مدونة المعارف

27‏/05‏/2011

حركة النهضة الارتريا تحاور الشيخ المجاهد المناضل ابوسهيل

احمد ابو سهيل الامين العام لحركة الاصلاح الاسلامى الارترى رئيس جبهة التضامن دعما لمرحلة التغيير الديمقراطى التى تقودها المعارضة الوطنية الارترية وقواها الحية ، وتسليطا للضوء على عمل المقاومة الصامدة والمصابرة والصعاب التى تواجهها وهى تقوم بواجباتها النضالية ، رأينا فى مجلة النهضة القيام بسلسلة حوارات مع قيادات المعارضة الارترية وأيضا الفعاليات الوطنية الداعمة للتغيير الديمقراطى .

وكفاتحة لهذه الحوارات ، ولمكانة أهمية الفصيل المقاوم ، القابض على الزناد ، والمتصدى للدفاع الاول عن شعبنا الصامد والمثابر ، أجرينا حواراً شاملاً ومعمقاً مع الشيخ / أبو سهيل محمد احمد صالح / الامين العام لحركة الاصلاح الاسلامي الارتري ورئيس جبهة التضامن . والنهضة إذ تقدّر له تفهمه لدقة المرحلة وتجاوبه مع مقترحنا هذا ، نعبر عن شكرنا لترحيبه بنا والإجابة على أسئلتنا بكل صدق وشفافية . الشيخ ابو سهيل غنى عن التعريف .

النهضة - حوارات -6/2/2011 م

النهضة : - الشيخ ابو سهيل مرحب بك فى مجلة النهضة ونشكرك لقبول دعوتنا لاجراء الحوار معكم واعطائنا هذه السانحه رغم مشاغلكم والمهمات الكثيره الملقاة على عاتقكم .
الشيخ ابو سهيل
في البدء أزجي الشكر والتقدير لموقع النهضة الإرتري الرائد ، ولا سيما رئيس التحرير الأستاذ شية ، لما يبذله من جهود مقدرة في كشف الحقائق ، وتغطية أخبار إرتريا ، ليطلع المواطن عليها ، ومن ثم ليكون على بينة من الأمر .
المحور الأول : حول حركة الإصلاح.
1 / النهضة :- كل تنظيمات وأحزاب المعارضة تتطلع لإحداث التنوع في قياداتها وقواعدها فتنجح في إحداث التنوع في القيادة إلى حد ما وتفشل في إحداث التنوع على مستوى القواعد وأنتم لم تشذوا عن ذلك ، فتنوعكم لم يتجاوز التشكيل القيادي ، لماذا فشل تنظيمكم في إحداث التنوع في قواعده ، خاصة وأنكم أصحاب تجربة طويلة تمكنكم من تفادي الأخطاء وتصحيحها إن وقعت ؟
ج1 الحركة تنظيم ذو قاعدة معتبرة يتكون من كل أرجاء في إرتريا ، يضم بين جنباته تنوعا ، وثراء اجتماعيا ، من حيث الجنس والأعمار ، ومن حيث التعليم والخبرات المختلفة ، ما يجعل كوادر التنظيم في مختلف المواقع تمارس مهامها باقتدار ، وهي على جاهزية تامة لأن تتحمل مسئولياتها تحت أي ظرف بإذن الله تعالى .
2 / النهضة :- حركة الإصلاح الإرتري الإسلامي من التنظيمات التي لها جناح عسكري وربما أكثرها نشاطاً عسكرياً ، لهذا هي متهمة مع غيرها من التنظيمات المسلحة من قبل دعاة النضال السلمي والمقاومة اللاعنيفة بأنها تستهدف مجندي الخدمة الوطنية الذين لا حول لهم ولا قوة ، ويقولون كذلك كلما حققت التنظيمات التي لها أجنحة عسكرية إنجازات عسكرية كبيرة كلما اقتربت ارتريا من الحرب الأهلية ، ومن الحكم الأكثر دكتاتورية ، ما ردكم على من يقول ذلك ؟
ج2 تأسف الحركة لحال مجندي ما يسمى بالخدمة الإلزامية التي لا تنتهي لأجل مسمى ، ولما يتعرضون له من أعمال السخرة ، وانتهاك الكرامة الآدمية , وهم غير مستهدفين بالطبع من قبل الحركة ، وكثيرا ما يقابلهم المجاهدون في الريف أثناء الإجازات ، ولم يتعرضوا لهم بشيء، اللهم إلا في ساحة المواجهة ، ومن هنا أتمنى عليهم ألا يكونوا أداة طيعة في يد النظام لضرب شعبهم ، ويجب أن يتمنعوا عند الأوامر القمعية ضد شعبهم بل يجب أن يسهموا في التخلص من النظام بأي شكل من الأشكال ، وإلا يغادروا ساحة الخدمة . والحركة في الأساس تهدف إلى تفكيك النظام ، واستئصال شأفته ، وقلعه من جذوره ، لذا توجه ضرباتها إلى البنيات والمرتكزات الأساسية لمفاصل حزب الشعبية ، حسب الإمكان ، سواء كانت بشرية أو مادية ، ولا تستهدف المجندين في الخدمة ابتداء وقصدا. أما التخويف بالحرب الأهلية فهذه شنشنة نعرفها من أخزم وتتردد بكثرة مؤخرا عندما تداعى وتهالك نظام الجبهة الشعبية والحركة مع معركة حامية الوطيس مع النظام منذ عام 1989ه ليس هناك في ارتريا حرب أهلية وإنما حرب استرداد لحقوق ومقارعة لطغيان وعدوان وحماية أرض وعرض وقيم ، ولامانع عقلا وواقعا بأعمال جميع الخيارات ، نحن بحاجة الى رص الصفوف وتجاور الخيارات وتكامل الخبرات نحن ضد الوعي المتأخر الحاصر لأساليب استرداد الحقوق في خيار واحد ويستهجن خيارات الآخرين . علما بأن التنظيمات السياسية كلها تؤكد قبولها بحق الآخر الديني والسياسي والثقافي ، والاجتماعي ، بعيدا عن ممارسة الاستبداد والاستئثار وإلغاء الآخر .
3 / النهضة :- قرر مؤتمركم الرابع أن الأرض في إرتريا ملك لأهلها وليس لأي جهة أيا كانت - قديما وحديثاً - الحق في انتزاعها ، كما أدنتم سياسات التوطين ، في تصوركم كيف يمكن مقاومة سياسات التوطين في الوقت الحاضر؟ وكيف يمكن معالجة المشكلات التي ستنجم عنها مستقبلاً ؟
ج3 سياسات التوطين من أخطر السياسات ، إذ هي تعني إحلال وإبدال ، و تستبطن التطهير الديني العرقي والثقافي ، ولما ذا يمنع ( أفورقي ) من أن يبني الناس في أسمرا ؟ ، حتى قيادات الحزب من أبناء المسلمين قد منعت من أن تبني مساكنها , كما يمارس ضغوطات رهيبة على سكانها الأصليين لمغادرتها ، حتى تكون قلعة خالصة لأناس معينين في المستقبل ، وهنا لابد وأن يرفض أصحب الأرض ويقاوموا هذا الاستيطان القسري . كما أن الشعب المهجر يجب ألا يمالئ النظام في عملية الاستيطان حتى لا يكون له شريكا في الجريمة . كما عليهم المهجرين قسرا أيضا أن يقاوموا ضد الخروج من أوطان أجدادهم حتى لا يحل عليها قوم آخرون .
أما المعالجات المستقبلية ، فتحتاج لمعالجات حكيمة ، أولاها إزالة الغبن والمظالم عن أصحاب الأرض المغتصبة ، وإعادة المهجرين قسريا إلى قراهم الأصلية ، دون الإضرار بهم وبممتلكاتهم ، ونترك حركة التنقلات للشعب على صورتها العفوية التلقائية ، من غير تدخل ولا تآمر ، إذ كثيرا ما كانت تحدثت هجرات داخلية وما كانت تتسبب في أي مشكلة بين المواطنين . حيث كان التعايش والسلم الاجتماعي .
4 /النهضة :- تتميز التنظيمات الإسلامية في كل أنحاء العالم بدعمها اللامحدود للمجتمع مع التركيز على الفئات الضعيفة الشئ الذي يمكنها من غرس جذورها داخل بنيات المجتمع ، ألا توافقنا الرأي أن هذه السمة تفتقدها التنظيمات الإسلامية الإرترية ؟
ج4 لا أوافق على ذلك ، لأن الإمكانات المادية مختلفة ، ولأن النظام لا يسمح بالعمل في الداخل ، لا للمنظمات الأهلية ، ولا للمنظمات الخيرية الأجنبية ، والتنظيمات الإسلامية وكذا الوطنية الأخرى في الجملة قدمت ما بوسعها حسب إمكاناتها المتواضعة في المهجر ، وبخاصة في التعليم ، وإن كان لا يلبي حاجة كل الناس ، ولا يغطي كل المناطق .
النهضة :5 / العمل الخيري ركيزة أساسية من ركائز أي عمل إسلامي ، والمجتمع الإرتري المسلم أكثر المجتمعات احتياجا للدعم على جميع الأصعدة، ماذا تقدم حركة الإصلاح لدعم هذا المجتمع ؟
ج5 الحركة ولدت من رحم معاناة الشعب ، لذا تدرك تماما حجم معاناته وضروراته المختلفة ، فتشاطره الهموم والآلام والمحن ، فسعت كثيرا للتخفيف عنه ، وفي هذا الصدد فقد قامت الحركة ببعض الجهود حسب ما وسعها ، ومن ذلك : بناء خمس مؤسسات تعليمية ، وإيجاد بعض الداخليات للطلاب ، وبناء بعض المراكز الصحية ، وحفر بعض الآبار ، ومساجد كثيرة تقارب المائة وخمسين مسجدا ، وخلاوى ومراكز تحفيظ القرآن الكريم ، ومراكز نسوية لأغراض متعددة كمحو الأمية وإقامة دورات مختلفة لهن : تربوية وشرعية وحرفية وإدارية .كما أوجدت الحركة كفالة قرابة الستة آلاف يتيم وعد د من الأسر الفقيرة ، كما قدمت منائح أبقارا وغنما ، وكاروهات ماء وطواحين يضاف إلى ذلك المساهمة في المواسم من أضاحي وإفطار صائم وكذا الإغاثات (آخرها جنوب طوكر جراء تعرضهم لفيضانات في الخريف المنصرم ، حيث قدمت لهم مساعدات مقدرة مع تجاهل الكثير من المنظمات لمأساتهم ) .
6 / النهضة :- القطاعات الجماهيرية (عمال ـ شباب ـ طلاب ـ فلاحين ـ مرأة .. الخ) في أي تنظيم سياسي يعمل في العمل العام يجب أن تكون واضحة المعالم وتكون نشطة ترفد الاتجاه العام للتنظيم ، هل هناك قطاعات جماهيرية واضحة المعالم في التقسيمات التنظيمية لحركة الإصلاح ؟ وإذا كانت موجودة لماذا هي مختفية إعلامياً ؟
ج6 للحركة قطاعات مختلفة لكن ربما بمسميات أخري ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فللحركة ما يزيد عن عشر مؤسسات رديفة ، تؤدي واجباتها ومهامها دون ضجيج .
7
/ النهضة :- مازالت قضية تمكين المرأة سياسياً ، وتعزيز مشاركتها في كل الأصعدة منقوصة بشكل ملحوظ ، فهي لا تحظى بمكانة لائقة داخل الأطر الرسمية لتنظيمات المعارضة الإرترية بصفة عامة ، ما هو موقف حركة الإصلاح من مشاركة المرأة الإرترية في العمل العام ؟ وماذا قدمت الحركة لها ؟
ج7 تؤمن الحركة بأن النساء شقائق الرجال كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمرأة نصف المجتمع ، ولها من العطاء ما يتجاوز هذا النصف ، فمساحة عملها ربما تزيد عن الرجل في بعض القضايا . والحركة أولتها مزيدا من الاهتمام تعليما وتدريبا وتربية ، ما يؤهلها لأن تؤدي رسالتها على أتم وجه , ولها في الحركة إسهامات مقدرة ربما تفوق عطاء الرجال في بعض المهام , والحركة تتدرج في إشراكها في العمل العام بما يتناسب وطبيعتها التكوينية , وفق مقتضيات الشرع والأخلاق وأعراف المجتمع .
وجملة القول في شأن المرأة أن النظرة إليها تنبع من زاوية إنسانية رحبة بعيدة عن جد لية الذكورة والأنوثة كمفاهيم متضادة بل ثنائية مؤتلفة وفي سياق وظيفي متكامل المهام ومتساند الأدوار .
المحور الثاني : التضامن
8 / النهضة :- الكثير من مسلمي إرتريا وقواعد التنظيمات الأربعة المكونة لجبهة التضامن استبشروا خيراً بجبهة التضامن ، وكثيراً ما وعدت الهيئة القيادية لجبهة التضامن بتفعيل المشتركات وصولاً لمؤتمر الجبهة ، إلا أننا لم نر شيئا من ذلك ، هل يمكن أن تحدثنا عن ذلك ؟
ج 8 لاشك أن الجماهير استبشرت وتفاعلت مع ميلاد جبهة التضامن ، نسبة لما تحمله من مشروع طموح يلبي أشواق الأمة على الأقل في حده الأدني ، ولقد كانت هيئة القيادة حريصة كل الحرص في أن تحدث نقلة نوعية تتناسب مع المرحلة وذلك من خلال عقد مؤتمر جامع يجمع كل الفعاليات الغيورة لتلتف من خلفهم الجماهير الغفيرة المتطلعة للتغيير المنشود ، وبدأنا ببعض الترتيبات الأولية لذلك ، بيد أنه واجهتنا عقبات : سواء من حيث المناخ السياسي المواتي ، أو من حيث التمويل اللازم . ولازالت الهيئة القيادية تسعى لتذليل هذه العقبات .
9 / النهضة :- جبهة التضامن بمجرد إعلان بيانها التأسيسي الأولى الكل استبشر خير وتفاعل معا واليوم عمرها عامين تقريبا ، ما هو واقع التضامن اليوم ؟
ج9 لا ندعي أن التضامن حققت انجازات ، فالانجازات يمكن أن تتحدث عن نفسها ، وهي لا يمكن أن تحدث طفرة ، في مثل ظروفنا ، ولابد من استصحاب عامل الزمن وأهميته ، فما يصعب تحقيقه بالطفرة يمكن أن يحدث تحقيقه بالتراكم ، وحسبنا أننا ألقينا بالفكرة على الحادبين على مصلحة الوطن ، فهذا يأتي بالبذرة الصالحة ، وذاك يغرسها في تربة صالحة ، وثالث يتعهد سقيها ، ورابع يحميها من الآفات ، حتى تكون دوحة يستظل بظلالها من لفحتهم شمس النظام المحرقة ، ويجني الجميع قطافها ، ولا شك أن المسؤولية تضامنية ، والهم واحد ، والثقة بفضل الله تتعاظم بيننا والقناعة تترسخ بأهمية المشروع يوما بعد يوم ، والرؤى الاستراتيجية تتوافق ، لهذا أن واقع التضامن يعطي مؤشرات إيجابية . والله غالب على أمره .
10 / النهضة :- بين بحين وآخر يصدر بيان في المناسبات الوطنية يحمل توقيع جبهة التضامن ، أما أنشطة التنظيمات الأربعة إن كانت سياسية أو عسكرية أو إعلامية ، كل تنظيم يديرها على حده ، لماذا لا ترقى العلاقات بين فصائل التضامن إلى مرحلة العمل المشترك والوحدة وفق لجان عمل مشتركة وخطة عمل واضح ؟ هل هذا يعني ضعف ايمان أطراف التضامن بجبهتهم؟
ج10 لم تندمج تنظيمات التضامن حتى نطالبها بوحدة كل ما يصدر عنها ، فهناك عمل مشترك ولجان مشتركة تؤدي واجباتها وفق خطة عمل مدروسة ، وهناك أعمال مستقلة يقوم بها كل تنظيم على حدة لاعتبارات وظروف تستدعي ذلك ــ مع مباركة الجميع لها ــ ، لأن مناخ البيئة المحيطة بنا غير مواتي من كل الوجوه فبعض الأعمال ربما يصعب أن تؤدى بشكل جماعي ، ونحن في الجملة نتحرك وفق الممكن والمتاح . ) لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجل الله بعد عسر يسرا )
11 / النهضة :- لاحظنا في بعض المناسبات – اجتماعات التحالف وكذلك الملتقى – إن حركة جبهة التضامن غير منسقة ،وأن الالتزام بها أضعف من الالتزام بالتحالف والمفوضية فلماذا إذن جبهة التضامن؟
ج11 إن جبهة التضامن ليست خصما على التحالف ، بل هي مقوية ومعززة له ، لهذا دائما تسخر كل إمكاناتها لإنجاح التحالف ، وربما أجلت بعض أولوياتها من أجل التحالف ، ونحن كتضامن بشكل عام لا نختلف في القضايا الاستراتيجية داخل التحالف ولا خارجه ، والتنسيق بيننا وبين بقية مكونات التحالف جار على الدوام ، ونعطي كذلك مساحة للتعبير عن الرأي الخاص في أمر لا يعدو أن يكون وجهة نظر ، والعمل السياسي لا يتطلب التطابق في وجهات النظر على الدوام ، ولا نضيق ذرعا بالرأي المغاير في موقف معين لتقديرات يرتئيها طرف .
12 / النهضة :- بصراحة وعلى ما تلمسون من استعداد لمكوناتها هل ترشح جبهة التضامن لمزيد من القوة أم التفكك كما ينتظر ذلك بعض خصومها ؟

