار، ويروِّج رأيًا لهم عبر وسيلة إعلامية، وقد يقصد بها التندر بأولئك الفضلاء، أو محاولة الاستثارة؛ لكي يقوم أحد الكبار فيقف لذلك الصغير الوضيع في العلم، ويناقشه، ويكون معه الصواب، ولكنَّ ذلك الكاتب أو الإعلامي لا يقصد وراء ذلك إلاَّ أنَّه صار على مرتبة من العلم أضيفت إليه، حين يقوم ذلك العالم أو الشيخ منتدبًا نفسه للرد عليه، وينال ما يريده بأنًَّ الدكتور الكبير، أو العالِم النحرير قد ردَّ عليَّ، وقد يكتب ردًّا إضافيًّا على ذلك العالم، من قبيل النقاش، فيعلو صوته، ويشتهر اسمه، بعد أن كان وضيعًا من خلال مقالة أو مناقشة.
وإنَّنا في هذا المجال نذكِّر أنَّه كان في عصر من عصور الدولة الإسلامية شاعر معروف، إلاَّ أنَّ شهرته لم تكن كما كان لدى غيره، فلقد هجا بشارُ بن برد جريرًا؛ طمعًا في أن يَرُدَّ عليه جرير، ويدخل بشَّار حلبةَ الصراع مع الفحول الثلاثة: (جرير، والفرزدق، والأخطل)، فيشتهر مثلهم، لكن جريرًا لم يأبَهْ له، ولم يردَّ عليه؛ لأنَّه وجده دون هذه المنزلة، فبكى بشار، فقيل له: ما يبكيك يا أبا معاذ؟ فقال: عدم هجاء جرير لي؛ فإنه لو هجاني، لصيرني أشعر الناس!

* وأخيرًا:
فإنَّ على المشايخ وأهل الفضل والفكر، حين يريدون الحديث لأيَّة وسيلة إعلاميَّة، أن يكون لديهم إدراك وسابق معرفة مع مَن يتحدثون، وإلى من، وخبرة بطبائع الوسائل الإعلامية، وأن يجروا بحثًا في طبيعة المحاور أو السائل الصحفي؛ لكي يعلموا حقيقة حواراتهم، فإن كانت لكشف الحقيقة، وإفادة الناس، فحيَّهلا، وإلاَّ فليحذروا منهم، ويُعلِموا غيرهم بأولئك الذين يتسلَّقون على أكتافهم؛ فإنَّه لا يَعرِف الفضلَ لأهل الفضل إلا أهلُ الفضل.
ولقد قال القاضي الجُرجاني:
يَقُولُونَ  لِي  فِيكَ   انْقِبَاضٌ   وَإِنَّمَا        رَأَوْا رَجُلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ        وَمَنْ  أَكْرَمَتْهُ  عِزَّةُ  النَّفْسِ   أُكْرِمَا
وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كُنْتُ كُلَّمَا        بَدَا   طَمَعٌ    صَيَّرْتُهُ    لِيَ    سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ  العِلْمِ  صَانُوهُ  صَانَهُمْ        وَلَوْ  عَظَّمُوهُ  فِي   النُّفُوسِ   لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ   أَهَانُوهُ    فَهَانُوا    وَدَنَّسُوا        مُحَيَّاهُ   بِالأَطْمَاعِ   حَتَّى   تَجَهَّمَا

وأمَّا مَن كان همُّه الخروجَ بأية وسيلة إعلاميَّة، والمهم أن يتحدث ويرخِّص في فتاواه، ويتساهل في رأيه، ولو كان لديه علم أو شيء من فَهم، فحسبهم الله - تعالى - يوم القيامة، فإنَّهم قد أهانوا علمهم، وأهانوا أنفسهم، ويُخشى عليهم من غضب الله ومقته، وقد أحسن الشاعر حين قال:
لاَ شَيْءَ أَخْسَرُ صَفْقَةً مِنْ عَالِمٍ        لَعِبَتْ  بِهِ  الدُّنْيَا   مَعَ   الجُهَّالِ
وأحسن منه وأجمل ما قاله الله - عزَّ وجل -: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 175 - 177]،   ومن الله الحول والطول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ــــــــــــــــــــ
[1]   المقال منشور على هذا الرابط: http://www.saaid.net/Doat/khabab/12.htm 
[2]   "إنصاف أهل السنة"، ص75، وأحال على "ذيل التبر المسبوك"؛ للسخاوي، ص4.
[3]   "فتح الباري" (1/304). 
[4]   "مناقب الشافعي"؛ للحافظ البيهقي (1/528).
[5]   "علل الحديث ومعرفة الرجال"؛ للمروزي (413).
[6]   "كتاب الاستغاثة في الرد على البكري" (411). 
[7]   "المجموع"؛ للنووي (1/40). 
[8]   "حاشية ابن عابدين" (4/301).
[9]   "ذيل طبقان الحنابلة"؛ لابن رجب الحنبلي (4/365).
[10]   "مجموع الفتاوى" (28/207).
[11]   أخرجه الترمذي بقوله: ((الأناة من الله)) برقم: (1935)، وقال حديث غريب، وقال ابن القيم: إسناده جيد، كما في كتابه "إعلام الموقعين" (2/120)، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"، برقم: (2677).
[12]   "المنتقي" (4/84). 
[13]   يراجع كلام الإمام القرافي في كتابه "الفروق" (3/162). 
[14]   "الموافقات"؛ للشاطبي (2/682).

16‏/01‏/2013

كلمات من ذهب للدكتور راغب حفظه الله

حيل إسكات المعارضين !
- أحد الحيل المنتشرة هذه الأيام لمنع الناس من الاعتراض على الأخطاء هي حيلة "وما هو الحل" .. حيلة .. وماذا فعلت أنت .. حيلة "قدم الحلول ولا تعترض" .. حيلة "لو ماعندكش حل .. اسكت".
-أريد توضيح نقطة .. أن الاعتراض على فعل ما خطأ .. هو بذاته تصرف إيجابي يجب تشجيعه. ليس من الضرورة أن تأتي بحلول .. أحيانا مجرد أن يكثر عدد المعترضين على شيء خطأ .. تظهر حلول كثيرة.
- قد أعترض أنا على خطأ ولا أستطيع تقديم حل .. فتنتبه أنت وتقدم حلا ممتازا .. هنا أنا ساهمت في الخير .. وقد لا يكون لدي القدرة على إيجاد الحلول.
- من الخطورة بمكان أن نطالب الناس ألا يعترضوا على الخطأ إلا لو كان لديهم حلول .. هكذا يمكن أن تستخدم هذه الفكرة لمنع الناس من الكلام عن الخطأ.
- إنكار المنكر في حد ذاته فضيلة .. وليس كل إنسان بقادر على أن يأتي بحلول .. وقد يفوز الإنسان بأجر إنكار المنكر .. وليس بالضرورة بأجر إضافي في أن يأمر بالمعروف.
- أرجو مراجعة هذه الفكرة لمن يطالبون الناس دائما أن يقترن الاعتراض بحل .. لا يجب جمع الأمرين معا. وأؤكد أن من يملك حلولا لا يبخل بها .. ولكن اعترض لو رأيت خطأ .. حتى لو لم يكن لديك حل .. لا تسكت عن الخطأ.
د. باسم خفاجي
في 16 يناير 2013م