ج12 إن جبهة التضامن مرشحة بإذن الله لأن يتعاظم دورها ، وتكون قوة لا يمكن تجاوزها ولا تجاهلها في الساحة الارترية ، وذلك لما لها من ثقل جماهيري وسياسي وتنظيمي وعسكري وكادر بشري ، غير أن الأمر يتطلب نية صادقة وعملا دؤوبا لا يعرف الكلل ، ورؤى استراتيجة واضحة يحتشد الناس حولها ، . ونحن على أية حال نحس بنبض الجماهير التي تستبطئ حركة التضامن، وكأن لسان حالها يقول :
ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا ( نحاس) باردا شديدا أم الرجال جثما قعودا
المحور الثالث : التحالف .
13 / النهضة :- هناك نشطاء سياسيون إرتريون يرون أن المؤتمر الوطني سينهي دور التحالف الديمقراطي ، والسؤال هو بعد انعقاد المؤتمر الوطني وانتخاب مجلس وطني انتقالي ، إلى أي المآلات ستؤول تجربة التحالف الديمقراطي الإرتري كوعاء جامع لمقاومة النظام الدكتاتوري ؟
ج13 يجب أن يكون المؤتمر داعما وساندا ومعززا لدور التحالف وليس ملغيا له ويمكن أن يسير متواليا ومتكاملا معه ، لأن التحالف ( وهو قد جمع أهم مكونات المعارضة بأوزانها المختلفة ) قد حقق مكتسبات مقدرة ، لابد من المحافظة عليها ، وأنه أوجد مناخا ملائما للتعاطي السياسي في قضايا الوطن : اتفاقا واختلافا ، كما اكتسب دربة على إدارة الخلاف ، وإيجاد الحلول للتناقضات وقدرة على تجاوزها في الغالب الأعم ، لذا يجب أن يبقى لحين يتم التأكد من صلاحية البديل الأصلح ، وأي خطوة متسرعة للإلغاء ، تعد مغامرة غير محسوبة النتائج .
14 / النهضة :- في الوقت الذي كان فيه التحالف مجتمعاً للبت في طلب العضوية الذي تقدم به حزب الشعب الديمقراطي جناح السيد / أدحنوم و كانت الآراء منقسمة بين منحهم العضوية بدلاً عن جناح السيد/ ولدي يسوس أو منحهم العضوية مع احتفاظ جناح السيد / ولدي يسوس بعضويته ، إلى أن باغت حزب الشعب جناح السيد/ ولدي يسوس الجميع بانسحابه من التحالف ، هل لكم أن توضحوا لنا ما حدث ؟ وكيف ترون العلاقة بعد هذا الانسحاب؟ وهل الأمور تسير باتجاه وجود معسكرين في المعارضة الارترية في المعارضة ؟
ج14 مهما يشعر أي عضو في التحالف بمرارة تجاه سيرورة الأمور في التحالف ، يجب ألا يفكر أو يقدم على الانسحاب ، والعمل الدائب للإصلاح ، والاستمرارية في الحوار أفضل بكثير ، من انتهاج أي أسلوب آخر . ومهما يكن من ملاحظات على البعض ، فإن مفردات بعينها يجب أن تختفي من قاموس المعارضة ، كالإقصاء والإلغاء وتصفية الحسابات وأساليب الكيد السياسي ، أو بالمقابل مفردات الاستفراد والاستئثار وروح الهيمنة والتعالي . والاستبداد بالرأي والفعل ، ويجب أن يسود بين الجميع روح الشراكة والقبول بالحق السياسي للآخر ، والتعاون معه فيما يخدم المصلحة العليا للبلد ، والوصول معه لحل ما لإدارة الخلاف . وكل ما نخشاه أن يكون هناك معسكران يستقطب كل منهما لمعسكره ويسود بين الأطراف لغة التراشقات الإعلامية والمماحكاة السياسية . وليترك الجميع مساحة للتحاور والاتفاق . والفرقة الحالية ليست نهاية التاريخ .
15/ النهضة : بعد بروز بعض الانتقادات والتحفظات على نتائجه في أي الخانات يسجل الشيخ أبو سهيل ملتقى الحوار الوطني ؟ وهل جبهة التضامن موحدة حول موقفها من مخرجات الملتقى؟
ج15 لا أحد يدعي أن كل مخرجات الملتقى بالنسبة له كانت مرضية ، لكن كل من زاويته ، والرضا من عدمه أمر نسبي في كل شيئ ولاسيما في السياسة ، وأحسن ما في الملتقى ، التعارف بين النخب من مثقفين وسياسيين ، وأنه رسخ قناعة للجميع بأن الحوار ركيزة أساسية في العمل السياسي ، كما أضفي على الجميع روحا وفاقية ما جعلت الكثيرين يتفاءلون بالمستقبل ، وأحسن شيء فيه أيضا أنه لم يكن المحطة النهائية . وأن أسوأ ما فيه ، إقحام فقرة تقرير المصير البالغة الحساسية ، وكان يمكن أن يستعاض عنها بإقرار الظلم الواقع على القوميات وضرورة رفعه عنها ، وإعطاءها شيئا من التمييز الإيجابي ما يساعدها على التطوير الذاتي . كما أن تحديد مخرجات مؤتمر الحوار الوطني سلفا ، لم يكن مناسبا ، و كان سابقا لأوانه ولم يأت بعد الظرف الذي يتطلب ذلك .
16 / النهضة :- ما هي في رأيكم أهم الشروط المطلوب توفرها حتى ينجح المؤتمر الوطني القادم ؟ وما هو المتوقع منه ؟ وهل هو الآن مكان مناسب لطرح جميع المشكلات التي يواجهها الارتريون ؟ وهل يمكن أن يقدم حلا لتلك المشكلات ؟ وما هي في تقديركم القضايا العالقة التي تحاشاها وهي ضرورية ؟
ج16 أهم الشروط في اعتقادي ، النية الصادقة ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) بعيدا عن الأنانية والمزايدات السياسية ، والانتهازية المتسلقة والسارقة ،لانجازات الآخرين ، و يجب أن يتحلى الجميع بالإرادة الحرة ، والتعاطي للأمور من منطلق المصلحة الوطنية ، والشفافية والجرأة في طرح القضايا والمشكلات ، الاهتمام بالقضايا الاستراتيجية والبعد عن الانصرافية منها ، وأن تسود روح الشراكة الوطنية واستحقاقاتها السياسية .
والمتوقع من المؤتمر أن يكون محطة هامة من محطات الحوار والتلاقي ، يمكن أن تحسم فيها قضايا مهمة تختصر المشوار على الجميع . وليس من خوف أن تطرح كل المشكلات ، من وجهة نظري ، ولكن ليس بالضرورة أن تجد كل المشكلات الحلول المناسبة لها ، فقد تتأجل بعض الحلول حتى لو شخصت المشكلات ، لأن بعض الحلول يحتاج لمناخات مواتية ، ومعطيات وعوامل مساعدة ربما لا تتوفر في الوقت الحاضر .
والقضايا التي تطرق كثيرة ، والتي يتحاشاها الناس دائما ، وإن ذكرت فعلى استحياء ، من بينها : مصير المستوطنين الجدد ، والأراضي المغتصبة ، وكيفية رد المظالم ، وعودة اللاجئين كيف وإلى أين يعودون .
المحور الرابع : علاقات المعارضة .
17 / النهضة :- ما هي العوامل التي حالت دون استفادة المعارضة من القرارات الدولية والإقليمية المفروضة على النظام الارتري ، والحصار المفروض على تحركاته ؟
ج17 رغم تقديرنا لجهود التحالف ، ورغم علمنا بالظروف السياسية الصعبة التي يعيشها التحالف وخياراته المحدودة ، ومساحات تحركه الضيقة ، فإنه لم يبذل كل ما بوسعه لاستغلال القرارات الدولية والإقليمية لمحاصرة النظام بها ، وذلك لانشغال التحالف بخلافاته الداخلية وسعيه للترميمات البينية ، وضعف إعلامه وقلة صلاته الخارجية وعلاقاته الدولية ، ودوامة الملتقيات والمؤتمرات الكثيرة .
18 / النهضة :- العلاقة مع إثيوبيا كانت مادة دائمة لأجهزة الدكتاتوري وأبواقه ولكن مؤخرا أخذ حتى بعض المحسوبين على ساحة المعارضة يشيرون إلى تدخل الحكومة الأثيوبية في بعض شئون المعارضة الارترية نسأل عن مدى صحة ذلك ؟
ج18 إذا ما كان التحالف قويا ومتماسكا ، لا تستطيع أن تملي عليه أي جهة مهما كانت مؤثرة . أما إثيوبيا فقد أكدت مرارا وتكرارا للتحالف بأن إسقاط النظام الإرتري مهمة إرترية ، وأن إثيوبيا ما هي إلا داعمة لحق الشعب الإرتري فقط . وحتى لو افترضنا أنها لا تدعم مجانا ، ( لأن منطق العصر أن لا دعم إلا بالمقابل ) ، فإن إثيوبيا حدت للتحالف في جلسة قيادية وبأعلى المستويات من الطرفين ما تريده من إرتريا مستقبلا : حددت أنها تريد السلام والأمن والاستقرار في المنطقة ، حتى تتفرغ لتنمية بلدها ، فهي محتاجة للأمن الإقليمي ، ويجب ألا تكون إرتريا اليوم أ وغد مهددة للأمن القومي الإثيوبي ولا اقتصادها الوطني ، وأنها تحتاج لاستخدام الموانئ الإرترية ، ضمن خيارات أخرى لها ، وفق الاتفاقات الدولية المعمول بها بين الدول الحبيسة والمطلة على البحر، تبادلا للمصالح ، مع التأكيد على الحق السيادي لإرتريا على كل ذرة من ترابها ، برا وبحرا وحتى جوا ، وأن إثيوبيا ( بقيادة الإهودق) هي التي اعترفت بدولة إرتريا المستقلة ذات السيادة الكاملة على أراضيها ، ولا سيما بحرها ، وذلك أمام الرأي العام الدولي ،. وعلى هذه الخلفية تتعامل المعارضة وهذا هو الظاهر لها.
وليس سرا أن إثيوبيا عندما تتأزم الأمور في التحالف كانت تستأذنهم لأن تكون وسيطة بين الأطراف ، فإذا ما قبلت وساطتها ، كانت تستمع من الأطراف ، ثم تتقدم ببعض المقترحات التوفيقة . فإذا ما قبلت فبها وإلا فلا . وفي مرات عديدة كانت ترفض مقترحاتها ، حتى لو أدى إلى الانشقاق .
19 /النهضة :- هنالك أحداث سياسية وتاريخية ترسم مرحلة سياسية جديدة في السودان ، ما بعد انتهاء استفتاء حق تقرير المصير لجنوب السودان ، ما هو تعليقكم لهذه الأحداث ، وما مدى تأثيره على مستقبل المعارضة الارترية ؟
ج19 لم تكن نتيجة الاستفتاء في جنوب السودان ( الانفصال ) مفاجئة لا للسودان و لا العالم ، طالما أعطي الجنوب حق تقرير المصير في 2005م ، إذ ما من شعب أعطي حق تقرير المصير إلا واختار الانفصال ، ولولا هذا الحق لما أخذ السودان استقلاله من الحكم الثنائي ( الانجليزي والمصري ) وهذا درس بليغ لنا . أما من حيث انعكاساته السالبة علي المعارضة الإرترية فليس هناك من تأثير مباشر عليها ، اللهم إلا من باب انتقال العدوى والمحاكاة السياسية ، وقد يعطي حافزا وتشجيعا لمن يرى هذا الرأي . بل إن النظام الارتري يعتبر قد فقد كرت ضغط ( وهو مساندة الحركة الشعبية لأسياس ) بالضغط على الحكومة السودانية لاتخاذ إجراءات ضد المعارضة الإرترية ، علما بأن المعارضة الإرترية من سنوات لا تنطلق من الأراضي السودانية . اللهم إلا إذا استصحبنا بعض التكهنات وهي أن الشرق عبارة عن قنبلة موقوتة ، بتدبير غربي لكن صمام أمانها النظام الارتري حسب زعم بعض الساسة في السودان قديما وحديثا ، وهو زعم كاذب لا يسنده الواقع ، وتعاطيا مع هذا الوهم ربما يأتي دعم نظام أسياس المتهالك حتى لا يفتح جبهة جديدة علما بأن كل معارضات السودان تسرح وتمرح في إرتريا
( دارفورية وبجة وخلافها )
20 / النهضة :- النظام يسارع الزمن لاستخراج الذهب وتصديره حتى يخرج من الخانقة الاقتصادية ويستخدم هذه الأموال لقمع المعارضة الوطنية ، ما هي دور المعارضة لتفويت هذه الفرص على النظام ؟
ج20 المعارضة يجب أن تستجمع كل إمكاناتها لتسديد ضربات قاضية على النظام حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة وقبل ترميم جسمه المتداعي .كما عليهم إخطار الشركات الأجنبية بأن أي استثمار في إرتريا يترتب عليه مزيد من معاناة الشعب ، ويعد عونا للنظام الذي يستغله لقمع شعبه .بالإضافة إلى ذلك أن الشركات ربما تتعرض لمخاطر أمنية من غير قصد ، ذلك لأن إرتريا منذ عشرين عاما ، فيها مقاومات مسلحة ، وحرب مستعرة بين النظام والمعارضة .
21/ النهضة : كلمة أخيرة يمكن أن يقولها الشيخ أبو سهيل ؟
ج21 أقول ختاما للشعب الإرتري ، كنت ولا زلت تقوم بأدوار عظيمة تجاه وطنك , واليوم أيضا يتعاظم دورك بأن تقوم بثورة شعبية في داخل أرتريا ، تقتلع جذور النظام من الداخل ، أسوة بثورة شعبي تونس ومصر العظيمين . كما أهيب بالقوى الإرترية أن تستشعر روح المسؤولية الجماعية , وتتكامل في جهودها ، وتقدم البذل والعطاء والتضحية ، إذ إن إرتريا محتاجة لجميع أبنائها ، وأن الطغاة بدأت تتهاوى كواكبهم وأن عهد الدكتاتوريات أوشك إلى النفاذ وأن رياح التغيير بدأت تهب على الشعوب المقهورة وعبير الحريات والانعتاق بدأ يفوح عبقا وأريجا ذكيا .
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ।))

المصدر موقع الحركة http://www.islaher.org/details.php?rsnType=1&id=1053

اطفالنا في رحاب الاسلام










إن أسرتنا المسلمة صورة مصغرة لمجتـمـعـنـا الإسلامي الكبير، وهي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع المؤمن.. فيها تعد معاييره ومبادئه ومـثلــه العليا، وفي ظلها يتلقى الأطفال مشاعر الخير، وبذور الإيمان ، وكلما نجح الأبوان في أداء هــذا الواجب ، نجح المجتمع وتمكن من الوصول إلى غاياته وأهدافه.
"ولقد دلت تجارب العلماء على ماللتربية في الأسرة من أثر عميق خطير، يتضاءل دونه أثر أية منظمة اجتماعية أخرى في تعيين الشخصيات وتشكـيـلـهـا ، وخـاصــة خــلال مرحلة الطفولة المبكرة ، أي السنوات الخمس أو الست الأولى من حياة الفرد.
وذلك لأسباب عدة منها: أن الطفل في هذه المرحلة لا يكون خاضعاً لتأثير جـمـاعـة أخرى غير أسرته. ولأنه يكون فيها سهل التأثر سهل التشكل ، شديد القابلية للإيحاء والتعليم.. قليل الخبرة ، عاجزاً ضعيف الإرادة قليل الحيلة.. وتكون السنوات الأولى من حياة الطفل فترة حاسمة خطيرة في تكوين شخصيته ، وتتلخص خطورتها في أن ما يغرس فـي أثنائهــا مــن عــادات واتجاهات وعواطف ومعتقدات يصعب أو يستعصى تغييره أو استئصاله فيما بعد، ومن ثم يبقى أثراً ملازماً للفرد في عهد الكبر " (1).
وقـبــل ذلك بـيـن رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- :» أنه ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو يمجسانه«(2) ،"هذه الفطرة لو ترك الطفل من غير تأثير لما كان إلا مسلماً، ولـكـن الحـجـب قد تحول دونها بالتوجيه للاعتقادات الباطلة"(3).
يقول ابن القيم-رحمه الله-: " وأكثر الأولاد إنمــا جــاء فـســادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسـنـنـه، فــأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على الـعـقـوق فـقـال : يا أبتِ إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتنى وليداً فأضعتك شيخاً"(4).
لذا فواجب الأبوين المسلمين: رعــايـة الفـطـرة والاجتهاد في تحسين تربية أبنائهما، ولا يكفل لهما النجاة يوم الحساب إلا أن يبذلا ما في وسعهما لصلاح رعيتهما، وصيانة الفطرة من الانحراف ،» كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته «.
وفي ظل المجتمع المسلم ، يعرف كل فرد دوره ورسالته ، ويتحمل مسؤوليته متطلعاً إلى ما هو خير وأبقى من الدنيا الفانية، وبالإسلام تعرف المرأة أنها ذات رسالة تؤجر عليها إن أدتها كما يريد الله سبحانه وتعالى . وهي رسالــة تتناسب مــع تكوينها الفطري . إنـهـا المحـضــن الدافيء العطوف للأطفال.. فهي أقدر من الرجل على إرواء حاجات الطفل من المحبة والـحـنــان وبقية حاجاته الأساسية، التي لو حرم منها الطفل لعانى الكثير من المصاعب في مستقبل حياته.
" والطفل في سنواته الأولى على الأقل يحتاج إلى أم متخصصة لا يشغلها شيء عن رعاية الطفولة وتنشئة الأجيال، وأن كل أمر تقوم به خلافاً لتدبير أمور البيت، ورعاية الأطفال، إنما يتم على حساب هؤلاء الأطفال ، وعلى حساب الجيل القادم من البشرية"(5).
أما لوثة انشغال الأمهات، فهي لـوثــة حـديـثـة، هاجمتنا مع دعاة الغزو الفكري لتهدم بنياننا من الداخل ، وتقبَّلها أتباع كل ناعق .. رغـم أن الـعـقـلاء عند الأمم الغربية بدأوا يشكون من تمزق الأسرة، وتتوالى صرخاتهم من تلك الديار تشكــو انشغال الآباء، وضياع الأبناء.
فماذا حصَّل المجتمع؟ ماذا لاقى الأطفال؟ بل ماذا جنت المرأة نفسها؟! لقد تحول كثير من بيوتنا إلى مسخ قاتم بدلاً من أن تكون جنة يتفيأ ظلالها جميع أفرادها. وصارت الكآبة تكلل الجميع ، بعد أن أتلف العمل كنز عواطفها وجفف ينابيعه . وأنَّـى يلقــى المجتمع العلاقات الإنسانية النبيلة، التي وأدناها يوم أن عملت المرأة، وتركت الأطفال يعيشون في أجواء يفقد فيها الحنان والحب والاستقرار .
فالتعب والكدح قد أثقل كاهلها واستقطبا وقتها، فحرمها من رحابة الصدر التي تعينها في توجيه أطفالها ومداعبتهم ، وأصبحت موزعة العواطف مشتتة الجـهــود، لا تجـد وقتاً تخلو فيه لحاجاتها الضرورية، بل الراحة والاستقرار ، وإذا أكدنا علـى أهـمـيــة المرأة، ذلك لأن الطفل أكثر التصاقاً بها في سنوات العمر الأولى لحاجته الماسة إليها.
إلا أن الأسرة ليست أمومة فحسب ، وإنما يكمل كل من الزوجين الآخر ولكل دوره. والمرأة والرجل قطبا الإنسانية - كما يقول مالك بن نبي -رحمه الله - (6) ، فالرجل بما يوفر لزوجته من سكن نفسي وطمأنينة وتأمين الكسب الذي يكفل لها ولأبنائها الحياة الكريمة لتؤدي مهمتها باطمئنان.
وكلا الزوجين بلغة العصر " الجندي المجهول " الذي يربي الأجيال ، أو بالأحرى من الأخفياء الأتقياء، يتعاونان في إعداد شباب المستقبل وأمهاته ، رغبة فى الأجر واحتساباً لما عند الله بعيداً عن الظهور والمحاراة، وطمعاً بثواب صدقة مستمرة تبقى إلى ما بعد الموت.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:»إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له«(7).

أما وقد أصبحت العادة في بعض البيوت أن تتنازل الأم عن دورها، فتوكل إلى الخادمة أمر أطفالها، إطعاماً ورعاية، بل توجيهاً وتربية، فذلك ضريبة أخرى تدفعها الأسر بدل عمل المرأة ،وإن كان الأمر لا يخلو من حالات أخرى تسند فيها الأم أعمالها إلى الخادمة ، ولعل من أسباب وجود هذه الظاهرة:
1 - كسل الأمهات.
2 - التهرب من المسئولية.
3 - التباهي في الرفاه والمظاهر الكاذبة، والأنفة من القيام بواجبتهن الأسرية.
والسبب الأصيل لكل ذلك هو: البعد عن التصور الحقيقي للإسلام. وتكون الطامة الكبرى عند استقدام الخادمة - الأجنبية الكافرة - فهي تنقل عادات قومها وقيمهم إلى أبناء أسرنا بسبب تأثيرها المباشر عليهم.
وأصبح كثير من بيوتنا فيه خلط عجيب من الأخلاق والعادات والتقاليد. والواقع المحسوس يأتي بالمضحكات المبكيات.
إن الرقي الحضاري لا يكمن في تأمين الرفاه وتوفير الخدم ، وإنما هو نتاج تربية واعية مدروسة، لا تقدر عليها الخادمة، وهي أمية غالباً ، وقد تكون على دين يخالف ديننا.
والأب الأناني الذي تخلى عن واجبه الأسري دونما سبب ذي بال إلا أن يلهو مع أقرانه ، أو يشتغل بتنمية ماله.. فعهد إلى السائق أو الخادم أن يقوم بدور الأب ، هو الموجه وهو صاحب السلطان.
وهكذا.. أصبح كثير من الأطفال - صانعي المستقبل - لا ارتباط حقيقي لهم بدينهم ولا بأسرهم ، بسبب هذا الوباء الذي عم كثيراً من الآباء والأمهات : الانهزامية والتهرب من المسئولية.

فيا أختي المسلمة : لا اعتراض على وجود الخادمة، إن كنت بحاجة إليها، ولا تنسي أن لها مهمتها ولك مهمتك ، فلا تتنازلي لها راضية عن عملك أُمَّاً مربية لأطفالك وهذا أخص خصائصك.. ساعدي ابنك على البر بك.
إن الحنان الذي يرافق إطعامك لطفلك ، والبسمة التي تشجعه إذا أصاب ، والنظرة العاتبة التي ترده إلى جادة الصواب إن أخطأ.. كل ذلك له الأثر الذي لا يمحى من ذاكرة الطفل.
وأنت أيها الأب الكريم: ليسع عطفك ابنك ، وهذا هو خير عطاء تمنحه إياه ، إن دخولك المنزل تحمل الأغراض التي ساعدك بشرائها الخادم ، وتقدمها بيديك لزوجتك وأولادك لا يعوض عملك هذا ملء البيت ألعاباً وتحفاً وملابس وحلوى يباشر تقديمها لهم الخادم. والله أسأل أن يوفق أسرنا المسلمة إلى التربية البناءة الواعية .


-----------------------
الهوامش:
1 - أصول علم النفس ، د. أحمد عزت راجح ص 426، والتربية في الإسلام ، للأهوان، ص 130.
2 - متفق عليه.
3 - الفتاوى لابن تيمية4/247.
4 - تحفة المودود لابن القيم / 139.
5 - منهج التربية الإسلامية، الأستاذ محمد قطب 108/2.
6 - شروط النهضة / 116.
7 - أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم في "صحيحه" (صحيح الجامع الصغير م 1/199).








لتكون سعيد

لتكون سعيدا ..
فكر واشكر
والمعنى أن تذكر نعم الله عليك , فإذا هي تغمرك من فوقك ومن تحت قدميك (( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها )) صحة في بدن، أمن في وطن، غذاء وكساء، وهواء وماء، لديك الدنيا وأنت ما تشعر، تملك الحياة وأنت لا تعلم (( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنةً )) عندك عينان، ولسان وشفتان، ويدان ورجلان (( فبأي آلاء ربكما تكذبان )) . هل هي مسألة سهلة أن تمشي على قدميك، وقد بترت أقدام, وأن تعتمد على ساقيك، وقد قطعت سوق، أحقير أن تنام ملء عينيك وقد أطار الألم نوم الكثير، وأن تملاً معدتك من الطعام الشهي، وأن تكرع من الماء البارد وهناك من عكر عليه الطعام، ونغص عليه الشراب بأمراض وأسقام . تفكر في سمعك وقد عوفيت من الصمم، وتأمل في نظرك وقد سلمت من العمى، وانظر إلى جلدك وقد نجوت من البرص والجذام، والمح عقلك وقد أنعم عليك بحضوره ولم تفجع بالجنون والذهول

كيف يكون قضاءالصلاة الفائة

كيف يقضي المسلم ما فاته من الصلاة؟ أي صلاة بكاملها كصلاة الفجر مثلاً، وهل إذا كانت الصلاة جهرية يجب عليه أن يجهر بها أفيدونا بارك الله فيكم؟

من كان عليه صلوات يقضيها كما لو أداها إن كانت جهرية قضاها جهراً كالفجر, والعشاء, والمغرب وإن كانت سرية قضاها سراً كالظهر, والعصر يقضيها كما يؤديها في وقتها هذا إذا كان تركها نسياناً, أو عن نوم, أو عن شبهة مرض يزعم أنه لا يستطيع فعلها وهو في المرض فأخرها جهلاً منه هذا يقضيها كما كانت, أما إذا كانت تركها تعمداً ثم هداه الله وتاب فليس عليه قضاء؛ لأن تركها كفر إذا كان تعمد فإذا تاب إلى الله من ذلك فليس عليه قضاء وإنما التوبة تمحوا ما قبلها, إذا تاب توبة صادقة من تركه الصلاة محا الله عنه بذلك ما ترك وليس عليه قضى في أصح قولي العلماء, إنما القضاء في حق من تركها نسياناً, أو جهلاً منه بوجوب أدائها بمرض أصابه فأراد أن يؤخرها حتى يصليها وهو صحيح, أو بسبب نوم هذا هو الذي يقضي أما الذي يتركها تعمداً نعوذ بالله من ذلك فهذا كفر يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة - رضي الله عنه - وقال عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) خرجه الإمام مسلم في صحيحه ، في أحاديث أخرى تدل على ذلك, فالخلاصة أنه إذا تركها عمداً تهاوناً بها, أو جحداً لوجوبها كفر فإن كان جاحداً لوجوبها كفر إجماعاً أجمع العلماء أن من جحد وجوب الصلاة كفر إجماعاً نسأل الله العافية, أما من تركها تهاوناً وتكاسلاً فهذا قد شابه المنافقين, وذلك كفر أكبر في أصح قولي العلماء فعليه التوبة إلى الله التوبة الصادقة النصوح المتضمنة للندم على ما مضى, والإقلاع من ذلك, والعزم أن لا يعود في مثل ذلك فهذا تكفيه التوبة والحمد لله ولا قضاء عليه।
الرجع/ موقع الشيخ الوالد ابن باز رحمه الله.

25‏/05‏/2011

التكافل في المجتمع الإسلامي :

تفرض شريعة الإسلام على أتباعها المسلمين أن يَسُود بينهم التعاون والتكافل والتآزر في المشاعر والأحاسيس، فضلاً عن التكافل في الحاجات والمادِّيات، ومن ثَمَّ كانوا بهذا الدين كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا، كما روى أبو موسى الأشعري t عن النبي أنه قال: "الْـمُؤْمِنُ لِلْـمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا"[1]. أو كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، كما قال رسول الله : "مَثَلُ الْـمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْـجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْـجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْـحُمَّى" [2].

شمولية التكافل في الإسلام

فالتكافل الاجتماعي في الإسلام ليس مقصورًا على النفع المادِّي، وإن كان ذلك ركنًا أساسيًّا فيه، بل يتجاوزه إلى جميع حاجات المجتمع، أفرادًا وجماعات؛ مادِّيَّةً كانت تلك الحاجة أو معنوية أو فكرية، على أوسع مدًى لهذه المفاهيم؛ فهي بذلك تتضمن جميع الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات داخل الأُمَّة.
وتعاليم الإسلام كلها تؤكِّد التكافل بمفهومه الشامل بين المسلمين؛ ولذلك تجد المجتمع الإسلامي لا يَعْرِف فردية أو أنانية أو سلبية، وإنما يعرف إخاءً صادقًا، وعطاء كريمًا، وتعاونًا على البِرِّ والتقوى دائمًا[3].

عمومية التكافل في الإسلام

التكافل في الإسلام
والتكافل الاجتماعي في الإسلام ليس معنيًّا به المسلمين المنتمين إلى الأُمَّة المسلمة فقط، بل يشمل كل بني الإنسان على اختلاف مللهم واعتقاداتهم داخل ذلك المجتمع؛ كما قال الله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]؛ ذلك أن أساس التكافل هو كرامة الإنسان؛ حيث قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

ومن تلك الآيات الجامعة في سياق التكافل والترابط بين أفراد المجتمع الإسلامي قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الإسراء: 70]. قال القرطبي[4]: "هو أَمْرٌ لجميع الخَلْقِ بالتعاون على البِرِّ والتقوى، أي لِيُعِن بعضكم بعضًا[5]. وقال الماوردي[6]: "ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبِرِّ وقَرَنَه بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البرِّ رضا الناس، ومَنْ جَمَعَ بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمَّت سعادته وعمَّت نعمته"[7].

أهمية الزكاة في الإسلام

الزكاة
لقد ذَكَرَ القرآنُ الكريم صراحة أنَّ في أموال الأغنياء حقًّا محدَّدًا يُعْطَى للمحتاجين؛ فقال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25]، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌولقد تولَّى الشارع بنفسه تحديد هذا الحقِّ وبيانه، ولم يترك ذلك لِجُود الموسرين، وكرم المحسنين، ومدى ما تنطوي عليه نفوسهم من رحمة، وما تحمله قلوبهم من رغبةٍ في البِرِّ والإحسان، وحُبِّ فعل الخير[8].

وهؤلاء الـمُحتاجون قد حدَّدتهم الآيات القرآنية في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
ومن هنا تأتي أهمية الزكاة من حيث شمولها لمعظم أفراد المجتمع، وباعتبارها المنبع الأساسي الأوَّل لتغطية جانب التكافل والتعاون؛ فهي الفريضة الثالثة من فرائض الإسلام، ولا يُقبَل الإسلام بدونها، والزكاة تُطَهِّرُ نفس صاحبها وتزكِّيه؛ فهي منفعة له قبل أن تكون منفعةً لمن تُنفَق عليه، قال الله : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]. خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَاوما مِن شَكٍّ أن الزكاة كما تَنْزِع من نفس المزكِّي الحرصَ والبُخْلَ والشُّحَّ؛ تَنْزِعُ كذلك من نفس الفقير والمحتاج والمستحقِّ للزكاة الحقدَ والضغينةَ والبُغْضَ للأغنياء وأصحاب الثراء، وتُوجِدُ جَوًّا من الألفة والمحبَّة والتعاون والتراحم بين أفراد المجتمع الذي تُؤدَّى فيه هذه الفريضة العظيمة.
والشرع يُجِيزُ لِوَلِيِّ الأمر أن يأخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجات الفقراء، كلٌّ بحسب قدرته المالية، ولا يجوز في مجتمع مسلم أن يبيت بعضهم شبعان ممتلئ البطن، وجاره إلى جنبه جائع، فعلى المجتمع ككل أن يُشَارِك بعضه بعضًا في الكفاف، كما قال الرسول : "مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ"[9]. وقد قال الإمام ابن حزم[10] في ذلك: "وفرض على الأغنياء من أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بفقرائهم, ويُجبرهم السلطان على ذلك, إن لم تَقُمِ الزكوات بهم, ولا في سائر أموال المسلمين, فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بُدَّ منه, ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك, وبمسكن يكنُّهم من المطر, والصيف والشمس, وعيون المارَّة"[11].
ونظرة الإسلام للتكافل المادِّيِّ لا تتوقَّف بتوفير حدِّ الكفاف للمحتاجين، ولكنها تَعَدَّت ذلك إلى تحقيق حدِّ الكفاية، وهذا ما ظهر في قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t: "كرِّروا عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مائة من الإبل"[12].

أحاديث في فضل التكافل :

ومن الأحاديث النبوية التي تُوَضِّح فضل التكافل في المجتمع المسلم والحثّ عليه، ومكانة ذلك في الإسلام ما رواه أبو موسى الأشعري t قال: قال النبي : "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا[13]فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْـمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ"[14]. قال ابن حجر في الفتح: أي هم مُتَّصِلُون بي[15]. وذلك غاية الشرف للمسلم.
كما كان منها - أيضًا - ما رواه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله قَالَ: "الْـمُسْلِمُ أَخُو الْـمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[16].
قال النووي رحمه الله: "في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زَلاَّته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها مَنْ أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه مَنْ أزالها بإشارته ورأيه ودلالته"[17]. وهذا هو معنى التكافل في المجتمع المسلم.
فهو يعني أن يكون آحاد الشعب في كفالة جماعتهم، وأن يكون كلّ قادر أو ذي سلطان كفيلاً في مجتمعه يُمِدُّه بالخير، وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الآحاد، ودفع الأضرار، ثم في المحافظة على دفع الأضرار عن البناء الاجتماعي وإقامته على أسس سليمة[18]. كما يعني أن يعيش الناس بعضهم مع بعض في حالة تعاضد وترابط بين الأفراد والجماعة، وبين كل إنسان مع أخيه الإنسان[19].
مساعدة المحتاجين
هذا، وقد عدَّ الرسول مساعدة المحتاجين والشعور بالمسئوليَّة تجاه أفراد المجتمع الذي نعيش فيه من أنواع الصدقات على النفس، فروى أبو ذَرٍّ t: "عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ". قلت: يا رسول الله، من أين أتصدَّق وليس لنا أموالٌ؟ قال: "لأَنَّ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ... تَهْدِي الأَعْمَى، وَتُسْمِعُ الأَصَمَّ وَالأَبْكَمَ حَتَّى يَفْقَهَ، وَتُدِلُّ الْـمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَةٍ لَهُ قَدْ عَلِمْتَ مَكَانَهَا، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ الْـمُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ..."[20].

وإن مثل هذه القيم لتُعَدُّ عَلامات حضاريَّة بارزة سبق بها الإسلام كُلَّ النُّظُمِ والقوانين التي أَوْلَت هذا الأمر اهتمامًا بعد ذلك؛ فمَنْ كان يَسْمَع عن هداية الأعمى، وإسماع الأصمِّ والأبكم؟!
وقد حذَّر الرسول من تقصير القادرين في قضاء حوائج الناس، فقد قال عمرو بن مرة لمعاوية: إنِّي سمعتُ رسول الله يقول: "مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْـحَاجَةِ وَالْـخَلَّةِ[21] وَالْـمَسْكَنَةِ إِلاَّ أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ"[22]. قال: فجعل معاوية رجلاً على حوائج النَّاس.
وعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة الأنصاري -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله : "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ؛ إِلاَّ خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ؛ إِلاَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ"[23].
وفي تأصيل ذلك من أقوال الفقهاء المسلمين ما يدعو إلى العجب؛ فإنهم قد شرعوا أنه يَجِبُ على كل مسلم محاولة دفع الضرر عن غيره، فيجب قطع الصلاة لإغاثة ملهوف وغريق وحريق، فيُنقِذه من كلِّ ما يُعرِّضه للهلاك، فإن كان الشخص قادرًا على ذلك دون غيره فُرِضَتْ عليه الإغاثة فَرْض عَيْنٍ، أمَّا إذا كان هناك مَن يقدر على ذلك، كان ذلك عليه فرض كفاية، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء[24].
وعلى هذا فالتكافل دِعَامَة أساسية من دعائم المجتمع الإسلامي، وهو يشمل صورًا كثيرة من التعاون والتآزر والمشاركة في سدِّ الثغرات؛ تتمثَّل بتقديم العون والحماية والنصرة والمواساة، وذلك إلى أن تُقضى حاجة المضطر، ويزول هَمُّ الحزين، ويندمل جرحُ المصاب، ويبرأ الجسدُ كاملاً من الآلام والأسقام.
د.راغب السرجاني



[1] البخاري: كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا (5680)، ومسلم: كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (2585).

[2] البخاري: كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (5665)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (65).

[3] انظر: محمد الدسوقي: الوقف ودوره في تنمية المجتمع الإسلامي، سلسلة قضايا إسلامية، العدد (46)، يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القسم الأول ص5.

[4] القرطبي: (ت 671 هـ/ 1273م) محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي المالكي القرطبي، من كبار المفسرين، وهو صاحب التفسير المشهور (الجامع لأحكام القرآن). مات بمنية بني خصيب من الصعيد الأدنى في مصر (شمال أسيوط). انظر: الزركلي: الأعلام 5/322.

[5] انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 6/46، 47.

[6] الماوردي: (364-450هـ/ 974-1058م) هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، أقضى القضاة، كان إمامًا في الفقه والأصول والتفسير، ولي قضاء بلاد كثيرة. من مؤلفاته: "أدب الدنيا والدين"، و"الأحكام السلطانية". انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء 18/65، والزركلي: الأعلام 4/327.

[7] انظر: الماوردي: أدب الدنيا والدين ص196، 197.

[8] حسين حامد حسان: التكافل الاجتماعي في الشريعة الإسلامية ص8.

[9] الحاكم (7307) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، والطبراني عن أنس بن مالك: المعجم الكبير (750) واللفظ له، والبيهقي: شعب الإيمان (3238)، والبخاري: الأدب المفرد (112)، وصححه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (149).

[10] ابن حزم الأندلسي: هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري (384- 456هـ/ 994- 1064م) أحد أئمة الإسلام، كان عالمًا بالفقه ملمًّا به، وهو من أتباع داود الظاهري يأخذ بظواهر النصوص. انظر: الصفدي: الوافي بالوفيات 20/93.

[11] ابن حزم: المحلى 6/452، المسألة (725).

[12] المصدر السابق نفسه.

[13] أرملوا: أي: فني زادهم، وأصله من الرَّمْل كأنهم لصقوا بالرمل من القلَّة. انظر ابن حجر: فتح الباري 5/130.

[14] البخاري: كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض (2354)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريين y (2500).

[15] ابن حجر: فتح الباري 5/130.

[16] البخاري: كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه (2310)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (2580).

[17] النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم 16/135.

[18] محمد أبو زهرة: التكافل الاجتماعي في الإسلام ص7.

[19] عبد العال أحمد عبد العال: التكافل الاجتماعي في الإسلام ص13.

[20] رواه أحمد (21522) وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح. وابن حبان (3377)، والبيهقي في شعب الإيمان (7618)، والنسائي: السنن الكبرى (9027)، وصححه الألباني، انظر: صحيح الجامع (4038).

[21] الخَلَّة: هي الحاجة والفقر.

[22] الترمذي (1332)، وأحمد (18062)، وأبو يعلى (1565)، وصححه الألباني، انظر: صحيح الجامع (5685).

[23] رواه الطبراني في المعجم الكبير (4735)، والأوسط (8642)، وأبو داود (4884)، وأحمد (16415)، والبيهقي في شعب الإيمان (7632)، وحسنه الألباني، انظر صحيح الجامع (5690)، والجامع الصغير وزيادته (10627).

[24] الشربيني الخطيب: مغني المحتاج 4/5، وابن قدامة: المغني 7/515، 8/202।

المرجع قصة اسلام اليوم

27‏/02‏/2011

الحاكم الذي يقتل شعبه ليس جديرًا بهم



لحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. لقد شاهد الناس وسمعوا أخبار المجازر الشنيعة المفجعة التي أقْدَمت عليها جهات أمنية وأخرى متصلة بها ومدعومة منها، والتي راح ضَحِيّتها المئات من الأبرياء مِمّن نحتسبهم عند الله من الشهداء الصابرين، والآلاف من الجرحى خاصةً في المنطقة الشرقية من ليبيا، في بنغازي والبيضاء ودرنة وأجدابيا وطبرق والمرج والمنطقة الغربية في مدينة الزنتان والجبل الغربي والزاوية ومصراتة وبعض المناطق في طرابلس الكبرى والتي شهدت اعتصامًا ضخمًا أمام المحكمة العليا.
إنّ الحاكم الذي يقتل شعبه ليس جديرًا بهم، ورحم الله عمر بن الخطاب إذ يقول: ((إنّي لم أرسل عُمّالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم دينكم ويقسموا فيكم فيئكم)).
والقتل جريمة عُظْمَى، وعدوان كبير، خاصة إذا صدر بحقّ أبرياء يريدون التعبير عن مطالبهم المشروعة بالطرق السلمية، وفي دول تعترف نظريًا بأن شرعيتها ووجودها مكتسبةٌ من الشعب، وأن الجماهير هي صاحبة الحل والعقد، فمن حقّ هذه الجماهير أن تحتجَّ وأن تبلِّغ صوتها، ومواجهة هذه المطالب والتحركات بالبلطجية، وإطلاق عصابات المرتزقة، وقطع المؤن والبنزين عن المدن لهو تعامل بأساليب عف عنها الزمان.
وإن من شأن سفك الدماء أن يصنع ثأراً لدى الشعوب يصعب نسيانه.

وإنّني أكتب هذه الحروف وقلبي مليء بالحزن على هذه الأرواح الطاهرة البريئة التي صعدت إلى ربها تشكو ظلم الظالمين، وقهر المتسلطين، وصمت القادرين.

على أنّ ما جرَى أصبح مكشوفًا أمام العالم كله، ورآه المسلمون والعرب على المواقع والقنوات برغم التعتيم والتكتيم الذي زاد من قتامة الصورة وخطورتها.

ومن الصراحة أن أقول: لقد بعثت في فترة مضت وقبل هذه الأحداث إلى بعض مِمّن أحسبهم عقلاء القوم أدعوهم إلى الاستعجال بإعلان الإصلاحات الضرورية بشجاعة ودون تردّد أو حسابات عقيمة، وإعلان الدستور الجديد، والإذن بالممارسة السياسية والمنافسة الشريفة، وإعطاء الحقوق لأهلها، والسماح بالتعبير الحر الرشيد، وفصل السلطات، ومحاربة الفساد المالي والإداري، ومعالجة البطالة المرتفعة، والشفافية في الأداء الحكومي، وحذرتُهُم من عواقب انفجار وشيك لَمَسْت آثاره في هذا الشعب العربي العريق حين زرته، ولكن كما قيل!

أمرتُهم أمري بمنعرج اللِّوى فلم يستبينوا النصح إلاّ ضحَى الغدِ

وإنَّ سنة الله ماضية، ومن لا يعقلون هذه السنة سوف تطحنهم طحنًا، ويقعون في شر أعمالهم طال الزمن أم قصر، وكما قال ربنا سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

إنني أدعو المسلمين كافة إلى التعامل بإيجابية واهتمام مع قضية إخوانهم في ليبيا، والتفاعل مع أحداثها، وأن يصدقوا ربهم تعالى في الدعوات الحارة، خاصة في أوقات الإجابة و الهزيع الأخير من الليل، وبروح صادقة واثقة، وأن يلهجوا بأسمائه الحسنى جل وتعالى أن يحفظهم ويسدِّد خطاهم ويكشف كربهم وينتصر لهم، إنه نعم المولى ونعم النصير.

23‏/02‏/2011

وصية اهل الايمان

سلامُ الله عليكم ورحمته وبركاته.

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، ولا إله إلا اللهُ إله الأوَّلين والآخِرين، وقيوم السماوات والأرَضين، ومالك يوم الدِّين، الذي لا فوزَ إلا في طاعته، ولا عزَّ إلا في التذلُّل لعَظَمته، ولا غِنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا هُدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياةَ إلا في رِضاه، ولا نعيمَ إلا في قُرْبه، ولا صلاح للقلْب ولا فلاح إلا في الإخلاص له، وتوحيد حبِّه، الذي إذا أُطيع شكَر، وإذا عُصي تاب وغفَر، وإذا دُعي أجاب، وإذا عُومل أثاب، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحْبه وسلَّم تسليمًا.

أما بعد:

فما أعلمُ وصيةً أعظم ولا أنفع مِن وصية الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمن عَقَلها واتَّبَعها لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131]، وقال بعضُ العارفين: هذه الآية هي رَحَى آي القرآن؛ لأنَّ جميعه يدور عليها، والتقوى فيها جماعُ الخير كله، وهي وصيةُ الله في الأوَّلين والآخِرين، وهي خيرُ ما يَستفيدُه الإنسان وأعظمُ رأس ماله، كما قال أبو الدرداء، وقد قيل له: إنَّ أصحابك يقولون الشِّعر وأنت ما حُفِظ عنك شيء، فقال:

يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ مَا أَرَادَا
يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي
وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا

وقد وصَّى النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - معاذًا - وكان أعلمَ الأمَّة بالحلال والحرام - لما بعثَه إلى اليمَن، فقال: ((يا معاذُ، اتَّق الله حيثما كنتَ، وأتْبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناس بخُلُق حسن))، وهذه نصيحةٌ مِن محبٍّ لحبيبه، فقد قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمعاذ - رضي الله عنه -: ((يا معاذ، واللهِ إني لأحبُّك))، وهي كلمةٌ جامعة لأمرين، أحدهما يتعلَّق بحقِّ الله - عزَّ وجلَّ - والآخَر بحق عباده، فللعبدِ ستْر بينه وبين الله، وستْر بينه وبين الناس، فمَن هتَك الستر الذي بينه وبيْن الله، هتَك الله السترَ الذي بينه وبين الناس.

فقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اتَّقِ اللهَ حيثما كنت)) تحقيقٌ لحاجة العبد إلى التقوى في السرِّ والعلانية وحيثما كان، والتقوى في الحقيقةِ تقوى القلوب لا تَقوى الجوارح؛ قال - تعالى -: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، وقال سبحانه: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37]، وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((التقوى ها هنا، وأشار إلى صَدْره))، وتمام الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تَحاسَدوا ولا تَناجشوا، ولا تَباغَضوا ولا تَدابَروا، ولا يبعْ بعضُكم على بعض، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلِم أخو المسلِم؛ لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التَّقْوى ها هنا - ويشير إلى صدْره ثلاثَ مرات - بحسب امرئٍ مِن الشر أن يحقِر أخاه المسلِم، كلُّ المسلم على المسلِم حرامٌ: دمُه ومالُه وعِرْضه)).

واللهُ تعالى أمَر العباد بأن يَقوموا بشرائعِ الإسلام على ظواهِرهم، مِن صلاة وصيام وحجٍّ وزكاة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وغيرها، وحقائِق الإيمان على بواطِنهم، من حبٍّ وتعظيم، وخوف ورجاء، وخشية وإنابة وتوكل، ونحوها، ولا يَقبل واحدًا منهما إلا بصاحبه وقرينه، ففي المسند مرفوعًا: ((الإسلامُ علانية، والإيمان في القلب)).

وهذه الأعمال الباطنيَّة كمحبَّة الله والإخلاص له، والتوكُّل عليه، والرِّضا عنه، وغيرها كثيرٌ مما هو مأمورٌ به في حقِّ الخاصَّة والعامَّة، ولا يكون تركُها محمودًا في حال أحد، وإنِ ارْتَقى مقامه، ولا يخرُج عنها إلا كافرٌ أو منافِق.

قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: "يا حبَّذا نومُ الأكياس وفِطرهم! كيف يغبنون به قيامَ الحمْقَى وصومهم، والذَّرَّة مِن صاحب تقوى أفضلُ مِن أمثال الجِبال عبادةً من المغترِّين"، وهذا مِن جواهر الكلام، وأدلِّه على كمال فِقه الصحابة، وتقدُّمهم على مَن بَعْدهم في كلِّ خير وفضْل - رضي الله عنهم.

فالكيِّس يقطَع من المسافة في سيره إلى الله بصحَّة العزيمة وعلوِّ الهِمَّة، وتجريد القصد وصحَّة النية مع العمل القليلِ - أضعافَ ما يقطعه الفارغُ مِن ذلك مع التَّعب الكثير والسَّفَر الشاق، والسبق إلى الله سبحانه إنَّما هو بالهِمم وصِدق الرغبة والعزيمة، فيتقدَّم صاحبُ الهِمَّة مع سكونه صاحبَ العمل الكثير بمراحل، فإنْ ساواه في همته تقدَّم عليه بعمله، وأفضلهم مَن كانت له همَّة عالية وأعمال عظيمة.

وأكْمل الهَدي هدْي رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد كان موفيًا كل واحد منهما حقَّه، فكان مع كماله وإرادتِه وأحواله مع الله يقوم حتى تورَّمتْ قدماه، ويصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويجاهِد في سبيلِ الله، ويخالِط أصحابَه ولا يحتجب عنهم، ولا يترُك شيئًا من النوافل والأوراد لتلك الوارداتِ التي تعجز عن حملها قُوَى البشَر.

وفي الصحيحين عن معاذ - رضي الله عنه - قال: كنتُ رديفًا للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - على حمار، فقال: ((يا معاذ، أتدري ما حقُّ الله على العباد؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((حقُّ الله على العباد أن يَعْبُدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا، أتدري ما حقُّ العباد على الله إذا فَعَلوا ذلك؟)) قلت: الله ورسولُه أعلم، قال: ((حقُّهم عليه ألاَّ يُعذِّبَهم)).

فالعبادة هي الغايةُ التي خَلَق لها الله العباد، كما قال - تعالى -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وبها أرْسل الرُّسل، وأنزل الكتب، وهي اسمٌ يجمع كمالَ الحب ونهايته، وكمال الذلِّ ونهايته، وإذا تخلَّف أحدهما فلا تكون عبادة.

ثم قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وأتْبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها))، فإنَّ الطبيب متى تناوَل المريض شيئًا مضرًّا أمَرَه بما يُصلِحه، فكذلك العبدُ إذا ارتكب سيئةً فقدْ أمره النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يمحوَها بحسنة مِن جنسها، فإنَّه أبلغُ في المحو.

واعلم أنَّ الناس دخَلوا النارَ مِن ثلاثة أبواب: باب شبهة أورثتْ شكًّا في دِين الله، مما جرَّ إلى البدَع والضلال، وباب شهْوة أورثتْ تقديم الهوى على طاعته ومرضاته، مما جرَّ إلى الفِسق والفجور، وباب غضَب أورَث العدوان على خَلْقه، ممَّا جرَّ إلى الظلم والجور، وأصول الخَطايا كلها ثلاثة: الكِبر وهو الذي فعَل بإبليس ما فعَل مِن اللعن والطرد والتخليد في النار، والحرْص وهو الذي أخْرَج آدم مِن الجنة، وبسببه أُهْبِط إلى الأرْض، والحسَد وهو الذي جرَّ أحد ابني آدم إلى قتْل أخيه بغيًا بغير حقٍّ.

وقال ثابتُ بن قرَّة: راحةُ الجِسم في قلَّة الطعام، وراحة الرُّوح في قلَّة الآثام، وراحة اللِّسان في قلَّة الكلام، والذنوب للقلْب بمنزلة السموم إن لم تُهْلكْه أضعفَتْه ولا بدَّ، وإذا ضعفت قوتُه لم يقدِرْ على مقاومة الأمراض،

والذنوب والمعاصي سببٌ لهوان العبد على ربِّه وسقوطه مِن عينه؛ قال الحسن البصري: هانوا عليه فعَصَوْه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبدُ على الله لم يكرِمْه أحد، كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: 18]، وإنَّ عظَّمهم الناس في الظاهِر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرِّهم، فهم في قلوبهم أحقرُ شيء وأهونه، والعبدُ لا يزال يرتكب الذنوبَ، حتى يهونَ عليه ويصغُر في قلبه، وذلك علامة الخذلان والهلاك، فإنَّ الذنب كلَّما صغُر في عين العبد عظُم عندَ الله، وقد ذكَر البخاريُّ في صحيحه عن ابنِ مسعود قال: "إنَّ المؤمن يرَى ذنوبه كأنَّها في أصل جبَل يخاف أن يقَع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبَه كذُباب وقَع على أنْفِه، فقال به هكَذا فطار".

والذُّنوب والمعاصي تُورِث الذلَّ ولا بد، فإنَّ العِز كل العز في طاعةِ الله تعالى؛ قال - تعالى -: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: 10]؛ أي: فليطلبها بطاعةِ الله، فإنَّه لا يجدُها إلاَّ في طاعته، وكان مِن دُعاء بعضِ السَّلَف: اللهمَّ أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك، قال الحسن البصري: "إنَّهم وإن طَقْطَقَتْ بهم البغال، وهَمْلَجتْ بهم البراذين، إنَّ ذُلَّ المعصية لا يفارق قلوبهم، أبَى الله إلا أن يُذِلَّ مَن عصاه"، فمَن عصى الله تعالى أذلَّه الله ولا بدَّ، ولن تعزه لا المجلاَّت المنحطة، ولا الأفلام الساقِطة، ولا السيارات الفاخِرة، ولا المغنية الفاجِرة.

ومِن آثار الذنوب والمعاصي: ما تُحدِثه في الأرض من أنواع الفساد في المياه والهواء والزَّرْع والثمار، والمساكن والمجتمعات والسياسات، والأموال والأنفس، كما قال - تعالى -: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41]، قال مجاهد: إذا ولي الظالِم سعَى بالظلم والفساد، فيحبس بذلك القَطْر، فيهلك الحرْثُ والنسل، والله لا يحب الفساد، وهذا نراه ونجده كلَّ يوم، فالله المستعان.

فالذنوبُ والمعاصي تُزيل النعم، وتحل النِّقم، فما زالتْ عن العبد نِعمة إلا بسبب ذنب، ولا حلَّت به نقمة إلا بذنب، كما قال عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "ما نَزَل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِع بلاء إلا بتوبة"، وقدْ قال - تعالى -: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال - تعالى -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال: 53]، فأخْبر الله تعالى أنَّه لا يُغيِّر نعمتَه التي أنعم بها على أحد حتى يكونَ هو الذي يغيِّر ما بنَفْسِه، فيغيِّر طاعةَ الله بمعصيته، وشُكْرَه بكفره، وأسباب رِضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر، غيّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلام للعبيد، وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11].

واعلم أنَّ الذنوب يزول موجبُها بأشياء:

أحدها التوبة: فإنَّه ليس في الوجود شرٌّ إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عُوفي من الذنوب عوفي مِن موجباتها، فليس للعبد إذا بُغي عليه وأُوذي وتَسلَّط عليه خصومُه شيء أنفع له مِن التوبة النَّصوح، وعلامة سعادته أن يَعكِس فِكره ونظرَه على نفسه وذنوبه وعيوبه، فينشغل بها وبإصلاحِها وبالتوبة منها، فلا يبقَى فيه فراغٌ لتدبر ما نزَل به، بل يتولَّى هو التوبة ومحاسَبة نفْسه وإصلاح عيوبه، والله يتولَّى نُصرتَه وحفظَه والدَّفْع عنه ولا بدَّ.

وشرائط التوبة ثلاثة: النَّدم والإقلاع والاعتِذار، فأمَّا الندم فإنَّه لا تتحقَّق التوبة إلا به؛ إذ من لم يندمْ على القبيح فذلك دليلٌ على رِضاه به وإصراره عليه، وفي المسند: ((النَّدمُ توبة))، وأمَّا الإقلاع فتستحيل التوبةُ مع مباشرةِ الذنب، وأما الاعتذار فعلَى الأرجح إظهارُ الضعف والمسكنة، وغلبة العدوِّ، وقوة سلطان النفْس، وأنه لم يكن مِن العبد ما كان عن استهانةٍ بحقِّ الله - عزَّ وجلَّ - ولا جهلاً به سبحانه، ولا إنكارًا لاطلاعه، ولا استهانة بوعيده، وإنَّما كان مِن غلبة الهوى، وضعْف القوَّة عن مقاومة مرَض الشهوة، وطمعًا في مغفرة الله تعالى، واتكالاً على عفوه، وحسن ظنٍّ به، ورجاءً لكرمه، وطمعًا في سَعة حلمه ورحمته، ويجب مع ذلك كله ألاَّ يعتذر بالقَدَر، وألا يحتجَّ به، فإنَّه منافٍ للتوبة، والمقصود الاعتذارُ بما يتضمَّن الاستعطافَ والتذلُّل والافتقار، والاعتراف بالعجْز والإقرار بالعبوديَّة.

وهذا الذي ذُكِر بعض مسمى التوبة، فهي شروطها، وإلا فالتوبة في كلامِ الله ورسوله كما تتضمَّن ذلك، تتضمن العزمَ على فِعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرَّد الإقلاع والعزْم والندم تائبًا، حتى يوجد منه العزمُ الجازم على فِعل المأمور والإتيان به، هذا حقيقة التوبة؛ إذ هي الرجوعُ إلى الله بالتزام فِعل ما يحب وترْك ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروه إلى محبوب؛ ولهذا علَّق سبحانه الفلاحَ المطلَق على فعْل المأمور وترْك المحظور بها، فقال: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31]، فكلُّ تائب مفلِح، ولا يكون مفلحًا إلا مَن فعَل ما أُمر به وترَك ما نُهي عنه، وقال - تعالى -: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].

وتارك المأمور ظالِم، كما أنَّ فاعل المحظور ظالم، وزوال اسم الظُّلم عنه إنَّما يكون بالتوبة الجامِعة للأمرين، فإذًا التوبة هي حقيقةُ دِين الإسلام، والدين كله داخلٌ في مسمَّى التوبة، وبهذا استحقَّ التائب أن يكونَ حبيبَ الله، فإنَّ الله يحب التوَّابين ويحب المتطهِّرين، وهي الغاية التي وُجِد لأجلها الخَلْق والأمر، والتوحيد جزءٌ منها، بل هو جزؤها الأعظمُ الذي عليه بناؤها، وأكثر الناس لا يَعرِفون قدْرَ التوبة ولا حقيقتها، فضلاً عن القيام بها علمًا وعملاً وحالاً.

الثاني الاستغفار من غير توبة: فإن الله تعالى قد يستجيب لدُعاء العبد فيغفر له دون أن يتوب، ولكن الكمال في اجتماع التوبة والاستغفار، وعليه فالاستغفار نوعان: مفرَد ومقرون بالتوبة، فالمفرَد كقول نوح - عليه السلام - لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [نوح: 10 - 11]، وكقول صالح لقومه: ﴿ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل: 46]، وكقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المزمل: 20].

والمَقْرُون، كقوله تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: 3]، وقول هود لقومه: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾ [هود: 52].

فالاستغفارُ المفرَد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها مع تضمُّنه طلبَ المغفرة من الله، وهو محوُ الذنب وإزالة أثره ووقاية شرِّه، لا كما ظنَّه بعضُ الناس أنها الستر فقط، فإنَّ الله يستر على مَن يغفر له ومَن لا يغفر له، ولكن الستر لازمٌ للتوبة، والمقصود أنَّ الاستِغفار يتضمَّن التوبة، والتوبة تتضمَّن الاستغفار، وكلاًّ منهما يدخُل في مسمَّى الآخَر عندَ الإطلاق، وأما عندَ الاقتران فالاستغفار طلَبُ وقاية شرِّ ما مضى، والتوبة الرجوعُ وطلب وقاية شرِّ ما يخافه في المستقبل مِن سيئات أعماله.

الثالثة: الأعمال الصالِحة المكفِّرة؛ إما الكفَّارات المقدرة، وهي أربعة أجناس: هدْي وعِتق، وصدقة وصيام، وإما الكفَّارات المطلقة، كما قال حذيفة لعمر: "فِتنة الرجل في أهلِه ومالِه وولده يُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وإنَّ العناية بهذا مِن أشد ما بالإنسان الحاجة إليه؛ كي يقومَ الإنسان وتقوم الأمَّة، فإنَّ هذا الزمن هو زمنُ الفترات التي تشبِه الجاهلية مِن كثير من الوجوه، والإنسان الذي ينشأ بين أهلِ عِلم ودِين قد يَتَلَطَّخ بأمور الجاهلية بعدَّة أشياء، فكَيْف بغير هذا؟! وخاصَّة ممَّن يعيش بيْن ظهراني اليهود والنصارى والمشركين، فإنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لتتَّبِعنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم حذوَ القُذَّة بالقُذة، حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لدخلتموه))، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟!))، وهذا خبرٌ صدَّقه الله تعالى في قوله: ﴿ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾ [التوبة: 69].

وهذا أمرٌ قد يَسْري في المنتسبين إلى الدِّين مِن الخاصة، فإنه مَن فسد مِن المنتسبين إلى العلم فيه شبهٌ من اليهود، ومَن فسد مِن المنتسبين إلى العبادة فيه شبهٌ مِن النصارى، كما يُبصر ذلك مَن فهِم دين الإسلام الذي بعَث الله به محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم أسْقَطه على أحوال الناس.

والمقصود: أنَّ أنفع ما للخاصة والعامَّة العلم بما يخلِّص النفوس مِن هذه الورطات، وهو أن يُتبِع العبدُ السيئة الحسنةَ فتمحوها، والحسنة ما نَدَب الله إليه على لسان خاتم النبيِّين، مِن الأقوال والأعمال والأخلاق والصفات.

ففي صحيح ابن حبَّان أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الشِّرْك في هذه الأمة أخْفَى مِن دبيب النمل))، فقال أبو بكر: فكيف الخلاصُ منه يا رسول الله؟ قال: ((أن تقول: اللهمَّ إني أعوذُ بك من أن أُشرِك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم))، وهذا طلبُ الاستغفار ممَّا يعلمه الله أنه ذنبٌ ولا يعلمه العبد.

وفي الصحيح عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه كان يدْعو في صلاته: ((اللهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمْري، وما أنت أعلمُ به مني، اللهمَّ اغفر لي جَدِّي وهَزْلي، وخطئي وعمْدي، وكل ذلك عِندي، اللهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنت، وما أنت أعلمُ به مني، أنتَ إلهي لا إله إلا أنت))، وفي الحديثِ الآخَر: ((اللهمَّ اغفر لي ذنبي كله؛ دِقَّه وجلَّه، خطأه وعمده، سرَّه وعلانيته، أوَّلَه وآخِره))، فهذا التعميم وهذا الشمول؛ لتأتي التوبة على ما علِمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمْه.

واعلمْ أنَّه ممَّا يزيل موجبَ الذنوب المصايب المكفِّرة مِن ألَم وهمّ، وغم وأذًى، في مال أو عِرض أو جَسد، أو غير ذلك، لكن هذا ليس مِن فعل العبد، وليمتثل في هذه الحال لقولِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزن، فقال: اللهمَّ إني عبدُك ابنُ عبدك ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكلِّ اسم هو لك، سميتَ به نفْسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علمتَه أحدًا مِن خلقك، أو استأثرتَ به في عِلم الغيب عندَك، أن تجعلَ القرآن ربيعَ قلْبي، ونُورَ صدري، وجلاءَ حُزني، وذَهاب همِّي وغمِّي، إلا أذهب الله همَّه وغمَّه، وأبدله مكانه فرحًا))، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟، قال: ((بلى، يَنبغي لمَن سمعهنَّ أن يتعلمهن)).

وللعبد فيما قُدِّر عليه مما يكره مشاهِد: فيشهد أنَّ الله هو الذي قدَّره وشاءه، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأْ لم يكن، وأنه ماضٍ فيه حُكمه، عدلٌ فيه قضاؤه، وأنَّ رحمته غالبةٌ لغضبه وانتقامه، وأن يشهد أنَّ الله لم يُقدِّر عليه ذلك المكروه سُدًى ولا قضاه عبثًا، وأنَّ لله فيه حكمةً بالغة، وأن يحمده - سبحانه وتعالى - على ذلك مِن جميع الوجوه، وأن يشهد أنه عبدٌ محض مِن كُلِّ وجه.

وأمَّا قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وخالِق الناس بخُلُق حسَن))، فهذا هو حقُّ الناس، وجِماعه: أن تَصِلَ مَن قطعك بالسلام والإكرام، والدعاء له والاستغفار، والثناء عليه والزيارة له، وتُعطيَ مَن حرَمك من المنفعة والعِلم والمال، وتعفوَ عمَّن ظلَمَك في دمٍ أو مال أو عِرْض، وبعض هذا واجبٌ وبعضه مستحَبٌّ.

واعلمْ أنَّ حُسن الخُلُق قد ذَهب بخير الدنيا والآخِرة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سُئِل عن أكثر ما يُدخِل الناس الجنة، فقال: ((تَقْوى الله وحُسن الخُلُق))، وسُئل عن أكثر ما يُدخِل الناس النار فقال: ((الفَمُ والفَرْج))، وفي الصحيح عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا))، فجعل كمال الإيمان في كمال حُسْن الخُلُق، وقال القاضي عياض: حسن الخُلق مخالقةُ الناس بالجميل والبِشر والتودُّد لهم، والإشفاق والحِلم عنهم، والصبر عليهم في المكارِه، وترْك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغِلظة والغَضب والمؤاخَذة.

ومدار حُسْن الخُلُق مع الحقِّ ومع الخلْق على حرفين ذَكَرهما عبدُالقادر الكيلاني، فقال: "كن مع الحقِّ بلا خلْق، ومع الخلْق بلا نفْس"، فتأمل ما أجلَّ هاتين الكلمتين مع اختصارهما! وما أجمعهما لقواعِد السلوك، ولكلِّ خُلُق جميل! وفساد الخلق إنما ينشأ مِن توسُّط الخَلْق بينك وبيْن الله تعالى، وتوسُّط النفس بينك وبين خَلْقه.

والمقصود أنَّ اسم التقوى يجمَع كلَّ ما أمر الله به مِن واجب ومستحب، وكلَّ ما نهى الله عنه نهيَ تحريم أو نهي تنزيه، سواء كان ذلك باطنًا أو ظاهرًا، وقد قال الشيخ أبو محمد عبدالقادر الكيلاني في كتاب "فتوح الغيب": "لا بدَّ لكلِّ مؤمن في سائرِ أحواله مِن ثلاثة أشياء: أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقَدَر يرْضَى به".

وهذا كلامٌ جامع شريف، مطابق لقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90]، ولقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120]، فالتقْوى تتضمَّن فعْل المأمور وترْك المحظور، والصبر على المقدور - مرض أو فقر أو خوف أو غيرها من المصايب - والثلاثة ترجِع إلى طاعةِ الله ورسوله.

وينبوع الخير وأصله: إخلاصُ العبد لربه، عبادة واستعانة، كما في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، فعلى العبد أن يقطَع تعلق قلْبه من المخلوقين انتفاعًا بهم أو عملاً لأجْلهم، ويجعل همَّته ربَّه تعالى، وذلك بملازمة الدعاء له في كلِّ مطلوب مرجو أو مخوف، والعمل له بكلِّ محبوب، وليعلم أنَّ ما يملك مِن أمره مِن ناصيته بيدِ الله، وأنَّ نفْسه بيدِ الله، وأنَّ قَلْبَه بيْن إصبعين مِن أصابع الله يُقلِّبه كيف يشاء، وحياته بيده، وموته بيدِه، وسعادته بيدِه، وشقاوته بيده، وحرَكاته وسكناته، وأقواله وأفعاله بإذنِه ومشيئته، إنْ وكله إلى نفْسه وكَله إلى عجْز وضيْعة وتفريط، وذنب وخطيئة، وإنْ وكله إلى غيرِه وكله إلى مَن لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وإن تخلَّى عليه استولَى عليه عدوُّه وجعَلَه له أسيرًا، هذا، وقد أجمع العارفون بالله على أنَّ الخذلان أن يكلك الله إلى نفسِك، ويخلي بينك وبينها، والتوفيق ألاَّ يكلك الله إلى نفسك.

واعلم أنَّ أفضل ما شَغَل العبد به نفسه في الجُملة، وعليه دلَّ حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح مسلم: ((سَبَق المفرِّدون)) قالوا: يا رسولَ الله ومن المفرِّدون؟ قال: ((الذَّاكرون الله كثيرًا والذاكرات))، وقال أُبيُّ بن كعب - رضي الله عنه -: "عليكم بالسبيل والسُّنة، فإنَّه ما مِن عبد على السبيل والسُّنة ذَكَر الله فاقشعرَّ جلدُه مِن مخافة الله إلا تحاتَّتْ عنه خطاياه، كما يتحاتُّ الورق اليابس عن الشجرة، وما مِن عبد على السبيل والسُّنة ذَكَر الله خاليًا ففاضتْ عيناه من خشية الله، إلا لم تمسَّه النار أبدًا، وإنَّ اقتصادًا في سبيل وسُنة خيرٌ مِن اجتهاد في خلاف سبيل وسُنة، فاحْرِصوا أن تكون أعمالُكم اقتصادًا واجتهادًا على منهاجِ الأنبياء وسُنتهم".

واعلم أنَّه مَن أُعطي الذِّكر اتصل بالله، ومَن مُنعه عُزِل وأُبعد عنه سبحانه، وهو قوتُ القلوب الذي متَى فارقها صارتِ الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطَّلتْ عنه صارت بورًا، وهو سلاحٌ ضدَّ قطاع الطريق، وماء لإطفاء الحريق، ودواء لشفاء المريض.

واعلم أنَّه في كلِّ جارحة من الجوارح عبوديةٌ مؤقَّتة، لكن الذِّكر عبودية القلْب واللسان وهي غير مؤقَّتة، فهي في كلِّ حال قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وكلما ازداد الذاكِر في ذكْره استغراقًا، ازداد المذكور محبَّة إلى لِقائه واشتياقًا، واللسان الغافل كالعين العمياء، والأُذن الصمَّاء، واليد الشلاَّء.

واعلم أنَّ الذِّكر هو باب الله الأعظم المفتوح بيْنه وبين عبده ما لم يُغلقْه العبد بغفلته، قال الحسنُ البصري - رحمه الله -: "تفقَّدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذِّكْر وقراءة القرآن، فإنْ وجدتم، وإلاَّ فاعْلموا أنَّ الباب مغلَق"، وقال بعضُ السلف: إذا تمكَّن الذِّكرُ من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرَعه كما يصرَع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قدْ مسَّه الإنسي.

وأقل ذلك أن يُلازم العبدُ الأذكارَ المأثورة، كأذكار الصباح والمساء، وعندَ أخْذ المضجع، وعند الاستيقاظ من المنام، وأدبار الصلوات، والأذكار المقيَّدة عند الأكْل والشرب، واللباس والجماع، ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج مِن ذلك، وعندَ المطر والرعد والرِّيح، وأذكار الصوم والأعياد، وغيرها كثيرٌ ممَّا هو موجودٌ في الكتب المسمَّاة بعمل اليوم والليلة.

واعلم أنَّ أفضل الذكر: (لا إله إلا الله)، وقد تَعرِض أحوال يكون بقية الذِّكر مثل (سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله) أفضل منه.

واعلم أنَّ الاشتغال بالعِلم النافع بعدَ أداء الفرائض هو أيضًا من أفضل الذِّكْر، ثم إنَّ العلم علمان: علم القلب وهو النافِع، وعلم اللسان وهو حُجَّة الله على عباده، والأوَّل أصلُ الثاني، والعِلم ما قام عليه الدليلُ والنافع منه ما جاء به الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو النقل المصدَّق والبحْث المحقَّق، وما سوى ذلك فخزف مزوَّق، وإلا فباطِل مطلق.

وجماع الخير أن يَستعين العبدُ بالله - سبحانه - في تلقِّي العلم الموروث عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنَّه هو الذي يستحقُّ أن يسمَّى علمًا، وما سواه إما أن يكون علمًا فلا يكون نافعًا، وإما ألا يكون علمًا وإن سُمِّي به.

وليصرف العبد همَّتَه إلى فَهم مقاصد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أمره ونهيه وسائرِ كلامه، فإذا اطمأنَّ قلبه أنَّ هذا هو مرادُ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلا يعدل عنه فيما بيْنه وبيْن الله تعالى، ولا مع الناس إذا أمْكَنه ذلك، وليجتهد وليتحرَّ الاعتصامَ بأصل مأثور عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كلِّ ما يَعرِض له، وفي كل بابٍ مِن أبواب العلم، فإذا استعصَى عليه أمرٌ فليتذكَّر قوله تعالى فيما رواه عنه رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستهدوني أهدِكم))، وليدع بما رواه مسلمٌ عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول إذا قام يُصلِّي مِن الليل: ((اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكُم بين عبادِك فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنَّك تَهدي مَن تشاء إلى صراط مستقيم)).

والهُدى إلى الصِّراط المستقيم يتناول التعريفَ بما جاء به الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مفصَّلاً، ويتناول التعريفَ بما يدخُل في أوامره الكليات، ويَتناول إلهام العمل بعِلْمه، فإن مجرَّد العِلم بالحقِّ لا يحصل به الاهتداء؛ ولهذا قال - تعالى - لنبيه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعدَ صُلح الحديبية:﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح: 1 - 2]، وقال في حقِّ موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام -: ﴿ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: 117].

والمسلمون قدْ تنازعوا فيما شاء الله مِن الأمور الخبريَّة والعِلمية والاعتقاديَّة والعمليَّة، مع أنهم كلهم متَّفقون أنَّ محمدًا حق، والقرآن حق، فلو حصَل لكل منهم الهُدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه، لم يختلفوا، ثم الذين عَلِموا ما أمر الله به أكثرُهم يعصونه ولا يحتذون حذوَ نبيه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولو هُدوا إلى الصراط المستقيم في تلك الأعمال لفَعَلوا ما أُمروا به، وتَرَكوا ما نُهُوا عنه؛ ولهذا كان افتقار العبد ودعاؤه في كلِّ صلاة بقوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] مِن أعظمِ الأسباب التي يَصير بها العبدُ مِن أولياء الله المتَّقين؛ قال سهلُ بنُ عبدالله التُّستريُّ: ليس بيْن العبد وبيْن ربِّه طريقٌ أقرَب إليه مِن الافتقار، وما حصَل فيه الهُدى في الماضي فهو محتاجٌ إلى حصول الهُدى فيه في المستقبل؛ وهذا حقيقةُ قول مَن يقول: ثبِّتْنا واهدِنا لزوم الصراط.

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر على ما تُوجِبه الشريعة، وهو الذي أنزل الله به كتبَه، وأرْسل به رُسلَه؛ فإنَّ رسالة الله: إما إخبار وإما إنشاء؛ فالإخبار عن نفْسه وعن خَلْقه: مثل التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد؛ والإنشاء: الأمر والنهي والإباحَة.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتلخَّص في: تحصيل المصالِح وتكثيرها، ودَرْء المفاسِد وتقليلها، ولما كان واجبًا من واجبات الدِّين، بل مِن أعظمها، فلا بدَّ أن يكون صالحًا، ولا يكون كذلك إن لم يكن بعِلم وفِقه، وكما قال عمر بن عبدالعزيز: "مَن عبد الله بغير عِلم، كان ما يُفسِد أكثر مما يصلح"؛ لأنَّ القصد والعمل إن لم يكن بعِلم، كان جهلاً وضلالاً واتِّباعًا للهوى، فلا بدَّ مِن العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، وهذا أمرٌ عزيز في يومِنا هذا، فهو مفقودٌ حتى عندَ كثير من المتديِّنين، فضلاً عن غيرهم مِن الغافلين.

وقدْ قال الله - تعالى - في صِفة نبيِّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157]، وكذلك وصَف الأُمَّة بما وصَف بها نبيَّها حيث قال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110]؛ ولهذا قال أبو هريرة: "كنتم خيرَ الناس للناس تأتون بهم في الأقيادِ والسلاسل حتى تُدخلوهم الجنة"، فبيَّن أنَّ هذه الأمة خيرُ الأمم للناس، وأنفعُهم لهم، وأعظمُهم إحسانًا لهم.

واعلم أنَّه ما ندِم مَن استخار الله تعالى، وليكثرْ مِن ذلك ومِن الدعاء، فقدْ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -: "إني لا أحمِل همَّ الإجابة، ولكن همَّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاءَ فإنَّ الإجابة معه".

ولفظ الدعاء والدعوة في القُرآن يتناول معنييْن: دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء: 213]، وقال - تعالى -: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: 117]، وقال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان: 68]، وقال - تعالى -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186].

ولفظ الصلاة في اللُّغة أصلُه الدعاء، وسُمِّيت الصلاة دعاءً لتضمنها معنَى الدعاء، وهو العبادة والمسألة، وكلُّ سائل راغبٌ راهب، فهو عابدٌ للمسؤول، وكلُّ عابدٌ له فهو أيضًا راغبٌ راهب؛ يرجو رحمتَه ويخاف عذابَه، والسائل الذي يطلب جلْبَ المنفعة، ودفْع المضرَّة بصِيغ السؤال والطلب، والعابِد مَن يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإنْ لم يكن في ذلك صِيغ سؤال.

وقال - تعالى -: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس: 10]، وفي الحديث: ((أفضلُ الذِّكر لا إله إلا الله، وأفضلُ الدعاء الحمدُ لله))، وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((دعوةُ أخي ذي النون: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]، ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّج الله بها كربتَه))، فقد سمَّاها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - دعوة؛ لأنَّها تتضمن نوعي الدعاء؛ فقوله: ﴿ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ﴾ اعترافٌ بتوحيد الإلهيَّة؛ وهذا التوحيد يتضمَّن أحد نوعي الدعاء، فإنَّ الإله هو المستحق لأنْ يُدعى دعاءَ عبادة ودعاء مسألة، وهو الله لا إله إلا هو.

وأما قوله: ﴿ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ فهو اعترافٌ بالذنب، وهو يتضمَّن طلب المغفرة؛ فإنَّ الطالب السائل تارةً يسأل بصيغة الطلَب، وتارةً يسأل بصيغة الخبر، وتارةً بوصف حاله، أو بوصْف حال المسؤول، أو بهما، كما قال نوح - عليه السلام -: ﴿ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [هود: 47].

والمقصود أنَّ نوْعي الدعاء؛ دعاء العِبادة ودعاء المسألة، لا يصلُح إلا لله، فمَن جعَل مع الله إلهًا آخر قعد مذمومًا مخذولاً، وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة العبدِ لله - عزَّ وجلَّ.

ثم إنَّ أفضل المكاسِب التوكُّل على الله والثِّقة بكفايته وحُسْن الظن به، فإنَّه مَن كان توكُّله على الله ودعاؤه له هو في حصولِ مباحات، فهو من عوام المسلمين، وإنْ كان في حصول مستحبَّات وواجبات فهو مِن خواصِّهم، كما أنَّ مَن دعاه وتوكَّل عليه في حصول محرَّمات فهو ظالِمٌ لنفسه، ومَن أعرض عن التوكُّل على الله فهو عاصٍ لله ورسوله، بل خارج عن حقيقةِ الإيمان، قال - تعالى -: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84]، وقال - تعالى -: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: 122]، وفي الترمذيِّ أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ليسأل أحدُكم ربه حاجتَه كلها، حتى شِسْع نعله إذا انقطع، فإنَّه إن لم ييسره له لم يتيسر))، وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يقول الله تعالى: يا عبادي، إني حرمتُ الظلم على نفْسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلُّكم عار إلا مَن كسوته، فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي، إنَّكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفِر الذنوب ولا أُبالي، فاستغفروني أغفرْ لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفْعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخِركم وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتْقى قلب رجلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخِرَكم وإنسَكم وجنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نَقَص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيتُ كلَّ واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما يَنقُص المخيط إذا غُمس في البحر، يا عبادي، إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها لكم ثم أُوفِّيكم إيَّاها، فمَن وجد خيرًا فليحمدِ الله، ومَن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)).

وقال - تعالى - في كتابه: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 32]، وقال الخليل - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ﴾ [العنكبوت: 17]، وهذا أمر، والأمر يقتضي الإيجاب، فالاستعانةُ بالله واللجَأ إليه في أمر الرزق وغيرِه أصلٌ عظيم.

ثم إنَّه يَنبغي للعبد أن يكونَ المال عندَه بمنزلة الخَلاء الذي يحتاج إليه دون أن يكونَ له في القلْب مكانةٌ، فلا يأخذ العبدُ المال بإشرافٍ وهَلَع، ولكن بسخاوة نفْس ليبارك له فيه.

وفي الحديث المرفوع: ((مَن أصْبَح والدنيا أكبرُ همِّه، شتَّت الله شملَه وفرَّق عليه ضيعتَه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كُتِب له، ومَن أصبح والآخِرة أكبر همِّه، جمع الله عليه شملَه وجعَل غِناه في قلْبه وأتتْه الدنيا وهي راغِمة))، وقال بعض السَّلَف: أنت محتاجٌ إلى الدنيا وأنت إلى نصيبِك مِن الآخرة أحوج، فإنْ بدأت بنصيبك من الآخرة مرَّ على نصيبك مِن الدنيا فانتظمه انتظامًا، قال - تعالى -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 - 58].

وقد جمَع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في قوله: ((فاتَّقوا الله وأجْمِلوا في الطلب))؛ (ابن ماجه في باب الاقتصاد في طلب المعيشة) بيْن مصالح الدنيا والآخِرة، ونعيمها ولذَّاتها إنَّما يُنال بتقوى الله وراحة القَلْب والبدَن وترْك الاهتمام والحِرْص الشديد، والتَّعب والعناء والكدِّ والشقاء في طلَب الدُّنيا إنَّما يُنال بالإسراف في الطَّلَب.

وممَّا يُبيِّن أنَّ أصل الدِّين في الحقيقة هو الأُمور الباطنة مِن العلوم والأعمال قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبيْن ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ مِن الناس، فمَن اتَّقى الشبهات فقدِ استبرأ لعِرْضه ودِينه ومَن وقَع في الشبهات وقَع في الحرام، كالراعي يرْعَى حول الحِمى يوشك أن يقَع فيه، ألاَ وإنَّ لكل ملِك حِمًى، ألا وإن حِمَى الله محارمه، ألاَ وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صلَحَتْ صلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدتْ فسد لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب))، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "القلْب ملِك، والأعضاء جنودُه، فإذا طابَ الملِك طابتْ جنوده، وإذا خبُث الملِك خبثتْ جنودُه".

والقلوب ثلاثة: الأوَّل حيٌّ مُخبِت ليِّن واع، والثاني يابِس ميِّت، والثالث مريضٌ معلول، فإمَّا إلى السلامة وإمَّا إلى الموت، وقدْ قال - تعالى -: جامعًا بين هذه القلوب: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج: 52 - 54].

فالقلْبُ الصحيح السليم ليس بيْنه وبيْن قَبول الحق ومحبَّته وإيثاره سوى إدراكِه، فهو صحيحُ الإدراك للحقِّ، تام الانقياد والقَبول له، وهذا هو الحقُّ الذي خُلِق مِن أجْله القلْب؛ إذ يراد له أن يكون صحيحًا سليمًا لا آفةَ به، فيأتي منه ما هُيِّئ له وخُلِق لأجله مِن عبادة الله وَحْده لا شريكَ له، متبعًا في ذلك سُنَّة نبيه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88 - 89]، وإلا كان خروجُه وحيْدَته عن الاستقامة إما ليبسه وقسوته وموته، فيكون كاليدِ المشلولة، واللِّسان الأخْرس، والعين التي لا تُبصر شيئًا، وإما لمرضٍ وآفة فيه تمنعه مِن كمال هذه الأعمال، ووقوعها على السَّداد والصواب، كالرِّجل العرجاء، والعين التي فيها عشًى، قد تُبصر شيئًا مبهمًا فلا تستطيع تحديدَه وتمييزَه.

فالقلْب يمرَض كما يمرَض البدنُ وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدَأ كما تصدأ المِرْآة وجلاؤه بالذِّكْر، ويَعْرَى كما يعرى الجِسم وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدنُ، وطعامُه وشرابه المعرفةُ والمحبَّة والتوكُّل والإنابة والخِدمة، والله أعلم.

اللهمَّ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقْتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِكَ ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك مِن شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتكَ عليَّ، وأبوء بذَنْبي، فاغفرْ لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهمَّ اغفرْ لي ذنبي كلَّه؛ دِقَّه وجلَّه، خطأَه وعمدَه، سرَّه وعلانيته، أوَّله وآخِره، لا إله إلا أنت.

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على نبيِّنا الكريم، وعلى آله وصحبه امعين

المرجع /موقع: الألوكة

04‏/01‏/2011

الله عـزوجل

لا شيء أعظم من الله، ولا حديث أحسن من الحديث عنه، فذكره دواء، وكتابه شفاء، واتباع أمره نجاء..الله العظيم المتفرد بالصفات العلى والأسماء الحسنى، كمل فيها وعظم، فما من صفة عظيمة في مخلوق إلا وهي فيه أتم شيء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11].فلا يداخله نقص، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وليس له شريك في الملك، وليس له ولي من الذل، له الخلق والأمر..تبارك وتعالى، عز وتكبر، هيمن وتجبر، فاطر السموات والأرض، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار..نور السموات والأرض ومن فيهن، وهو قيوم وملك، ورب وإله، وهو ُيطعِم ولا يُطعَم، وهو القاهر فوق عباده..لا تخفى عليه خافية، يعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين..السموات والأرض في قبضته، والعباد تحت قدرته، يحيي ويميت، بيده الضر والنفع..